توغلت الموسيقى بين اعمدة بعلبك الاثرية في حفل احيته مساء امس الأول ثلاث فرق عربية واجنبية ضمن مهرجانات بعلبك الدولية التي حملت عنوان (ايقاعات افريقية وجاز) . بدأ الحفل مع الموسيقي التونسي انور ابراهام يرافقه عازف الكلارينيت بارباروس اركوس الذي سجل معه اسطوانة (حكاية الحب الذي لا يصدق) ولأسعد حسني الذي سجل معه البومه الاول (باخاز) . جلس ابراهام على مسرح خال من الديكور يحتضن عوده ورفيقيه بارباروس على الكلارينيت وحسني على آلات القرع كأنه همزة الوصل ومحور النغمة التي غالبا ما تبدأ من بين اصابعه وتصب عنده. ويقود ابراهام فرقته الصغيرة بكل راحة وتفاهم فبهزة رأس صغيرة منه تبرز آلة الكلارينيت عبر نفس عميق وصوت لا يخلو من الحنين وباشارة نسمع دوي الطبلة التي لها نقرة مختلفة عن السائد اذ انها تدوي دون ان تعكر صفاء نغمة العود. وصفق الجمهور طويلا لعازف الكلارينيت بارباروس الذي قدم وصلة تقاسيم لمعزوفة (لونجا شهناز) . ويبني ابراهام بعده الموسيقي بين النغمة وجوابها او بينها وبين قرارها فالسلم الموسيقي معه ملون يحوي ابعادا متتالية وغير متساوية. ويكثر ابراهام استخدامه للجمل الموسيقية القصيرة المتلاحقة والتي تكون منفصلة او متصلة بروابط خفيفة في وحدات متتالية اشبه بحبات العقد ويعمد الى التصوير الموسيقي المجازي السريع الخاطف واكثر ما يوفق في القفلة. ويصل ابراهام المقامات بعضها بعضا كأنها مزيج من المقامات الهندية والافريقية والشرقية ويكثر في استخدامه ايقاع الثقيل الاول الذي يتألف من ثلاث نقرات متتالية ثم نقرة ساكنة ثم يعود الايقاع إلى ما كان عليه. ويبدو تأثر ابراهام واضحا بالمسلك الصوفي فثمة حلقات للذكر تنعقد في موسيقاه حتى تصل جمله الموسيقية في ذروة نشوتها حد الغناء الموسيقي المتقن. ويهتم ابراهام (43 عاما) بالموسيقى العربية الكلاسيكية فهو يؤمن بمزج الفنون وعليه دخل عالم الجاز مع جان جاباريك وتعاون مع موريس بيجار ثم مع جابرييل يارد في موسيقى افلامه مما ادى الى مزيج ثقافي وموسيقي على ارفع المستويات. وكان ابراهام قد التحق بمعهد الموسيقى الوطني في تونس وهو في العاشرة من عمره وانتهز فرصة اقامته المطولة في باريس فجمع فنانين من الهند وافريقيا في موسيقى الجاز مما منح مؤلفاته طرافة فريدة من نوعها. وفي الجزء الثاني من الحفلة تألق عازف آلة الكمان الفرنسي الاصل جان لوك بونتي الذي يمزج في مؤلفاته الموسيقية بين الموسيقى الكلاسيكية والجاز والروك ضمن فرقة متعددة الثقافات. ويعد بونتي احد رواد الجاز - روك في الولايات المتحدة اليوم وهو حائز على الجائزة الاولى في آلة الكمان عام 1960 من المعهد الوطني العالي للموسيقى في باريس. حفلة بونتي كانت اشبه بمباراة حاول كل فرد في الفرقة المؤلفة من خمسة اشخاص ان يطفى صوت آلته على الآلات الاخرى فتكونت في النهاية نغمة قوية خالية من الحنين الذي برع في تجسيده ابراهام وفرقته. وتميز عازف الطبول الافريقية الذي بدا وكأنه يملك اكثر من يدين فهو يمزج ايقاعات متعددة ومتنوعة في آن معا. وفي ختام الامسية قدم الفنان الزائيري بابا ويمبا وفرقته عرضا مغريا اقام الجمهور واقعده عبر موسيقى صاخبة جسدت الثقافة العالمية التي تتخطى كل الحدود. ووصف بابا ويمبا بإنه بطل افريقيا في الغناء وقد تجاوزت شهرته آفاق وطنه زائير واسس البومه الاول الروك الافريقي. تميز بابا ويمبا بموسيقاه المتفجرة وتأليفه الذي يشبه الدمى الروسية فهما يسحبان المتلقى الى خفة الرقص الممنوع على ادراج بعلبك. رويترز