لا أدري ماذا يفعل زملائي الأعزاء في كتابة هذه الاستراحة. لكنني أجد في كل أسبوع عشرات الموضوعات التي أراها تصلح كموضوع للكتابة, وبعضها يلح عليّ الحاحا شديدا, فإذا جلست الى المكتب لأكتب, وهو تعبير مجازي لأنني في حياتي ما جلست الى مكتب لأكتب, فأنا أجلس في أي مكان آخر.. أقول انني إذا ما تهيأت للكتابة وجدت أن كل الاقتراحات قد تبخرت أو على الأقل لم أجد فيها ما يساوي جهد كتابتها وتقديمها الى قارئ عزيز. وأذكر بعض الموضوعات التي ألحت عليّ مرة أو مرات ومن بين هذه الموضوعات الحديث عن الذاكرة والنسيان. وكنت أتخيل, وربما كنت على حق, أنني صاحب رأي في هذا, وأن رأيي يستند الى تجربة شخصية. فلقد كنت مثل بقية خلق الله الذين أعرفهم مصابا بضعف الذاكرة في بعض الأشياء ومنها النظارة التي أحملها وأنساها في أي مكان. وأنا لا أحب النظارات الشمسية ولا أستطيع احتمالها, لكنهم نصحوني بأن أستخدمها حماية من شمس الصيف الحارقة, وذهبت الى أحد المحلات وأخذت أقلب النظارات وأتفحصها نصف نهار مع أنني لا أطيق هذا من أحد, ولم أفعله من قبل. وأخيرا اشتريت النظارة التي أحببتها. وفقدتها قبل انتهاء النهار. وأحسست بالحزن, فقررت أن أعالج هذا الحزن وذهبت الى نفس المحل, وطلبت نفس النظارة ونفس اللون, وقضيت نصف نهار أنتظر حصولهم على نفس اللون, وأقاوم عروضهم بنظارات أجمل. وأخذت نظارتي الجديدة وقبضت عليها يومين كاملين قبل أن أفقدها. وبسرعة ذهبت الى نفس المحل, وطلبت نفس الشكل ونفس اللون. ويومها اقترح عليّ البائع أن آخذ كل الموجود مرة واحدة. أما المأساة الكبرى فكانت يوم أن عدت الى الكلية التي درست فيها. وكان يوما رومانسيا جميلا. رأيت الطلاب أصغر كثيرا مما كانوا في زماننا, قبل أن أكتشف أنني الذي أصبحت أكبر من زمانهم! وعندما دخلت الكلية لأول مرة حتى أختار القسم الذي أنوي الدراسة فيه كان هناك اثنان من الموظفين أحدهم مهيب كأنه رئيس الوزراء هو المسجل, وثانيهما أقل هيبة ومكتبه أصغر حجما وهو المعاون. أما الآن فعدد الموظفين في كلية الآداب يستطيع تكوين دولة صغيرة. وفي حين كان ينظر لك المعاون فتهمس في أذنه بمطلبك اختلفت الأمور. تدخل أي مكتب فتسمع الصراخ والشجار, ولا تسمع أحدا, ولا يسمعك أحد. وكل موظف يدفعك. ولأنني من أجهل الناس بالبيروقراطية فلقد افترستني تماما. وظللت أصعد الدرج وأنزل عشرات المرات, وفي بعض الأحيان كنت أذهب الى سيارتي لآتي منها بورقة أو صورة. وفي آخر هذه المرات أغلقت باب السيارة والمفتاح فيها. وكان علي أن آخذ التاكسي من جامعة القاهرة الى آخر مصر الجديدة حيث كنت أسكن آنئذ, لآتي بمفتاح آخر للسيارة, ثم أعود, وأكمل رحلة البيروقراطية لأثبت لجهة لا أذكرها الآن أنني تخرجت من كلية الآداب. مع أنني لو كنت تخرجت من كلية العفاريت ما كان هناك فرق. واكتمل حظي الحسن في ذلك اليوم بتاكسي من أيام السينما الصامتة, فكان يعوض صمتها بأصوات رهيبة, فضلا عن بطئه الذي جعل السيارات حولنا تسب سائق التاكسي الذي يعطل المرور. فكان يرد عليهم أمام جمهوره الذي هو العبد الفقير وحده. وكانت ردوده طويلة ومعقدة ومليئة بالحكايات الشعبية والتراثية عن حكمة التأني وعيوب العجلة. ولما اضطررت أن أقول له انني للأسف الشديد أطلب الآن عيوب العجلة, لاحتياجي اليها, عرف مني طبعا سبب رغبتي في السرعة, فأبدى تأففه مما فعلت: كيف يا أستاذ تنسى مفاتيح السيارة داخلها؟ يبدو عليك أنك رجل متعلم وابن ناس, كيف تقترف هذا؟ الرجل الحكيم العاقل لا ينسى مفاتيحه أبدا في السيارة! وظل يتكلم وينصح والمسافة طويلة من جامعة القاهرة الى مصر الجديدة. وعندما وصلنا الى البيت تصور أنه سينتظرني لكنني ألقيت في وجهه بالنقود وقلت له أنني لا أريد أن أراه مرة أخرى. وكانت محاضرة السائق أكثر وجعا من نسيان المفاتيح. وكنا نضحك على طرائف النسيان. ونتبادل قصصها, الى أن سافرت ذات يوم لعمل. وقبل ركوب الطائرة مباشرة تذكرت أنني نسيت كل أوراق العمل. كنت قد أعددتها لأضعها في الحقيبة. ورتبتها على الطاولة, وأغلقت الحقيبة وتركت الأوراق. وفي تلك الفترة لم أكن أعرف شيئا عن شركات نقل الرسائل, وربما لم تكن موجودة في المنطقة. فكان عليَّ أن أنتظر جهود صديق لي في اقناع أحد الطيارين أن يحمل هذه الأوراق لي. وانتظرتها في الفندق ثلاثة أيام أو أربعة لا أفعل شيئا سوى التفكير في قضية النسيان والذاكرة. كنت أعرف أنني لست ضعيف الذاكرة رغم كل هذه القصص المضحكة والمبكية, فعندما كنت في الجامعة كنت أعمل صباحا ومساء في الصحافة. ولذلك اخترعت تأجيل العلوم لدورة ثانية أو حتى لسنة أخرى. وأذكر من هذه العلوم التاريخ الفرعوني. ولأنني أجلته لم أقرأ حرفا واحدا منه. وقالوا لي أن أذهب للامتحان لأن الاعتذار غير الغياب أو شيئا من هذا القبيل. وحضرت وكتبت اسمي وأردت الخروج فرفضوا خروجي قبل انتهاء نصف وقت الامتحان. وجلست لا أفعل شيئا, فنظرت في ورقة الأسئلة لأول مرة, فوجدت سؤالا عن أخناتون. والتقطت ورقة الاجابة بلهفة, وأخذت أكتب حتى امتلأت ورقة الاجابة كاملة. ولم يكن هذا فقط. بل أخذت أدلل على ما أقول بنصوص من مراجع وأذكر الفصل والصفحة وبدلا من رسوبي في العلم وتأجيله نجحت. وبعد أحد عشر عاما شاركت في مؤتمر حضره الدكتور أحمد فخري أستاذ المادة. وبعد أن تصادقنا في المؤتمر, بدأت أحكي له القصة, فإذ به يذكرها ويتمها. وقال لي أنه ظن أن الطالب أفاق مدع ولذلك أخذ يراجع النصوص وأرقام الصفحات على المراجع فإذا بها مضبوطة. وقال لي انه أحس بالحيرة هل يعطي هذا الطالب تقدير امتياز لاجابته, أم يعطيه درجة السؤال فقط ومعنى هذا أن يرسبه, لأنه مطلوب الاجابة عن أربعة أسئلة, وفي النهاية اختار حلا وسطا. وكلما ذهبت الى مصر الجديدة ومررت بشارع الدكتور أحمد فخري حيث يعيش صديقي ماهر مخلوف أتذكر الدكتور فخري, وأقرأ له الفاتحة, وأحكي لصديقي القصة, وأظنه حفظها عن ظهر قلب! هذا أنا فكيف أنسى الى حد أصبح فيه مثار الضحك لأصدقائي. وقلت لنفسي ان الذاكرة متعددة الجوانب, فهناك ذاكرة الأرقام, وهناك ذاكرة الوجوه أو الأسماء أو المعلومات. وقلت لنفسي انه من الممكن تدريب الذاكرة. وهذا ما فعلته خلال عشرين عاما. لم أنس فيها مفتاح السيارة, ولا أوراق عملي ولا نظارة شمس لأنني لم أحب استخدام نظارات الشمس! وكما قلت في البداية فكرت أن أكتب عن النسيان, فلقد أصبحت (أستاذا) في علاجه بعد أن عالجت نفسي وتحديت كل أصدقائي, وربما فكرت في الموضوع بعد أن قرأت كتابا عن النسيان. لكن المشكلة أنني نسيت أين وضعته. وطلبت نسخة أخرى من الكتاب سألوني عن اسم المؤلف فلقيت أنني نسيت اسم مؤلفه. وعندما قال صديق ضاحكا أنني نسيت وأنا أريد الكتابة عن النسيان, غضبت وقلت له أنني عادة أنسى عناوين الكتب لكن لا أنسى ما فيها. وفكرت أن أدرب نفسي على تذكر عناوين الكتب, عندما اتصل بي مكتب (البيان) في القاهرة غاضبين لأنني نسيت كتابة (الاستراحة)..!!