في اول انجاز علمي كبير في القرن الحادي والعشرين اعلن العلماء من 18 دولة في مؤتمرات صحفية متزامنة في عواصم دولهم, تتويج العلوم الطبية بوضع خريطة لـ 97% من الجينات البشرية وهو ما اعتبر ثورة في الطب تتجاوز نتائجها اكتشاف المضادات الحيوية, وهبوط الانسان على سطح القمر. هذا الانجاز الطبي الجديد الذي تكلف 3 مليارات دولار يعد بداية عهد جديد من التشخيص والعلاج الطبي وحتى تحديد اسباب السرطان وعلاجه, وذلك لأن استخدام معلومات الجينوم خلال السنوات المقبلة سيعيد صياغة الطب والصناعات الطبية بصورة جذرية, فمع تقدم المدارك حول طبيعة الرموز الجينية الانسانية سيبدأ العلماء في اكتشاف الروابط بين الاختلافات الطفيفة في كتاب الجينات التي تحدد قابلية الاصابة بالمرض, وبمجرد اكتشاف الخطأ المسبب لذلك المرض فإنه يمكن الهجوم على ذلك الجين بدواء معين, او باستخدام فيروس مصمم خصيصا لهذا الغرض, او حتى بزراعة صيغة (املائية) صحيحة فوق ذلك الجين لشفاء المرض, وسيكون بمقدور الاطباء على الاقل تحديد من هم أولئك المرشحون للاصابة بالزهايمر او بنوع معين من السرطان.. وعلى سبيل المثال فإن الشخص المرشح للاصابة بسرطان البروستاتا بعد سن الاربعين يمكن ان تجرى له فحوصات دورية كل ستة اشهر للتأكد من ان ذلك المرض لم يبدأ في الظهور او النشاط, فإذا اكتشف السرطان في مراحله الاولى فإنه قابل تماما للعلاج, واذا تم التوصل الى ان الشخص المعين ليس عرضة لأي خطر, فإنه سينعم براحة البال. وتعود قصة الهندسة الوراثية الى عام 1866 عندما اجرى الراهب النمساوي جريجور يوهان مندل تجارب لتهجين نبات البازلاء وتوصل الى مجموعة قوانين لتفسير وراثة بعض الخصائص البيولوجية عرفت فيما بعد بقوانين (مندل) وفي العام 1933 كتب الروائي والناقد الانجليزي (الدوس هكسلي) اول قصة خيال علمي تتناول موضوع الهندسة الوراثية وكانت بعنوان (عالم جديد شجاع) . ولكن القفزة الحقيقية والخطيرة ظهرت عندما تمكن العالمان كوهين وبويد في العام 1971 من وضع اساليب اولية لاعادة اتحاد المادة الوراثية المسماه (دي ان ايه), وخلال الاعوام القليلة التالية تم للمرة الاولى عزل الجين المسئول عن انتاج مادة الانسولين, وفي العام 1977 انشئت في الولايات المتحدة اول شركة تجارية تعنى بالهندسة الوراثية اطلق عليها اسم (جينتيك) بينما شهد عام 1985 اكتشاف البصمة الجينية بواسطة العالم اليك جيفرس, وبعد هذا الاكتشاف بسنتين استخدمت البصمة الجينية دليلا جنائيا في المحاكم الامريكية.. ولكن العام 1997 حمل انباء الانقلاب الدراماتيكي في تطور علم الهندسة الوراثية والذي لفت اليه الانظار عندما تم استنساخ النعجة (ميجان) باستخدام الخلايا الجينية. لكن انباء استنساخ النعجة (دوللي) طغت على سواها عندما استخدم العالمان آيان ويلموت تقنية استبدال الشفرات الوراثية عن طريق ادماج نواة خلية جسدية اخذت من ضرع نعجة في بويضة اخرى افرغت من نواتها واخذت من نعجة اخرى.. ثم تناقلت وكالات الانباء اخبارا متواترة عن استنساخ قرود وابقار وفئران, تحمل خلاياها كروموسومات بشرية, وربما سمع الكثيرون بأخبار الفأرة (ماني) او الفأر (مؤسن) التي تحتوي خلايا جسديهما على نحو ألف جين بشري.. ونعود الى علمائنا الذين اعلنوا عن الثورة الطبية الكبرى مؤخرا حيث قالوا ان المسودة النهائية لكتاب (الحياة) من المتوقع ان تصدر في عام 2003 قبل الموعد المحدد لها بثلاثة اعوام, وتكفي المعلومات المتضمنة في الجينوم البشري اذا تمت كتابتها لملء 200 دليل هاتف كل دليل مكون من 500 صفحة وحوالي 3% من البيانات تغطي سلاسل الحامض النووي التي تشكل ما يقدر بحوالي 50 الى 100 ألف جين بشري تقدم الاوامر لتجعلنا كما نحن.. ان آثار هذه المعرفة لا يمكن الاستهانة بها على الصناعات الصحية, فهناك 50 مرضا فقط مسئولة عن 90% من الوفيات الانسانية, فإذا اصبح من المستطاع التنبؤ بهذه الامراض ومنعها او علاجها بالمضادات الحيوية الجديدة فإن التكلفة العالية للعناية الطبية وهي الاكثر ارتفاعا في اقتصاديات دول العالم اليوم ستنخفض بصورة ملحوظة. وفي الوقت نفسه فإن شركات الادوية التي تصنع الادوية القادرة على محاربة الجينات المسئولة عن الامراض ستهيمن على الصناعات الصحية في كل العالم.. ومن المؤكد ان المعرفة الجينية ستمكن الانسان من مواجهة احدى المشاكل الضخمة التي تلوح في الافق وهي الافراط في استخدام المضادات الحيوية خلال القرن العشرين, والتي ادت الى ظهور انواع من الكائنات الدقيقة التي اكتسبت مناعة ضدها, وكنتيجة لهذه الظاهرة, فإن العالم يمكن ان يرتد الى مرحلة ما قبل المضادات الحيوية, عندما كان ملايين الناس يموتون بسبب الالتهابات, ويمكن ان يشعر الاطباء من الآن بأثر الجينوم في هذا المجال فمن المتوقع ان يتم في القريب العاجل فك رموز عدد كبير من الكائنات الدقيقة بعد ان تم فك الرموز الجينية بصورة كاملة لكائن كان من مسببات الامراض للانسان وهو (الباتوجين) اذن من الممكن فك رموز امراض السل والكوليرا والملاريا والتي تؤدي مجتمعة الى وفاة 20 مليون نسمة من البشر سنويا.. خاصة ان فك رموز اي جينوم يوفر لشركات الصناعات الدوائية من فرصة واحدة الى ست فرص لتركيب مضادات حيوية جديدة تشفي امراضا محددة. ولأهمية هذا الانجاز التاريخي اشاد به كل من رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا في اعلان مشترك صدر بواسطة دائرة تلفزيونية مغلقة ربطت بين البيت الابيض وداونينج ستريت, وقارن كلينتون بين المشروع وعصر الاستكشافات الذي رسم الخريطة الارضية وقال: (دون شك هذه اهم واروع خريطة انتجها الجنس البشري على الاطلاق.. ولكن الزعيمين اكدا على ان هذا الانجاز الطبي ينطوي على مخاطر اساءة الاستخدام وتعهدا بأن يعملا على ألا تؤدي هذه المعرفة الى تزايد التمييز العنصري.. ولكن كيف يمكن ان تؤدي الى التمييز العنصري او (الجيني)؟! يرى العلماء انه مع بداية تحديد الاخطاء (الاملائية) في الرموز الجينية المتصلة بأمراض القولون والسرطان وغيرها فإن هناك سنوات عديدة ستفصل بين اكتشاف المرض وبين شفاء المريض بعد استهداف الجين, وفي هذه الاثناء فإن الاشخاص الذين اكتشفت لديهم هذه الامراض يمكن ان يتعرضوا لتمييز من قبل شركات التأمين مثلا التي سترفض التأمين عليهم, او اصحاب العمل الذين يرفضون مثلا تشغليهم.. والاكثر خطورة من ذلك هو السؤال عن وجود امكانية بتغيير تصميم البشر؟ والجواب كما يراه العلماء هو ان معرفة تضاريس خريطة الجينوم تتيح المجال من الناحية النظرية على الاقل امام تصميم انسان مختلف ولو توفر المال والمجهود البحثي المطلوب في مجال الجينوم الانساني وجينوم الطيور مثلا فإن بالامكان تخيل انسان بجناحين!! وقد ذكر العلماء مرة انهم قد يطورون انواعا من الزرافات او الافيال بحجم الحيوانات المنزلية الأليفة!! وتمادى البعض في الحديث عن الجانب المظلم من هذا الانجاز لدرجة انهم قالوا ان ذلك لن يكون اكثر رحمة بالحياة من خطر التهديد النووي او خطر الحروب الكيماوية, فالأمر في منتهى الرعب وما يجري من اعادة صياغة البنية التحتية للكائنات الحية عن طريق التلاعب بالجينات ينطوي على خطر ماحق يهدد مستقبل الحياة برمتها على سطح الارض!! وبعد ذلك كله يبقى السؤال الذي يهمنا نحن: ما هو مصير العرب والعروبة بعد ثورة الجينوم؟! هل يمكن ان نعدل من حالنا باستخدام الجينات وانتاج (سوبرمان) عربي؟ سيبقى حالنا على ما هو عليه نجلس في الصفوف الخلفية من السينما العالمية لمشاهدة افلام خيالية يعلن عنها بين فترة واخرى.. بينما نبقى نحن.. متفرجين فقط!!