بعض المهن تفضح نظرات أصحابها, وبعضها يدفع إلى الاعتقاد ان كل الناس عرضة لأن يكونوا زبائن لدينا يوماً ما. فالحلاق تدفعه مهنته إلى النظر إليك بعين فاحصة تستقر على شعرك فيسألك عن نوعية الشامبو الذي تستعمله, فتعترف له انك مهووس بالعناية بشعرك وانك تستعمل أفضل أنواع الشامبو, فيقول إذن المشكلة في طريقة قصك مسلما له رأسك ليفعل به ما يشاء خاصة انه سليل عائلة شعارها (والدي من دانت له الرقاب) . لكن الحذّاء يثبت نظره على قدميك قبل أن يسألك عن مقاس حذائك ويستغرب انك ترتدي مقاسا أكبر من مقاس قدمك, وهو بذلك يدعوك إلى شراء حذاء من محله شكله (أنعم وأجمل) مما ترتديه. طبعا ستزوره وأنت في طريقك إلى العمل لانه زرع الشك داخلك لان حذاءك ضخم جدا. وكذا الحال مع مهنة الخياط الذي يعرف ذائقتك بالنسبة للألبسة, فيقول لك مثلا لقد أصبحت بدينا قليلا أو ان الجاكيت يظهرك ممتلئا, وطبعا ستلبي دعوته المبطنة وتزور محله ليخيط لك ثيابا تظـهرك نحيفا. ولكن كيف تفضح مهنة الطب صاحبها؟ المسألة بسيطة فإذا كان طبيبا مختصا قال لك انك مرهق وتحتاج إلى بعض الفحوصات. وإذا كان طبيب عيون فإنه سيقرأ أعماق خوفك من طريقتك في تثبيت نظارتك وسيسألك منذ متى لم تفحص نظارتك الذهبية, فتقول له منذ سنوات فيوضح لك ان عليك فحصها باستمرار والأحسن كل ستة أشهر. وإذا كان طبيب قلب سيسألك عن حالة السكر لديك, وبعدها ستجد نفسك زبونا مداوما على عيادته, أما إذا كان طبيب أعصاب فالأفضل ألا تطيل البقاء معه لانه في الجلسة الثانية سيقودك إلى مستشفى المجانين, ولكنه إذا كان طبيبا جراحا من أنصار المغني جورج وسوف, فإنه سيكون دمثا فيقرأ خارطة جسدك عبر جُمل هادئة من الحوار بينك وبينه تتحول إلى صداقة سرعان ما يستثمرها إلى ضرورة تخليصك من بعض آلامك في الجهة اليمنى أسفل بطنك, فيضغط مثلا هنا, فتصرخ, آه, فيقترح عندها استئصال زائدتك الدودية ويتحول اقتراحه إلى ايحاء ثم إلى حالة مرضية ثم إلى مبضعه الحاد الذي يرسم خريطة ألم في بطنك تجعلك طريح الفراش عشرين يوما. أما إذا كنت صحفيا فإن مهنتك ستفضحك حتما لانك تسأل كثيرا وتدس أنفك في كل شيء, بل انك تكسب رزقك من تدخلك في شئون الآخرين, حتى انك لم توفر جسدك من تلك الأسئلة عن طبيعة آلام الجهة اليمنى من أسفل البطن وكيف تكون وما هي أسبابها, حتى وقعت في براثن جورج وسوف أقصد (طبيب جراح) فقدم لك اجابات كافية على كل فضولك عبر قطعة لحمية زائدة من أمعائك وضعها في محلول داخل زجاجة صغيرة إلى جانب سريرك! بعض المهن تفضح أصحابها, وبعضها الآخر يقود إلى الجحيم, والثالث يدفع إلى الحماقة وبين كل تلك الأشياء توجد شعرة صغيرة, تقيك بعض العذاب.. فحافظ عليها. حسين درويش