أصدرت محكمة امريكية الاسبوع الماضي حكما تاريخيا يلزم شركات التبغ الكبرى بسداد مبلغ 145 مليار دولار تعويضا للمدخنين عن الاضرار الصحية والذهنية والنفسية التي لحقت بهم واصابتهم بها لعنة تدخين السجائر. والحكم تاريخي فعلا, من اكثر من زاوية, فهو يقر ربما للمرة الاولى بمسئولية شركات التبغ العالمية عن اصابة ملايين المدخنين بأضرار فادحة تحرمهم متعة الصحة, وتقصف اعمارهم مبكرا, وخلافا للدعاية المراوغة التي تلجأ اليها تلك الشركات من باب ابراء الذمة وتسجيل المواقف, لم يعفها القاضي والمحلفون الستة من المسئولية القانونية المباشرة عن تدمير صحة المدخنين ولم تعتد المحكمة بتلك العبارة الدعائية التي تغلف بها شركات التدخين علب السجائر او اصابع الموت البطيء والتي تقول عن طريق المغالطة (التدخين مسئولية كل مدخن) . لأنها ـ أي عبارة (التدخين مسئولية كل مدخن) كلمة حق يراد بها باطل, صحيح ان قرار التدخين او الاستمرار فيه راجع الى قرار فردي, من حيث الشكل, لكنه قرار يفرض احيانا على المرء ويتخذه وهو مسلوب الارادة تحت تأثير سطوة الدعاية المباشرة والتي ترغبه وتدفعه لتجريب (متعة) التدخين, من جهة والدعاية غير المباشرة من جهة اخرى, والتي تشمل الاجواء العامة السائدة في الحياة الاجتماعية ويتضح لنا مدى خطورتها, عندما نعرف ان تجربة كل مدخن مع اول سيجارة, كانت تجربة لا ارادة له فيها فهي جاءت من باب التقليد, قبل ان تتحول الى عادة تضعف ارادته, بل تسلبها, وتجعله يستمر في ممارسة الانتحار البطيء, رغم كل ما يسمعه ويشاهده ويقرأه عن مضار التدخين, وسلسلة الامراض الفتاكة التي يجلبها معه. والحكم تاريخي ايضا من جهة ان المحلفين الذين اصدروه بينهم واحد مدخن وآخر اقلع عن التدخين واربعة غير مدخنين ولم يتورطوا ابدا في تجربة الانتحار البطيء, ومن جهة ان رافعي الدعوى الجماعية يتراوح عددهم ما بين 500 الى 700 ألف مدخن امريكي. وعود على بدء, ولأننا لن نستفيد من التعويضات ذات الأرقام الفلكية في وطننا العربي, فيكفينا ان نستيقظ على مغزى الحكم, وندق ناقوس الخطر ونطلق حملة توعية جادة لمحاربة التدخين وتهيئة الاجواء للاقلاع عنه. ولا عزاء للمدخنين, ولن اكون واحدا منهم بعد اليوم. سيد زهران