أخذتني الدهشة وأنا أحدق إلى الصور.. ما لبثت أن وضعتها جانبا ثم تناولت المخططات من (مازن) . كانت مرسومة باتقان, ذات خطوط جميلة, لا تمت بصلة إلى خطوط التزيينات والمزخرفات.. خطوط مستقيمة, عمودية, مائلة.. ترسم أساسات لأبنية وقاعات وغرف وصالات وكراجات وممرات. أشار مازن باصبعه: إنه مخطط بناء نقابة العمال. سألته: الجديد؟ أجاب: لا أعتقد بأنه ذاك الذي انهار.. وهرب متعهده إلى خارج البلاد. تناولت كمية أخرى من الصور. كانت هذه المرة بطاقات معايدة, صورا, عليها معالم البلاد الأثرية والسياحية ونهضتها الحديثة. سألته: ألا تعتقد معي بأنها صور قديمة جدا؟ أجاب: هذا ما أعتقده. ثم أضاف: أنظر إلى العربات ولباس الناس.. حتى الأعمدة التي تحمل مصابيح قديمة, أيام كانت الكهرباء بقوة (110 فولت), ولكنها جميلة.. أعتقد ان عمر البطاقة الواحدة أكثر من ثلاثين سنة.. أجبت: أعتقد ذلك.. قال مازن: خذ هذه اليوميات, انها يوميات متعهد.. لا أعرف ان كان هو نفسه الذي بنى النقابة المنهارة, أم غيره.. ولكنه يتحدث عن جملة من أعماله المعمارية.. لقد قرأت فيها أمورا لا تصدق! يا الله.. ما كان أسهل على بعض الناس الخداع والغش في تلك الأيام التي يتحدث عنها المتعهد؟ تصور. يقول المتعهد في إحدى يومياته, انه دفع ألف ليرة من أجل أن يضع المهندس المشرف توقيعه على وثائق تشير إلى ان البناء قد تم وفق المواصفات المطلوبة في العقد.. استغربت الأمر فسألت مازنا: وماذا فعلوا بالمهندس بعد انهيار المبنى؟ أجاب مازن: لم يتحدث المتعهد عن مهندسه, انه يتحدث عن مشاريعه, وبعض مغامراته الغرامية.. ويتحدث أيضا عن تعرضه مرة لمحاولة قتل من قبل موظف كان يعمل لديه.. عندما ضبطه الموظف مع زوجته في المنزل. فهرب بسرواله الداخلي.. يقول المتعهد, انه قطع درج المبنى وثلاثة شوارع حتى وصل إلى سيارته بذاك المنظر.. ولكن ما استغربه, تابع مازن, اني وجدت بين الصور والمخططات ومراسلات موقعة باسم (وهبي) , أعتقد بأنها كنية! رسائل مرسلة إلى ..... شخص يحمل كنية (كيالي) , يقول في بعضها, ان صاحبه هذا, فنان احترق في بيته! سأله مازن: أعتقد بأني سمعتك مرة تتكلم عن فنان احترق في بيته.. هل كانت كنيته (كيالي) ؟ سألته: رسائل مِنْ مَن يا رجل؟ من لؤي كيالي؟ تساءل مازن: هل كان اسمه لؤي؟ قلت له: دعني من استفساراتك.. هل الرسائل التي وجدتها بين الصور هي من لؤي كيالي؟ أجابه مازن: لا أعتقد, إنما من المتعهد, يتحدث فيها عن (لؤي كيالي) , هذا ما أعتقده.. تابع: لم تقل لي, هل (لؤي كيالي) هو الشخص نفسه الذي حدثتني عنه ذات يوم.. هل هو الذي احترق في فراشه؟ أجبته: نعم.. سأل مازن: كيف احترق؟ أجبته: كان قد تناول حبوباً منومة بعد أن اعتاد عليها, فنام وفي يده سيجارته.. فسقطت في فراشه واحترق هو والفراش.. قال مازن: غريب. ولماذا كان يتناول الحبوب المنومة؟ أجبته: كان مريضا, لا يستطيع النوم إن لم يتناول واحدة.. ثم أضفت: هل تستطيع أن تجلب لي الرسائل التي حدثتني عنها؟ قال: سأجلبها. فأنا لست بحاجة إليها, ثم لا أعرف لمن هي مرسلة؟ قلت له: سأكون شاكرا لك. قام مازن يريد الذهاب. قال: سأترك هذه الصور والمخططات واليوميات لديك, حاول أن تشاهدها على مهلك ربما تصل إلى لغز هذين الكيسين اللذين وجدتهما لدي.. كان مازن قد أخبرني بأمر غريب. قال لي: كعادتي, عندما أعود في الليل إلى البيت, أنزل إلى الملجأ لأضع فيه عدة عملي, قبل أن أصعد إلى البيت.. وقد فوجئت منذ ليلتين بهذين الكيسين على الدرج الأخير للملجأ.. ظننت أول الأمر بأنهما كيسان مملوءان بالقمامة, تكاسل أحد قاطني المبنى على حملهما إلى الحاوية, فتركهما هنا, في الملجأ. ولكني بعد أن وضعت عدة العمل رأيت ان الكيسين نظيفان نظافة لا تدل على انهما مملوءان بالأوساخ. نظرت إلى داخلهما, قبل أن أمد يدي إلى الكيس الكبير, فوجدت فيه مئات الصور وبقية الأشياء التي اريتك إياها. ثم رأيت في الكيس الثاني وهو الأصغر حجما بعض الأوراق وأغلفة رسائل ورسائل وبطاقات أعياد قديمة.. استغربت وجود الكيس في الملجأ. قلت لنفسي, ربما هما لأحد قاطني المبنى, ربما نسيهما؟ لم أحاول في البداية أن أحمل الكيسين معي إلى البيت, ولكن الفضول هو الذي دفعني إلى ذلك وأنا أقول لنفسي: ان كانا لأحد ما من قاطني المبنى فلا شك انه سيسأل عنهما... وهكذا, كما ترى وجدت فيهما ما وجدت. لقد ظللت طيلة الليل أقلب محتوياتهما, انه عالم غريب, مجهول, لم يعد السؤال من هو صاحب الكيسين يثير خيالي, إنما ما وجدت فيهما هو الذي رماني في خيالات جمة. إنها أسرار, ربما لو وصلت إلى الجهات المسئولة لوجدت فيها قضية اتهام لأحد ما! لأن هناك يوميات تشير بعبارة صريحة إلى رشاوي, وشراء ذمم, واختلاسات, وانتهاك أعراض... حتى اني وجدت فيها وبالقلم العريض, ان جرائم ستقع, اضافة إلى تلك التي وقعت في الماضي, وتخريبا متعمدا ومقصودا لمنشآت خاصة بالدولة, من حرق واتلاف, واختفاء بعض الوثائق تدين جهات وأشخاصا علانية.. وأضاف مازن: عندما تقرأ هذه الأوراق ستشعر بأن جريمة وتخريبا متعمدا وقع بالأمس, وسيقع في الغد.. أي تجد نفسك أمام مخطط مرسوم منذ سنوات طويلة حسب ما تشير إليه تواريخ اليوميات من قبل بعض المهندسين الكبار والقضاة والمحامين والتجار الذين جاء ذكرهم في الرسائل واليوميات.. تابع مازن: حاول أن تقرأ.. لديك الليل كله. حاول أن تجد تفسيرا لهذه اللقية التي وجدتها.. لقد سألت نفسي كثيرا: لماذا وضع هذان الكيسان أمام ملجأ من بيتنا؟ هل هذا الأمر جاء مقصودا أم انه من باب المصادفة لا غير.. قلت لمازن: ربما اراد صاحب هذين الكيسين ان يتخلص منهما, فحملهما معه في السيارة أو بيده وسار بهما بضعة امتار أو بضعة كيلومترات فوجد في مدخل بنايتكم وفي ملجئها بالذات المكان المناسب للتخلص منهما.. نظر مازن إلي وقال: ربما.. ولكن هناك نقاط ضعف كبيرة في حكايتك هذه! لو كان الأمر كذلك, باعتقادي لقام بحرقهما لديه في البيت وتخلص بالتالي من اثارهما.. اما ان يحملهما ويرميهما هكذا في الشارع, ليلتقطهما احد الناس, وقد يكون هذا (الأحد) من جهات امنية مسئولة او على علاقة بهما.. لا.. لا.. لا اعتقد بان صاحبهما اراد التخلص منهما, لو كان هذا هدفه لتخلص منهما بطريقة لا تترك أي دليل, في حال وقوعهما في ايدي... قاطعت مازن: لماذا لا تحاول ان تفكر بالطريقة التالية: مثلاً, وصله خبر يقول, تخلص باسرع ما تستطيع مما لديك من ادلة, لان (كبسة) ما ستكون لديك خلال ساعة.. لهذا لم يستطع ان يتخلص منهما لضيق الوقت سوى بالهروع إلى اقرب بناية واخفائهما في ملجئها ليوم او بضعة ايام ليعود بعد ذلك إلى استردادهما والتخلص منهما بطريقة لا تترك وراءها أي اثر... فوجد في ملجأ بنايتك خير مكان آمن.. هز مازن رأسه وقال: والله لا اعرف ماذا اقول لك. ثم اضاف: ولكن قل لي, ما دخل صاحبك في هذا الأمر, وقد اخبرتني بانه قد احترق المسكين منذ سنوات؟ قلت له: لا اعرف, ولكني سأطلع الليلة على الرسائل التي تأتي على ذكره, لارى ماذا (لم الشامي على المغربي) كما يقول المثل المصري؟ سألني مازن: لقد اثارت شخصية صاحبك فضولي, هل لديك معلومات عن حياته.. وبخاصة انت الذي عرفت فيك ميولاً للرسم والفن؟ اجبته: لدي, ولكن هذه قصة اخرى.. قال: لا انها جزء من هذه القصة التي نتحدث عنها.. ثم اضاف طالباً: هل لك ان تحدثني عن حياة صاحبك هذا؟ قلت له: صدقني هذه حكاية اخرى, وان لم تصدق سأحدثك.. قلت لمازن: كان لقائي الأول به, يوم كنت في سنتي الأولى من دراستي الاعدادية, كنت في ثانوية المأمون, وكان العام الدراسي في أوله. دخل علينا شاب نحيل بقميص ابيض. مرفوع الكمين, وبنطال اسود أو كحلي, لم اعد اذكر.. عرفنا على نفسه بـ (لؤي كيالي) مدرس مادة التربية الفنية, خريج ايطاليا, ومن روما بالذات. اذكر في تلك السنة كنت احلم بالذهاب إلى روما لدراسة الفن فأخذت بالقادم من روما, كانت له لحية جميلة تمتد من اسفل اذنيه دون خديه, وعينان غائرتان, فيهما حيوية خائفة وذكاء نادر.. ولم يمض معنا سوى شهرين حتى سافر إلى دمشق معتمداً في جامعتها ومدرساً في كلية الفنون الجميلة.. شعرت بشيء من الحزن وبكثير من القهر, فسطرت له رسالة طويلة, لا اذكر ماذا كتبت فيها, إلا انني تحدثت فيها عن حبي للفن ورغبتي الجامحة في ان اصبح فناناً... واليوم يا صاحبي لا اعرف ان كانت الرسالة قد وصلت اليه ام لا.. وهكذا رحت اتتبع اخباره عن بعد, عبر الجرائد واحاديث بعض اقربائه, وفي المعارض التي يشارك فيها.. اذكر في اوائل عام 1965 أو 1966, كتب مجموعة من المقالات. نشرها في الجرائد يتحدث فيها عن علاقة الفن بالمجتمع وزيف ادعاء القائلين بالفن للفن, وان على الفنان ان يكون رسول المقهورين من بسطاء الناس من اجل غد أفضل لهم.. شعرت يا صاحبي, وانا اقرأ المقالات, كأنه يحارب قوى لم يسمها تريد محاربة (فكرة علامة الفن بالمجتمع) خلافاً لماكان يعتقده هو.. واذكر ان بعض النقاد والفنانين شنوا عليه حملة شعواء, ولكنه لم يتأثر بحملتهم المسعورة, رد عليهم حسب ما اذكر برسم مجموعة كبيرة من اللوحات اقام منها معرضاً ضخماً سماه (القضية) رسم فيها كثيراً من المواقف الاجتماعية والقومية والسياسية... وظل بعد ذلك يقاتل حاملاً لواء الفن الهادف, المعبر عن قضايا المجتمع, إلى ان كانت حرب هزيمة 1967, فأصيب باحباط كبير مما أدى به إلى حرق جميع لوحات (القضية) بالكاد استطاع بعض معارفه انقاذ بعض اللوحات من النار.. ثم اصيب بانهيار عصبي, عولج بعد ذلك لشهور طويلة, فانقطع عن الرسم بعد ان سُرح من عمله كمدرس في الجامعة لوضعه الصحي محالاً إلى التقاعد وهو في الثلاثين من العمر أو أكثر بسنة.. في هذه الفترة يا صاحبي.. عاد إلى حلب وقضى عدة سنوات لا يفعل شيئاً سوى الجلوس في مقهى القصر, والتأمل وشرب القهوة. ثم عاد شيئاً فشيئاً إلى الرسم من جديد, فانتج خلال تلك الفترة جل لوحاته الحزينة التي تحكي عن الفقراء والبائسين والمحبطين والمقهورين... عالم شفاف, حزين, اناس بعيون غائرة, وزهور بيضاء ذابلة تحمل طاقات حزن دفينة, ومراكب صيد وصيادين مع شباكهم المهترئة الذين يقتعدون الشاطىء والرمال وهم يرفون ثقوب شباكهم. كان يذوي امامنا في مقهى القصر, ويضيع, يقضي ليله في الملاهي ليس حباً في اجوائها, انما لاكتشاف المزيد من البؤس الروحي الذي راح يصوره... أي انتقل في تلك المرحلة من رسم حالة البؤس الاجتماعي لشخوصه إلى حالة بؤسها الروحي.. وكان لا يزال يعاني من حالة الانهيار الذي دفعه إلى علاج مستمر طويل.. إلى ان جاء يوم احتراقه الذي حدثتك عنه.. ظل مازن مطرقاً, صامتاً ينظر إلى دون اي تعليق على ما حدثته به, كأنه يقلب امر الحكاية في ذهنه, ثم هز رأسه وقال: غريب لا اجد علاقة بحياته مع صاحب الرسائل, وتلك اليوميات التي يتحدث فيها صاحبها, انه يريد وبقوة ان يشتري بعض لوحات الفنان.. ثم يشكو من هذه القضية ويعتبر نفسه غير محظوظ لانه لا يستطيع ان يلاقي الفنان, ثم يقول: كأنه يهرب مني.. هكذا بدأت اشعر في الآونة الأخيرة, والا ما معنى عدم تواجده في البيت أو المقهى, أو في أي مكان يمكن ان يتواجد فيه.. جملة واحدة اسمعها كلما سألت عنه: ليس هنا.. ثم يضيف صاحب اليوميات: تصور لقد سافرت إلى اللاذقية عندما عرفت انه ذهب إلى هناك, بحثت عنه في كل الفنادق التي يمكن ان ينزل فيها, ولكن احداً لم يفدني بشيء, قلت ربما نزل لدى اصدقائه.. كنت على استعداد ان ادفع المبلغ الذي يريد ثمناً للوحة من لوحاته, كنت على استعداد ان اشتري منه جميع لوحاته, كل ما يرسمه, أو ان اوقع له على (شيك) مفتوح ان اراد.. ولكن يا للاسف لم احظ به, وأيضاً لم يلب طلبي, ففي كل مرة تركت له عنواني ومكان تواجدي, حتى انه لم يحاول ان يتصل بي بالهاتف.. تابع مازن: اتساءل, لماذا كان يهرب لؤي هذا من صاحب اليوميات هذه؟ ابتسمت له وقلت: ببساطة, اعتقد بان لؤي رغم مرضه وانسحابه من المعارك التي خاضها مهزوماً, كان لا يزال مؤمناً بكل ما قاتل من اجله. اعتقد, لهذا لم يسع إلى صاحب اليوميات الذي يريد ان يوقع له على (شيك) مفتوح.. نظر مازن إلى وجهي ملياً مالبث ان قال: تحليل معقول وأضاف: ربما كان هذا هو السبب.. ولكن لا بأس. ستقرأ اليوميات والرسائل, يمكن بعد ذلك ان نناقش الأمر على ضوء يكون أكثر واقعية.. لم انته من القراءة إلا في السادسة من صباح اليوم التالي. لقد اطلعت على جميع ما في الكيسين من الصور والمخططات وبطاقات الاعياد والرسائل وتلك اليوميات المدونة منذ أكثر من ثلاثين سنة.. ولكن ما لفت نظري, علاوة على الاشياء التي ذكرناها انا ومازن اعلاه, هي رغبة صاحب الكيسين, أو لأقل رغباته. كتب عنها صراحة في احدى رسائله. لم يشر إلى المرسل اليه, كأنه كان يكتب الرسالة إلى نفسه, رغم ان رغباته التي سأتحدث عنها, كان قد اشار اليها هنا وهنالك في يومياته, ولكن باختصار, وفي شيء من الغموض. تشير رسالته إلى انه يرغب في ان يجعل من قلعة حلب صرحاً سياحياً يعبق برائحة العصر, ويتحدث عن مشروعه هذا ويقول: كم اود ان يأتي ذلك اليوم الذي استطيع ان احول فيه القلعة إلى مزار سياحي! ثم يعلق: صحيح هي اليوم مزار ايضاً, ولكنها مزار في صورة متخلفة, خاسرة, اود, هكذا يبدي رغبته, ان اجعل منها معلماً سياحياً معاصراً, هناك صورة لها في رأسي, صورة لا ادري كيف ولدها خيالي, ومن اين استقيتها, اود ان اجعل منها اخرى حديثة, ان اجعل من الهضبة التي تقوم عليها القلعة هضبة تتلألأ كالمصابيح. يتابع صاحب الرسالة خياله: تصور ان تكسي واجهة القلعة بالرخام والمرمر والألومنيوم والزجاج, وان تبني في وسطها, مكان حبس الدم, مسابح وحدائق وملاعب للتنس والجولف ولسباق الخيل, وان ترفع إلى جانب جامع القلعة واجهة لفندق من الدرجة السياحية الممتازة؟ اعتقد, يتابع صاحب الرسالة: بان هذه الصورة التي اريد ان ارى فيها القلعة ستجلب سياحاً من كل انحاء العالم, ويكون دخلها السنوي بملايين العملات الصعبة.. وليس كما هي الآن, دخلها بضعة آلاف من الدولارات.. عندما انتهيت من القراءة شعرت برعب قاصف, اي انسان هذا؟ ولكني تذكرت بصورة فجائية ما يجرى اليوم, تذكرت كل المشاريع السياحية التي اقيمت والمحاولات التي نجح معظمها في تحويل اثارنا إلى ما كان يطمح اليه صاحب الرسالة والحكايات التي سمعنا بها ومازلنا نسمع بها في كل يوم.. من ان هناك دعوة لتحويل الحدائق التي يتنفس فيها فقراء بلدنا إلى فنادق من درجة خمس نجوم.. قلت لنفسي: اي راء هذا الذي تحدث عما يجرى اليوم قبل ثلاثين سنة؟ قمت بوضع محتويات الكيسين من اجل حملهما, في المساء إلى مازن.. لو كنت أعلم ما كان ينتظرني بالقرب من بيته, لما ذهبت اليه, لدعوته إلى المجىء إلي, ولكني كأي غبي لا يعرف الحذر حملت الكيسين وقلت لنفسي: اذهب بهما سالماً غانماً يا صاحبي إلى صاحبك الذي وضعهما بين يديك.. حملت الكيسين في الساعة الثامنة مساء, وتوجهت إلى بيت مازن وانا لا ازال اعاني مما قرأت وشاهدت من الصور والمخططات. كنت تحت قوة سحرية وانا اتذكر محاولات صاحب اليوميات والرسائل وبحثه على الفنان واصراره وعناده على اللقاء به. قلت لنفسي: احقاً كان يبحث عنه من اجل شراء اللوحات لديه؟ كانت الاضواء تحف بي, وانا امر بالاشجار المزروعة على الارصفة بعد ان تخدرت يدي تحت ثقل الكيسين. تساءلت, لماذا لم آخذ سيارة اجرة؟ صحيح ان بيت صاحبي قريب إلى حد ما من بيتي, ولكن الكيسين ثقيلان.. هذه الفكرة خطرت لي وانا اقترب من منزل صاحبي وانا احدق في بوابة حديقة السبيل الحجرية الجميلة. ابتسمت عندما تذكرت عملية بيع (السبيل) لاحد المقاولين المعروفين, من اجل جعلها مدينة سياحية... ما لبثت ان قهقهت! وكيف لا تضحك عندما تسمع مثلاً ببيع المستشفى العسكري الاثري, لهدمه واقامة مجمعات سكنية وتجارية على انقاضه؟ كيف لا تضحك عندما تسمع بمحاولات بيع مخفر العزيزية الاثري الجميل؟ كيف لا تضحك وانت تسمع دعوات لبيع الحديقة العامة؟ نعم هناك من يحاول بيع الحديقة العامة بحجة انها مكان للفساد حيث يتلاقى فيه الناس من رجال ونساء.. وما ان وصلت إلى مدخل الحارة التي يقع فيها منزل صاحبي مازن حتى وجدت نفسي محاصراً بين ثلاثة رجال متشابهين بالوجه واللباس! وقبل ان اسأل نفسي ماذا يريدون مني حتى تقدم مني رجل رابع وهو يقول: لقد انتظرناك طويلاً!! وقبل ان ينتهي من كلامه كان قد انتزع من يدي الكيسين, ثم التم علي الثلاثة, ودفعوني باتجاه سيارة مغلقة واحدهم يقول: اياك ان تصدر صوتاً او تبدي اية حركة غير طبيعية. ثم هددني: اي تصرف غير طبيعي منك سيفقدك حياتك.. التفت حولي, ماذا؟ هل انا في فيلم بوليسي؟ ثم ضحكت غير مصدق ما يجري لي, دفعوني إلى داخل السيارة المغلقة, وانطلقوا بي, لا ادري لماذا تصورت ان مازن سيكون ايضاً بالسيارة وسيلاقيني بضحكة! قلت لو انه لم يخبرهم بأمر الكيسين والموعد الذي بيني وبينه, فمن اين لهؤلاء معرفة ذلك؟ كان داخل السيارة معتماً. شعرت كأنني في مغارة مغلقة لا ينفذ اليها ضوء, اتاني صوت احد الرجال: منذ ثلاثة ايام ونحن بانتظارك. اخبرنا كيف حصلت على الكيسين؟ ظننت انهم يحققون معي, الا انهم تابعوا حديثهم واسئلتهم دون ان يعنوا باجابتي.. وهكذا ظلوا يدورون بي في السيارة.. في البداية حاولت ان اتابع خط سيرهم في ذهني, ولكني ما لبثت بعد حين ان اضعت الطريق الذي سلكوه ولم اعد اعرف اين انا, شعرت بعد ذلك كأنني قد نمت أو غفوت لزمن ما! لان الصمت عندما استيقظت كان مخيماً الا من هدير السيارة وهي تلف بي وتدور في الشوارع. كنت في ظلمة اشبه بظلمة القبر, حتى ان الرجال الذين معي في السيارة كانوا ملتزمين الصمت... لا ادري لماذا شعرت بخوف, لم افكر إلى اين يريدون ان يأخذونني؟ هل لم افكر إلا باني اعيش احداثاً هي في قلب نوم انا غارق فيه. لذا استقبلت الحادثة بشيء من الطرافة والهزء والسخرية! لابد ان هناك لعبة ما تتم؟! اما متى سيعلنون عن انتهائها فالله أعلم.. ما لبثت بعد زمن ان شعرت بالسيارة قد اخذت تخفف من سيرها تدريجياً حتى توقفت.. فتناولتني ايدي الرجال من العتمة التي كنت غارقاً فيها, وقذفتني إلى زقاق مظلم والسيارة تنطلق مسرعة كسيخ النار مختفية عن عيني.. قمت وانا التفت حولي, ثم تقدمت إلى الامام انفض عن ثيابي ما علق بها من الاتربة ونور ضعيف يشع في نهاية الزقاق. خرجت إلى شارع عريض اشبه بشوارع الاوتسترادات.. شعرت كأني في مدينة غريبة لا اعرفها.. كانت الشوارع عريضة جداً, ذات انفاق وجسور معلقة, تمر عليها سيارات مسرعة, وينزلها ناس في عجلة من امرهم. كانت المباني التي اخذت تحيط بي عالية جداً, تعلو عشرات الطوابق, لها واجهات زجاجية منارة بمصابيح كهربائية جديدة, مكاتب شركات, اعلانات, دعايات عملاقة عن بضائع لم اسمع بها من قبل. رحت اتوغل رويداً رويداً في قلب المدينة, ومع تحديقي فيما حولي اخذت اشعر كأنني اعرف هذه الشوارع رغم جدتها, أدور في اماكن كأنني درت فيما سبق لي من الأيام فيها. شعرت بشعور المسافر العائد إلى بلده بعد ان غاب عنه بضعة عشرات من السنين وهو يراقب ما يمر به ويتذكر كم يشعر تجاهه بألفة وحنين, ولكنه يشعر بالوقت نفسه بالغربة عنها, لم يعد يعرفه, فقده منذ زمن بعيد, كالمرء الذي يرى فتاة كان يحبها, ثم فارقها سنوات.. فتاة يعرفها ولا يعرفها.. ظللت على حالي هذه حتى وصلت إلى شارع كان لا يزال محافظاً على عتقه وقدمه, تذكرته انه يؤدي إلى قلعة حلب.. اسرعت, اريد الخروج منه, اريد ان اصل إلى السور المحيط بالقلعة.. وبعد سير طويل, هكذا شعرت, وجدت نفسي امام السور.. امام القلعة.. ولكنني لم اصدق ما رأيت. لم اجد القلعة التي اعرف.. وجدت امامي قلعة من نوع آخر, قلعة بثوب جديد, بباب بلوري عملاق, جدرانها مغطاة بالمرمر والرخام. اما سورها فكان ملبساً بمادة اشبه بالزجاج يشع بانوار تبهر الابصار, وفوق خندقها تمتد مجموعة من الجسور المتحركة تحمل عليها السيارات لتنقلها إلى داخل القلعة, وعلى بابها الرئيسي وجدت شرطة من نوع خاص يشبهون إلى حد بعيد الرجال الذين اختطفوني, ترفرف فوق هاماتهم مجموعة من الاعلام ذات طابع سياحي, اما تلك الفتحات التي كانت تستعمل ذات يوم لرشق الاعداء بالاسهم والزيوت المغلية فتطل منها إعلانات عن مسابقات الجمال والجولف والتنس والعطور.. ظللت واقفاً احدق إلى القلعة وانا لا أصدق ما تراه عيناي! قاص وروائي سوري من جيل السبعينيات تمتاز كتاباته بالواقعية والمحلية الراصدة لاحوال مجتمعه