تصادف غدا الذكرى المئوية لانطلاق العمل في مترو أنفاق باريس, إذ قبل مئة عام وتحديدا في 19 يوليو ,1900 تحركت اولى عربات مترو انفاق باريس, الخشبية انذاك, ناقلة اول ركاب وسيلة المواصلات هذه في حدث لم يلق سوى اللامبالاة التامة من الصحف التي كانت تركز اهتمامها انذاك على المعرض العالمي لعام 1900. لكن سرعان ما اقبل سكان العاصمة الفرنسية على استخدام قطار الخط الاول بين الشرق والغرب, المار بقوس النصر والشانزليزيه وساحة الكونكورد وحدائق التويلري ومتحف اللوفر وساحة شاتليه وساحة الباستيل. ومن مئات الاف الركاب الى اربعة ملايين و200 الف يوميا الان سرعان ما اصبح المترو وسيلة النقل الاولى في باريس التي لولاه لكان اصابها الاختناق. وتعتبر شبكة (المتروبوليتان) التي يزيد طولها على ال 200 كلم, القسم الاكبر منها تحت الارض, جزءا من معالم العاصمة ومصدر الهام للكثير من الافلام منها (سابواي) للمخرج لوك بيسون, كما خلدها المغني الراحل سيرج جانسبور في واحدة من اغنياته الشهيرة. منذ منتصف القرن التاسع عشر, توالت مشاريع السكك الحديد في العاصمة باريس لكنها لم تؤد الى النتيجة المرجوة. فقد كانت الدولة تريد شبكة كبيرة للوصول الى المحطات الكبرى وادخال القطارات الى الضواحي في حين تطالب بلدية العاصمة بشبكة صغيرة لتأمين المواصلات بين الاحياء. لكن اقتراب موعد المعرض العالمي في 1900 كان حافزا على الاسراع في اتخاذ القرار. حيث كانت باريس متأخرة بالفعل في هذا المجال عن مدن عالمية اخرى مثل لندن (1963) وبودابست (1896). وفي العام ,1897 حصلت الشركة العامة للدفع الميكانيكي لصاحبها الممول البلجيكي ادوار امبان التي نفذت مشاريع التراموي الكهربائي في العاصمة البلجيكية بروكسل ومدينة ليل (شمال فرنسا) والعاصمة المصرية القاهرة واستراخان (جنوب روسيا) وطشقند, على الامتياز لمدة 35 عاما. وبدأت الاعمال في 1898 بقيادة المهندس فولجانس بينافني (1852 - 1936) الذي ستتذكره الاجيال اللاحقة بأنه (اب المترو) . وكان المشروع الاصلي يتضمن انشاء ستة خطوط بطول 65 كلم. وقد استغرقت ورشة العمل العملاقة 17 شهرا بمشاركة 3 الى 4 الاف عامل انكبوا على حفر الخطوط على عمق تفاوت بين 10 و 20 مترا وعلى نقل قنوات الصرف الصحي مسافة كيلومترات من مواقعها الاصلية. وكانت اعمال حفر النفق تتقدم بواقع اربعة امتار في اليوم الواحد. وعلى رغم اعمال الحفر التي كانت تجرى على قدم وساق, فلم يكن المترو جاهزا في 14 ابريل, موعد افتتاح المعرض. وبعد ثلاثة اشهر, دشن (قطار مدينة باريس) بلا ضجة ولا احتفالات. واكتفت الصحافة الباريسية بتخصيص بضعة اسطر لهذا الحدث. لكن السرور ملأ قلوب الناس بهذا المشروع وفي غضون عام تدفق 55 مليون راكب على الانفاق لاستخدام المترو. ولن يخبو بريق هذا الانجاز على رغم الكارثة التي حلت في محطة كورون في 1903 حيث قضى 84 شخصا في حريق نجم عن احتكاك الاسلاك الكهربائية او بسبب تسرب المياه الى المحطة نتيجة فيضان نهر السين في 1910. وشهد المترو ازدهارا وتوسعا سريعين. ففي اواخر العام 1914 بلغ عدد الخطوط 10 بطول 92 كلم. وفي ,1920 95 كلم وفي ,1930 116 كلم. وابتداء من العام ,1934 تجاوز المترو الحدود الادارية لمدينة باريس ليؤمن المواصلات الى ضواحيها القريبة. وبعد الحرب العالمية الثانية, عهد باستغلال الـ 166 كلم من خطوط المترو الى (المصلحة المستقلة للنقل الباريسي) (ر.أ.ت.ب) التي انشئت في 1949 والتي اطلقت ايضا مشروعا طموحا: المترو السريع لتأمين المواصلات الى الضاحية (ار.او.ار) وتحديث شبكة القضبان وتمديد مسافة الخطوط وتجهيز المحطات بمصاعد آلية وسلالم كهربائية. أ.ف.ب