دعيت الى حفل (لتكريمي) وهي كلمة مفزعة للبعض وأنا منهم, فهي مرتبطة بنهاية العمر فالكلمة تفزعني أكثر. وأذكر أن عمار الشريعي رفض تكريمه أكثر من مرة, وقال: اعطونا درعا أو ورقة ولا بأس بشيك أما التكريم فاجعلوه حتى يكبر (مراد)! ومراد هو ابنه الصغير. ومع ذلك فكلمة (التكريم) مفتاح لجذب الضيوف الى حفلات لا تكريم فيها ولا يحزنون. وذهبت لأجد أنني واحد من أربعة حظوا بالتكريم. وأين؟ على سطح سفينة جميلة تنطلق في النيل الى المعادي ثم تعود الى وسط القاهرة. وأنا أحب مثل هذه الرحلات النيلية خاصة اذا ما كانت نهارية لأرى الشاطئ. وكنت سعيدا بزملائي الثلاثة لأسباب مختلفة الأول لأنها سيدة فاضلة جميلة, خفيضة الصوت, متفوقة في علمها. والثاني لأنه كان له مشكلة تحدثت عنها الصحف مع زميل آخر لنا, فرأيت أنها مناسبة طيبة لسؤاله عن أبعاد القصة. والثالث لأنه كان مقترحا مشروعا مشتركا بيننا, فرأيت أنها قد تكون فرصة للحديث معه. وهكذا أقبلت على الزملاء الثلاثة بترحيب. ولكنني أحسست بفتور في لقائهم. ولأنني لا أحب حساب أحد على مشاعره. فلقد ابتلعت خيبة أملي, وجلست مذويا. واقترب مني (ياجو) وياجو هو الضابط الذي أخذ يدوي في أذن عطيل, ويتآمر حتى قلب مشاعره الى الغيرة الشديدة حتى قتل زوجته المحبة ديدمونة. ولقد قرأت ذات مرة لناقد انجليزي أن ياجو أبدع شخصية مسرحية سواء كان ذلك في مسرح شكسبير أو غيره من الكتاب. ولقد أدهشني هذا وأنا الذي كنت معجبا أشد الاعجاب بهاملت وليدي ماكبث. وكنت أميل الى كراهية ياجو الذي بدا لي متآمرا لمجرد التآمر. وأنا أحب المزاح المتآمر. فاقول لقريبي ضاحكا كيف يتحدث اليك فلان هكذا.. أو لماذا لم ترد عليه فاسمتني زوجتي منذ ذلك الحين (ياجو). وتأملت شخصية (ياجو) فوجدتها فعلا شخصية جميلة. وإن كنت مازلت مترددا في ابتلاع رأي الناقد الانجليزي, والذي تبناه جبرا ابراهيم جبرا. واكتشفت أن (ياجو) حولنا دائما, يشعل مشاعرنا ولكن ليس للمزاح كما أفعل أحيانا ويدفعك الى مواقف حادة, وأنت لا تهمه وإن كان يبدأ بهذا الكلام بل ما يهمه هو أن يلعب دورا. وأذكر أنه كان بيني وأحدهم مشكلة, فأتى الي (ياجو) وقال لي: ما هذا؟ ماذا يفعل هذا الشيء؟ هل يجرؤ..؟ لكني قاطعته قائلا انني أكن لصاحبنا كل احترام وانني لا أريد من أحد أن يتدخل في هذا الأمر. وأثنى (ياجو) على حكمي وخرج من عندي الى الآخر في نفس اللحظة يصب كلامه في أذنه ضدي. أما (ياجو) السفينة فكان ألطف, تساءل عن هذا الفتور الذي انتاب الزملاء الثلاثة. حاولت أن أتهرب من التعليق بتأكيد أنه لا يوجد فتور.. ورد على سؤاله بأنها الغيرة. فالست الجميلة كل مؤهلاتها, هكذا قال, الصمت وادعاء الحكمة والزميل الثاني فشل عمله الأخير فشلا ذريعا. والزميل الأخير فشل عمله الأخير وإن كان, والشهادة لله, عمليا جدا. تساءلت هل لا بد لكل مكان من (ياجو) اننا في وسط النهر, والموجودون بضع عشرات, والقضية لا تحتاج الى (ياجو) أو هكذا أظن. وتساءلت فجأة: هل صاحبنا هذا هو (ياجو) الوحيد؟! وأخذت أتلفت حولي أبحث عن (ياجو) الآخر. ولاحظت أن الزملاء الثلاثة متطابقون تماما. وأحسست بضيق. ولكنني عزيت نفسي بأن الأمر لن يستغرق أكثر من ساعتين, فالرحلة من أولها الى آخرها تستغرق هذا الوقت. طلب المشرفون على (الحكاية) وأنا أحسبها هكذا لأنني لم أعرف ما هي الحكاية حتى الآن. طلبوا أن نتكلم للسادة الموجودين. ومال علىّ ياجو وقال انهم رتبوا أنفسهم ليتحدثوا أولا. وهززت كتفي بأنني لا أبالي. وتحدثت الزميلة الجميلة فأشادت في ذكاء بنفسها وكيف أنها (بنت جلا) أسوة بالحجاج الذي كان ابن جلا وطلاّع الثنايا. وهمس ياجو في أذني: ألاحظت استياء زميليها رغم أنهم كانوا جبهة واحدة, ليس هناك أسوأ من الغرور يا أستاذ. هو الذي يغرق الأصدقاء. لقد تفرقوا بمجرد أن تكلمت السيدة. جهز نفسك واقضي عليهم جميعا! ولم أعرف كيف أقضي عليهم, ولم تكن لي رغبة في ذلك. وبدأ الزميل الثاني الحديث, فتكلم قليلا عن نفسه, وأخذ يتكلم عن زميله الآخر, وصداقتهما, وجهودهما معي. ووقفت أمام الجمهور الصغير الذي أتى الى هذه الرحلة ليرى هؤلاء المبدعين. وبحثت عيناي عن كل ياجو, وكل عطيل, وكل ديدمونة. وبالطبع لم أحفل بما قاله لي ياجو. واعتبرته تسليمة أكثر منه كلاما جادا.. ووزعت ثنائي على زملائي الثلاثة وجلست. ومال علىّ ياجو بأسى وقال: ما أمكرك لقد قضيت عليهم جميعا! ونظرت له بدهشة فأنا لم أفعل هذا ولا أريده. ووجدت الزميلة تقول لي في لوم: أنت لم تذكر عني كذا وكذا. وقال زميل: كلمتك لطيفة لكنها خفيفة. وقال الآخر: أنا لم أعد أركز في كلامكم. ولم أعرف حتى الآن هل كان يقصد تفخيمي أم أنه يعتبرني منتميا الى جماعة لا أعرفها. وانتهت الرحلة على (خير) حال. ووقفنا ننتظر النزول الى الأرض. فانتبهت الى أن ما حدث هو حالنا الآن. فنحن نتآمر على بعضنا ونظن الجميع يتآمرون علينا, الجميع ينهش لحم الآخر. ماذا حدث؟ حقا هذا ليس جديدا على الدنيا, ولكنه زاد كثيرا. وما حدث في هذه السفينة يحدث في المجتمع الثقافي. ونجد من يقول: لابد أن نحب بعضنا! وأكره كثيرا هذه الكلمات, فالحب لايمكن صنعه, وأتمنى أن يقولوا: خففوا من الكراهية. ليس لأن الكراهية تلوث الثقافة, بل لأنها مرض يؤذي صاحبه أولا. لو أنك عزيزي القارئ سألتني هل حدث ذلك فعلا على سفينة فسأعرف أنك ياجو, أما اذا صدقت أنه حدث على سفينة فسأعرف أنك عطيل! ولعلك تكون مثلي عطيل!