بمجرد انطلاق صفارة الحكم إيذانا بانتهاء المباراة وفوز الفريق الفرنسى, قامت الدنيا ولم تقعد, وقدر لى أن أشهد أضخم تعبير انسانى عن الفرح بالفوز والانتصار هذه الليلة, ومن ناحية أخرى ذروة الهوس الكروى, بحيث يمكن اعتبار أقصى حالات جمهورنا المصرى. الذى أعرفه جيدا من خلال التلفزيون بالغ الهدوء والاستكانة بالقياس إلى ما شاهدته وعاينته تلك الليلة فى حى سان ميشيل أو الحى اللاتينى كما يعرف فى باريس. الحى اللاتينى اعتبره المركز الروحى لباريس. ليس بسبب وجود كنيسة نوتردام فى قلب أعظم كنائس فرنسا وأحد النماذج المعمارية الفريدة فى الفن القوطى, إنما لوجود الجامعة العريقة السوربون, والكوليج دو فرانس, ودور النشر الكبرى, والمسارح ودور السينما والمكتبات, وإذا كانت الثقافة بأنشطتها ومنتجاتها تعد العنصر الرئيسى فى فرنسا. فيمكن اعتبار هذا الحى العريق بمثابة المركز للحياة الثقافية فى فرنسا, انه منطقة الجامعة والطلبة والشباب والباحثين عن الشهرة والعابرين والسائحين والمتسكعين, وبالنسبة لى اعتبره جمالية باريس, أزقته وحواريه وشوارعه الصغيرة تستدعى إلى ذهنى حوارى الجمالية ودروبها. ولو أن أزقتنا وحوارينا لقيت ما يلقاه هذا الحى من عناية وصيانة لبدت أكثر جمالا ورونقا, وليس لنا الا أن نأمل, لعل وعسى! فى هذه الليلة اندلعت مشاعر الفرنسيين واتخذت أقصى ما يمكن أن نتصوره عندما تتفجر الفرحة الجماعية, والسبب هذا الجسم المصنوع من المطاط, الكرة, الذى تتبادله أقدام اثنين وعشرين لاعبا فى ساحة محدودة, وخلفهم يقف عدد لا يمكننى حصره من المدربين والاداريين والصحفيين ورجال الأعمال والمال ومن قبل ومن بعد مشاعر وازمنة وميراث وأحداث شتى, تصبح هذه الكرة رمزا للوطنية, والاعتزاز بالنفس, وللمغامرة والرهان على المجهول, لماذا كرة القدم بالذات؟ لماذا لم تكن كرة اليد أو كرة السلة أو كرة الطاولة؟ لا أدرى.. كعادتى كل ليلة قصدت الحى اللاتينى بعد جولة فى المكتبات اقتنيت من خلالها كتبا للفن تباع بتخفيض هائل ولي عنها حديث منفصل, لكن موضوع الانفعال الذى رأيته تلك الليلة من أغرب ما عشته خلال زياراتى المتعددة لباريس. قصدت بصحبة صديق حميم يعيش فى فرنسا منذ السبعينيات مطعما اسبانىا لنتناول العشاء, لاحظت خلو المطاعم من الزبائن, منظر لم أعتده فى الحى هنا, هذه المطاعم التى تقدم مأكولات مختلفة تنتمى إلى بلدان شتى لا تخلو أبدا من الزبائن على مدار الأربع والعشرين ساعة, سألت صاحبى الدكتور عاصم عبدالحميد: لماذا يبدو الحى خاليا.. أين الناس؟ تطلع إلي بدهشة فرنسا بتلعب! تلعب مع من؟ مع ايطاليا فى نهائي كأس أوروبا.. هنا لابد من ايضاح أمر. ذلك أننى مع الشأن الكروى مثل أهل الكهف, إلا ما يتعلق بالمباريات القومية التى يكون الفريق المصرى طرفا فيها, أو فريق عربى يلعب فى نهاية بطولة دولية مع فريق أجنبى, وهذا أمر نادر, فيما عدا ذلك فلا علم لي بأخبار الكرة ولا أفراد الفرق المختلفة. دخلنا إلى المطعم الاسبانى, ولم يكن فيه الا شخص واحد, قصير القامة, يتحرك بخفة ودربة ذكرتنى بأولاد البلد فى القاهرة القديمة, اذ يكاد الواحد منهم يؤدى حركاته وكأنه يرقص من فرط حماسه واخلاصه. لصاحبى عاصم علاقات حميمة فى باريس, مع جرسونات المقاهى والمطاعم وباعة الصحف والشحاذين, صاح بصوت منغم (روبيرتو..) جاء روبيرتو مرحبا, انه اسبانى, انفصل عن زوجته مؤخرا, رحب بنا, لكنه بدا مشغولا, مهموما, لقد بدأت مباراة الكرة الآن بين فرنسا وايطاليا وهو اسبانى لكنه يقيم ويعمل فى فرنسا, لذلك يشجع فرنسا بالطبع, كل العاملين فى المطعم ذهبوا الى صالة فندق مجاور كى يتابعوا المباراة, أما الزبائن فمعظمهم يجلس أمام أجهزة التلفزيون. بين الحين والآخر كانت صيحة جماعية تنطلق تهدر فى الحى, تناولنا العشاء فى مطعم فارغ تماما, وعندما اتجهنا الى مقهى يقع على ناصية سان ميشيل, ويمكن من خلاله رؤية كنيسة نوتردام. كانت الصيحات ترتفع على مسافات زمنية متقاربة, وبدا نظام المقهى وقد اختل تماما. فجميع المقاعد صفت باتجاه التلفزيون الذى وضع فى الداخل, وكان الواقفون أكثر من الجالسين, وخشية أن يشتبه أحد المشجعين فى اننا من الايطاليين اتجهنا بمقعدينا الى التلفزيون, ورحت أتابع شذرات من المباراة التى لم أكن أعرف احداثها منذ البداية. قبل اللحظات الأخيرة سجل أحد اللاعبين الفرنسيين هدفا أصبحت بعده فرنسا متقدمة, وعندما صفر الحكم ايذانا بانتهاء المباراة قامت الدنيا ولم تقعد. الشوارع الفارغة انشقت فجأة عن مجموعات من الشباب. صبغ كل منهم وجهه بالألوان الثلاثة التى تشكل لون العلم الفرنسى, ذكورا واناثا, بعضهم يمسك بالرايات الفرنسية التى امتلأ الفراغ بها. ثم بدأ تدفق السيارات فى كافة الطرق. الشباب يطل من النوافذ وبعضهم ينزل الى الطريق. يتشقلب ثم يركب على مقدمات العربات ثم يقفون ليرقصوا أو يرفعوا شارات النصر, السيارات تتدفق خلال الطريق المحاذى لنهر السين, باتجاه الشانزليزيه حيث قوس النصر وميدان الكونكورد الذى تقدم فيه المسلة المصرية, انه طريق الاحتفالات والاستعراضات واعلان المواقف, ولكل مدينة مركز مشابه تتجه اليه الجماهير الثائرة لإعلان رأيها. أو موقفها, أو الغاضبة أو الراضية أو المنتصرة, وفى القاهرة يقوم ميدان التحرير بهذه المهمة منذ بدايات القرن الماضى, ومن قبل كان الجامع الازهر. الصيحات تعلو, وتتحول فجأة الى نشيد المارسيليز, نشيد الثورة الفرنسية, بينما بدأ يتصاعد فى الهواء دخان ولون, شيئا فشيئا بتصاعد الزحام. تتوقف وسائل المواصلات العامة, وعربات الأجرة, ألاحظ نزول قوات مكافحة الشغب واتخاذها مواقع مهمة, ولكن فى صمت وبدون أن يلحظ أحد وجوههم, شباب يقترب من سيارة تقودها سيدة, يبدأون فى هز العربة وكأنهم يستعدون لقلبها, السيدة تصفق لهم. طاقات الفرح أكثر من أن تتدفق عبر المظاهر العادية. انفجر الفرح فى المدينة العريقة. أناشيد, صياح, حركات مختلفة, شارات النصر فى آخر الليل, بعد أن نجحت فى الوصول الى الفندق رأيت بشارع الشانزليزيه عبر كاميرات التلفزيون المركبة فى طائرات عمودية, كان الزحام رهيبا, والاحتفال اسطورىا بمعنى الكلمة. فوز فرنسا بكأس الأمم الأوروبية. انتصار فرنسا على ايطاليا. هذه المشاعر الوطنية المتدفقة تعني ان فكرة الوطن راسخة, وان دعاوى العولمة أفكار عابرة فى اطار نظام عالمى يريد السيطرة على السوق لمصلحة الأثرياء القلة, صحيح أن هناك وحدة أوروبية ولكن لكل شعب خصوصيته ومشاعره الوطنية. أفكار عديدة راحت تتوالى, والفضل يرجع إلى هذه الكرة المطاطية الصغيرة, التى تجسد أمورا عديدة, ربما لأنها كروية وتشبه العالم الدائرى.