هل الحب حالة خاصة, وهل له طقوس ثابتة؟ أما انه حالة خاصة فذلك أمر لا خلاف عليه.. براهينه كثيرة وشواهده ظاهرة جلية. ألا ترى كيف ينضو المحب عن نفسه كثيرا من أرديته البشرية ويكتسي أثوابا هي إلى الملائكية أقرب؟ ألا ترى كيف يتجرد من كثير من نوازعه الأرضية ويحلق في سماوات من الطهر والشفافية والنقاء؟ ألا ترى كيف يتخلى عن أنانيته وينكر ذاته متلاشيا في الآخر؟ وأما أن له طقوسا خاصة فتلك مسألة اختلف فيها المحبون واجتهد في جمع شتاتها ذوو النهى من المغرمين بقصص العاشقين وأخبارهم, فكانت الحصيلة وصالا وهجرا وإقبالا وصدا وبوحا وكتمانا وسخاء وامساكا وتواضعا وكبرا ولهفة وسلوانا.. وكل المتناقضات التي خلقها الله وأودعها مخلوقاته ثم اختص بها قلوب المحبين دونا عن سائر القلوب. هكذا دوّن التاريخ سير الحب الخالدة.. وهكذا وصلتنا أخبار السابقين حتى كدنا نحسب أن ما نقرأه لا يعدو خيال رواة دعتهم إلى الاغراق فيه ملكات أدبية فذة, أو أمنيات شعراء ملكوا زمام القافية فقادوها إلى مرابع خضراء وجنان وارفة الظلال ليرسموا لنا فيها من الصور ما شاء لهم خيالهم الجامح وما صبت إليه نفوسهم التواقة. غير ان صنفا من البشر يعيش بيننا لا ندري من أي زمن هو قادم يأبى ـ بين فينة وأخرى ـ إلا أن يثبت لنا خطأ هذه الفكرة وهو يصنع الامتداد الإنساني لهذه المشاعر النبيلة التي بدونها لا نأمن على سلامة فطرتنا ولا القيم الجميلة التي نعيش من أجلها في عصر لم يعد فيه لمثل هذه القيم أنصار إلا قلة ارتضت لنفسها أن تكون الرقم الصعب في المعادلة المستحيلة والشموع التي تحترق لتبدد ظلمة اليأس من زمن أصبح الوفاء فيه عزيزا والخل الوفي أول المستحيلات لا ثالثها حتى كدنا لا نتصور وجوده إلا في الأساطير وخيال الحالمين. الوردة الحمراء.. البيجوم أم حبيبة.. ايفيت بلانش لابروس.. رمز آخر من رموز الوفاء.. وأسطورة أخرى من أساطير الحب نسجت خيوط روايتها قبل اكتمال النصف الأول من القرن العشرين بسنوات ست حين التقت السلطان محمد شاه آغاخان الإمام الثامن والأربعين للطائفة الإسماعيلية (جد الاغاخان الحالي) وكان يكبرها بما يقارب الثلاثين عاما. كانت قادمة من فرنسا حيث توجها مواطنوها الفرنسيون ملكة على عرش الجمال في بلادهم, أما هو فقد توّجه أبناء طائفته زعيما لهم وكانوا يزنونه بالذهب, وفي يوبيله الماسي كانت هديتهم له وزنه ماسا فاستحق أن ينال لقب أغنى رجل في العالم. وانطلقت الشرارة التي أعلنت ميلاد قصة أخرى من قصص الحب الرائعة لم يخفت بريقها ولم تنطفئ شعلتها على مدى ستة وخمسين عاما عاش المحبان منها ثلاثة عشر عاما ثم غيب الموت الآغاخان عام 1957 لتواصل البيجوم ـ وهي كلمة أوردية تعني زوجة سليل الملوك ـ إكمال القصة وحدها. وعلى مدى ثلاثة وأربعين عاما عاشتها البيجوم بعد رحيل الآغاخان كان القلب الذي ينبض فوق الثرى يرسل تلك الاشارات السحرية التي لا يعرف كنهها ولا يفك شفرتها سوى الطرف الآخر إلى ذلك الجسد المسجى تحت الثرى ليقول له إن الرواية ما زالت مستمرة وإن غياب أحد أبطالها عن مسرح الحياة لم يسدل الستار على آخر فصولها ولم يعلن نهايتها. وعندما كانت الشمس تشرق كل صباح كانت يد رقيقة تمتد لتقطف وردة حمراء ثم تتوجه إلى ضريح الزوج والحبيب ـ الذي اختار له قبل موته ربوة مطلة على نهر النيل العظيم بمدينة أسوان ـ لتضع الوردة على القبر حيث لا نعرف بعد ذلك تفاصيل الحوار الذي اختارت له هذا الطقس اليومي على مدى أيام الشتاء التي تقضيها في مصر.. وعندما كانت تحول ظروف دون قيامها بهذه المهمة بنفسها ـ كأن تكون خارج مصر ـ كانت تكلف البستاني بوضع الوردة بينما ترسل هي ترنيمة عشقها من على البعد حيثما كانت لتحملها الريح ويسافر بها الضياء حتى تصل إلى ذلك الحبيب الذي سكن تلك المدينة الوادعة القابعة في جنوب أرض الكنانة قريبا من (وادي الملوك) بعد أن توج نفسه ملكا على قلب تلك (الوردة الحمراء) التي هجرت صقيع الغرب واختارت لنفسها دفء الشرق كي تكتب اسمها بطلة لواحدة من رواياته التي طالما قرأت عنها أو سمعت بها. ثلاثة وأربعون عاما نثرت خلالها ما يقرب من ستة عشر ألف وردة على قبر الحبيب الذي غاب عنها جسده وظلت روحه مرفرفة عليها. رقم قياسي في الوفاء ورقم قياسي في المواظبة على طقس بسيط في ظاهره عميق في معناه. ونتساءل بعد هذا كله كيف تولد الأساطير وكيف تخلد قصص الحب أبطالها؟ ماذا فعلت (الوردة الحمراء) أيضا على مدى ثلاثة وأربعين عاما هي سنوات العشق الصامت أو الصامد؟ لقد كلفت شيخا بتلاوة القرآن يوميا على قبر زوجها في مواعيد محددة من التاسعة حتى الحادية عشرة صباحا ومن الواحدة ظهرا حتى الثالثة عصرا ومن الخامسة حتى السادسة مساء, وكانت أسوان والقرى المجاورة لها مسرحا لكثير من المشروعات الخيرية التي اشتهرت بها والتبرعات التي كانت تقدمها للمستشفيات وجمعية الشبان المسلمين وذوي العاهات والمساهمة في حل المشكلات التي يرفعها إليها المحتاجون من أهل هذه القرى لتحسين أحوالهم المعيشية. ومنذ ثلاث سنوات لم تتمكن (الوردة الحمراء) من زيارة مدينتها الأثيرة أسوان بعد أن دب الوهن في الجسد التسعيني لكنه لم يصل إلى القلب الفتيّ وظلت الوردة تجد طريقها إلى القبر كل صباح حتى كانت الزيارة الأخيرة التي لن تغادر بعدها المدينة تنفيذا لوصيتها بأن تدفن بجوار الحبيب في مقبرة رخامية منقوش عليها اسم زوجها واسمها.. وكان لها ما أرادت. أما أغرب ما جاء في وصيتها فهو عدم الاكثار من نثر الورود على قبرها كأنها أرادت أن تقول للجميع إن وضع الورود هو من اختصاصها وحدها وإن (الوردة) قد أصبحت هي الأخرى تحت الثرى لتنهي أو لعلها لتبدأ قصة حب ووفاء ربما وجدت من يكتبها ذات يوم ليعطيها حقها في عالم الخلود. تنمو شجرة الحب وتورق أغصانها في أرض لا تعترف باختلاف الأوطان ولا فوارق السن واللون واختلاف الألسن والأديان والثقافات والمنشأ.. فالشرط الوحيد الذي تتطلبه هو أن تتطابق بصمات القلوب وتتوحد ضرباتها لتعزف تلك السيمفونية الرائعة التي تتجاوب معها شعوب الأرض جميعا فيصوغها الشعراء قصائد رائعة وتترنم بها الحناجر أغنيات ساحرة ويترجمها المبدعون ملاحم خالدة لا تغادر ذاكرة الأيام. وكلما تفتحت وردة على غصن من أغصان هذه الشجرة الوارفة الظلال انتشر شذاها وعطر عبقها الكون واحتوتها القلوب ورنت إليها الأبصار وأحاطتها بالاعجاب والأمل والدعاء. ففي مملكة الحب لا مكان للحسد والتباغض, فللحب على البشر تأثير عجيب عبّر عنه أحد العلماء حين قيل له إن ابنك قد عشق فقال: الحمد لله.. الآن رقت حواشيه ولطفت معانيه وملحت اشاراته وظرفت حركاته وحسنت عباراته وجادت رسائله وجلت شمائله فواظب على المليح واجتنب القبيح. أربعة وثلاثون عاما زرعت (الوردة الحمراء) أيامها ورودا وسقتها من نبع الحب لترتوي من رحيقها قلوب العشاق وترفرف حولها أشواق المحبين.. ورغم مفارقة الروح للجسد فمازالت (الوردة) تعيش بيننا لأنها من غرس الحب.. وللحب دوما ورود تعشق الحياة.