كلنا رأى فيلما تسجيليا عن حياة الحيوان في الغابات أو سهول (السافانا) تلك التي لطالما انْشدّت إليها العيون تُراقب الوحوش وهي ترعى وتشرب وتَرِدُ على الغدران لترتوي, ظبية البان والنعامة والزرافة والأيائلُ والنمور المتربصة الصائدة والأُسود المتوثبة للهجوم على كل زائغة العين فاترة اللحظ من الغزلان والتي طالما تأسف واحدُنا على ذهابها ضحية وحَقَدَ على ذلك الأسد القسْورة وهو يفترسها بلا رحمةٍ ولا هوادة ثم لا نلبث ان نقول: ولكنها رحمة الله الذي جعل لكل دابة طعاما لتشبع حتى لا تعيث في الأرض فساداً كما يفعل كثير من بني البشر الذين يأكلون وينهبون ويقتلون لا ليأكلوا بل ليتْخَموا ويحرموا سواهم ليستبدوا بكل شيء ويقطعوا سبل الحياة على غيرهم ومن عَلِم من الناس ذلك أدرك ان بعض الحيوان أرحم وألطف بالحيوان من الانسان بالانسان. فالأول يفترس ليأكل والأخير يقتل وهو شبعان متخم. ولا شك ان الله سخر كل شيء في الأرض للانسان وحفظه من افتراس الحيوان بأن جعل غريزة الافتراس موجهة في الحيوان إلى شبيهه من الحيوان أولا وبذلك سد الخالق تعالى عن الانسان باب خطر لولاه لكان طعاما سائغاً لكل ذي نابٍ ومخلب من الجوارح والسباع. وزوَّد الخالق ذلك الانسان الأعزل بعقل سلبه من الغزال والحمار والثور فحماه بعقله من ناب الكلب العقور والأسد الهصور ومن مخلب الصقور والجوارح. ثم أعود فأقول لطالما سجَل لنا أصحاب الفن السينمائي والتلفزيوني مشاهد تلك الحياة البرية الطبيعية فدُهشنا بها أيَّما دهشة, فقال المؤمن منا: سبحان الخالق الرحمن, وقال الملحد: انها الطبيعة. وما درى ان الطبيعة خلق الرحمن. المهم في الأمر ان العرب قديما شاهدوا تلك المشاهد الطبيعية المدهشة في فلواتهم وسهولهم فبهرتهم فسجلوها ولكن في ذاكرتهم النقية التي لا مثيل لها, وما كان لهم من أمر التلفزة والسينما شيء وما كان لغيرهم ذلك ولكن كان لسواهم الرسم بالألوان والنحت على الجدران فإنك لو زرت مصر الفراعنة أو فارس الأكاسرة لوجدت تلك المشاهد من الطبيعة وصراعها على جدران معابدهم ومحافلهم مرسومة منقوشة أو منحوتة منصوبة أما العرب الأوائل فما كان لهم من معابد ولا محافل يرسمون عليها وينحتون ولكن كان لهم الرسم بالكلمات التي بقيت من بعدهم صورة لا يمحوها الدهر ولا يُغيِّر لونها مَرُّ الزمان والعصور انه الرسم بالشعر والتصوير بالكلمات, فكان مما رسمت كلماتُ الشعر العربي وسجلت, تلك الصورة الحية لصراع البقاء الدائم بين القوي والضعيف في بيئة الحيوان في قصيدة لا تجاوز العشرة أبيات إلا بواحد يصف فيها أول امراء الشعر العربي امرؤ القيس حمار وحش في فترة مبيته بعد ان تعشى وشبع ونام ثم أصبح في اليوم التالي, ولكن الغريب في القصيدة انها برغم أنها جميعها من نصف الشطر الأول فيها إلى آخر شطر فيها تصف حمار الوحش وحالاته في بياته وصراعه من أجل البقاء حتى ليظن الظّان انها ما كتبت إلا لغرض وصف ذلك الحمار الوحشي, إلا أنها في الحقيقة وصف لحالة الشاعر ذاته وما وصْفُهُ لحمار الوحش إلا تشبيه بحالة ذلك الوحشي, وذلك لقوله: كأنّي ورحلي فوق أحقب قادحٍ بشُرْبةَ أوطافٍ بعِرْنانَ موجِسِ فقوله كأني ورحلي دلالة واضحة بل بداية مقصودة حددت بما لايدع للشك محلا ان القصيدة ذاتية الهم أراد بها امرؤ القيس ان يُفْصِح عن هم يجثم على صدره فأراد ألا يكون ذلك افصاحا معتادا يموج بالشكوى مكشوفة الوجه سافرة الجبين, فالتفت إلى ما حوله فلم يجد ما يمثل ذلك الهم الجاثم على صدره وتلك الشكوى والضجر والصراع النفسي إلا حالة ذلك الوحش الحمار الذي لطالما تأمله فعرف طباعَهُ وحالاتِه وبيئتهُ والأخطار المُحْدِقة به فرأى ان كل ذلك خير شبيه بحالته فشبه نفسه ورحله راكباً على ذلك الحمار الوحشي الأحقب المُخطَّط القارح ـ أي المسن ـ في مكان أو أرض اسمها شُربة أوطاف في منطقة اسمها عرنان وهو خائف متوجس تعشى عشاءً قليلا يناسِبُ حالة التوجس والخَوف التي يقاسيها, ثم ذهب يحفر بظلوفه ـ أي بحوافر رجله ـ مكانا ينام فيه يثير الرَّمْلَ (إثارة نبّاث الهواجِر مُخْمِسِ) أي إثارة رَجلٍ معتادٍ على إثارة الرمل في الهواجر أي في الحر في البيداء يدفع بإبله إلى الماء لتشرب في اليوم الخامس بعد ظمأ دام أربعة أيام, يقول: تعشى قليلا ثم أنحى بظلوفِه يثير التُّراب عن مبيت ومكنسِ يهيل ويذري تربها ويثيرُه إثارة نبّاثِ الهواجرِ مُخْمِسِ ثم بات ذلك الحمار الوحشي على خدِّه الأسود ومنكبه في نومة تشبه اضطجاع الأسير المقيد. فبات على خدٍ أحَمَّ ومنكبٍ وضجعتُهُ مثلُ الأسير المكردَسِ ثم يصف امرؤ القيس مبيت ذلك الحمار في جنب أرطاة وهي من شجر البوادي يصفها كأنها إذا أصابها المطر أو الغَبْيةُ وهي زخة المطر فاحت رائحتها كبيت رَجُلٍ حديثِ عُرْس يفوح بيته وفراش عروسه بالطيب فقال: وبات إلى أرطاةٍ حقفِ كأنها إذا ألثقتها غَبْيةٌ بيتُ مُعْرِسِ ثم يمضي امرؤ القيس يصف ذلك الوحشي الحمار وقد صبحته كلاب الصيد الجائعة من كلاب أشهر صيادي الجاهلية (ابن مُر وابن سنبس) وهما من قبيلة طيء التي منها كريم العرب حاتم الطائي. وهنا ينقل امرؤ القيس تلك الصورة التي ربما لم تفت كثيرا منا مشاهدتها على شاشات احدى القنوات المحترمة التي تقلل بمثل هذه البرامج التسجيلية من زخم هذه السخافات الاعلامية التي باتت حشو قنواتنا الفضائية. فامرؤ القيس في هذه الصورة الشعرية يعرض لنا فيلما بالكلمات يوثق فيه صراع الحيوان من أجل البقاء من قبل ان توثقه عدسات الكاميرات في هذا العصر. فهو يصف تلك الكلاب المجوّعة الضارية وهي محمرة العيون من تسليط وايحاء أصحابها لها,وكأن عيونها تشبه زهرة العِضْرِس الحمراء, فقال: فصبّحه عند الشروق غُدَيةً كلابُ ابنِ مُرٍّ أو كلابُ بابنِ سنبسٍ مغرثَّةً زُرقا كأن عيونها من الذَّمر والإيحاء نوّارُ عِضْرِسِ ثم يصف دفاع حمار الوحش عن نفسه بإثارته الغُبار عليها يكسوها به وكأنّه جذوة نار مشتعلة لأنه موقِن بأن تلك الكلاب إن أمسكت به كان موته في ذلك المكان ذي الرمِث والرِّمث نباتُ منتشر في بادية العرب. فقال يصف ذلك: فأدبر يكسوها الرَّغاَمَ كأنّه على الصَّمْد والآكام جذوة مُقْبَسِ وأيقن إن لاقينه ان يومَهُ بذي الرّمثِ إن ماوتْنهُ يوم أنفُسِ ثم يصف الشاعر امرؤ القيس ادراك الكلاب لذلك الحمار المسكين وأخذها بساقه تجره من عِرق النّسا, والنَّسا بفتح النون وليس كسرها كما هو شائع عرق في الساق يصيبه مرض مؤلم شهير عند الناس بأن اسمه عرِق النساء بكسر النون خطأ, والنساء بريئات منه. ويصف شاعرنا ان الكلاب تجر ذلك الحمار من ساقه تمزّقُهُ كما (شبرق) أي كما مزّق الولدان ثوب راهب الدير كناية عن الرهبنة والزهد, فقال شاعرنا: فأدركنه يأخذن بالساق والنَّسا كما شبرق الوِلدانُ ثوبَ المقدَّس ثم قال يصف دخولها به الغور أي المكان المنخفض من الأرض المملوء بشجر الغضا تأكل منه وتتركه كقرم الهجان أي فحل الجمال المُعرض للشمس بعد ان أصبح فادراً أي عاجزا, فليس له إلا ان يتشمس, فقال: وغَوَّرن في ظِلّ الغضا وتركنَهُ كَقِرمٍ الهِجانِ الفادِرِ المتشمسِ فأي قدرةٍ هذه وتوثيقٍ لم يبلغه فيلم وثائقي وأي سَبْق هذا في الحفاظ على ظواهر البيئة, قام به شاعرنا العربي امرؤ القيس قبل ما يزيد على ألف وخمسمئة سنة. يكتبها سالم الزمر