لم تعد (عذاري) البحرينية حالة خاصة او ظاهرة متفردة في نوعها, إذ نلتمس العذر من أهل البحرين ان نستحضر شهرتها إلى (مسافي) تلك المنطقة العذبة التي تستلقي في حضن جبال الفجيرة يعبّ منها البعيد ينابيع معدنية وتحرم القريب شربة ماء. (مسافي) التي طبقت الآفاق شهرة عيونها وينابيعها استرعت أنظار المستثمرين للإتجار بمائها والاسترزاق من فيض خيراتها, فأغدقت عليهم الخير كله وجاب فضلها أصقاع الأرض. في (مسافي) الجميلة قرى صغيرة متناثرة كحبات اللؤلؤ حول مصبات الشعب والوديان تطوق الماء كما تطوق اللآلىء جيد النساء, ونبات يجمع قوت يومه من غيث السماء. سنوات متصلة تعمل فيها المضخات العملاقة على سحب المياه الجوفية عبر الآبار الارتوازية للاستهلاك التجاري وكلما نضب السطح مضت خطوط الضخ تتعقب مخزون المياه, ما أن يفرغ من عمق حتى تبعته الى الغور, فالطلب يتصاعد وعطش السوق لا يرتوي. سنوات متصلة يمتنع المطر عن الهطول وتنضب السدود ويغدو العطش قهرا بلا حدود ويتشقق الحجر في مجرى الوديان وتضجر الأرض باللهيب, ويلقي الظمأ والجفاف بظلالهما القاتمة على البيوت والمزارع وحظائر الماشية وتغدو الاحياء جدباء قاحلة والاشجار تموت واقفة والماء ينحسر. تشتد شمس القيظ ضراوة, وتتفاقم أزمة المياه ويمهد الاستنزاف الجائر الطريق للقحط ليصل الى مناطق جبلية اخرى ولم تعد الأرض العطشى تجود بخيراتها, واختفى الماء من الآبار ولم يعد أكثرها نضوبا يصلح للشرب أو الزراعة بعد ان ارتفعت نسبة الملوحة فيما تبقى فيها من مياه. ما أشبه اليوم بالبارحة, على الرغم من البعد الشاسع بينهما إلا أن (عين عذاري) لم تحتفظ بخاصيتها, فباتت (مسافي) نسخة منها تُعبىء المصانع منها مياها معدنية نقية في زجاجات فارهة تصدر إلى الخارج بينما العطش من حولها يستنجد ان تسدي اليه بقطرة ماء. على لسان حال أهالي المناطق الجبلية في الإمارات الشمالية صرخة استغاثة بعد أن استهلكت مضخات المصانع مصدر الحياة وتركت لهم آبارا مالحة اختل توازنها مع مياه البحر, وارضا جرداء فيها الشمس الحارقة سعيرا ولظا ودوابا نفقت من الظمأ. خالد درويش