اتساع المسافة بين الطليعة والجماهير هي احدى المشكلات الاساسية في ثقافتنا. وقد عبر كثير من المفكرين عن هذه المشكلة, واشتكوا من آثارها العديدة, على امتداد التاريخ الاسلامي العربي في عصوره الوسيطة, وعلى امتداد التاريخ نفسه في عصوره الحديثة والمعاصرة. وقد اتخذت هذه المشكلة شكل العلاقة بين العامة والخاصة في مراحلها القديمة, واخذت شكل العلاقة بين الصفوة او النخبة والجمهور في مرحلة حديثة, كما اخذت شكل العلاقة بين الطليعة والجماهير في مراحل احدث, لكنها كانت في كل احوالها علاقة متوترة, فيها من التعارض اكثر مما فيها التوافق, وتنبني على الاختلاف اكثر مما تنبني على التشابه. وكل ما نتحدث عنه من معارك القدماء والمحدثين يدخل في هذا الباب, فالقدماء هم الاكثرية التي استقر وعيها الفكري وادراكها الجمالي على وضع معين. والمحدثون هم الاقلية الرافضة لهذا الوضع, المتمردة عليه, والباحثة عن افق ارحب واوسع, افق يستبدل بالضرورة الحرية, والسكون بالحركة, والثبات بالتغير, والواقع بالممكن. وعندما تنتهي اقلية المحدثين الى ما يقودها اليه بحثها عن وعد اكثر غنى وعطاء, وعن عالم يظل دائما في حاجة من الكشف, فإنها تصوغ هذا الذي تنتهي اليه فكرا او ابداعا وتطرحه على الاغلبية الراضية بوضعها او التي تجد في هذا الوضع ما يحقق مصالحها, او ما يشعرها بالأمان الذي ينبع من العادة والالفة وعندما تقابل الاغلبية هذا الجديد المحدث الذي يختلف عما اعتادت عليه وألفته, فإنها تنقسم على نفسها تقبله, قلة منها ترى في هذا الجديد المحدث وعدا, وترفضه الاكثرية ما ظلت ترى فيه مصدرا للتوتر والقلق وارباكا للانساق الفكرية التي تعودت عليها. هكذا تحدث معركة القدماء والمحدثين التي هي معركة الجماهير والطليعة, العامة والخاصة, وهي معركة متكررة في كل العصور مهما تعددت مسمياتها ومهما اختلفت عناصرها او تباينت تياراتها ويرجع تكرارها الى انها جزء من حركة الحياة التي تمضي في بحثها عن التطور والتقدم باستمرار. وحتى لو توقفت حركة هذه الحياة عن المضي في اتجاه التطور لبعض الوقت, او تقهقرت لسبب او لآخر. فإنها تستعيد قوتها الدافعة الى الامام, بعد وقت يطول او يقصر حسب الاحوال, وتمضي صوب التطور الذي هو قانون الحياة وسنتها. ولذلك ذهب اكثر من فيلسوف الى ان الحياة الانسانية بوجه عام, والاجتماعية بوجه خاص تتضمن دائما قانونين متعارضين, قانون الحركة او التغير وقانون السكون او الثبات. القانون الثاني يهيمن في حالة الاقتناع بما هو سائد والرضى بما هو قائم. والقانون الاول يسود في لحظات التوتر والقلق وازمنة التمرد على الاوضاع القائمة, والثورة على مظاهر السكون والثبات في المجالات المختلفة ولا يكف هذان القانونان عن التصارع في اية لحظة من لحظات تاريخ الجماعة البشرية, بل ان كل جماعة بشرية تتميز عن غيرها بتميز القانون الذي يهيمن عليها, فهناك الجماعات التي يغلب عليها قانون التغير, والتي لا تكف ابدا عن الحركة الى الامام وهناك الجماعات التي لا ترضى بالسكون بديلا وتقنع بالثبات الذي رضته. ولكن اذا كانت سنة الحياة هي التطور الذي يفرض نفسه على الحياة والاحياء وفي مختلف المجالات وعلى كل المستويات فإن هذا المبدأ يجعل الجديد ينتصر دائما والمحدث يحقق اهدافه, لكن بعد صراع ومجاذبة ونفور ومقاومة. ولذلك كان الشيخ امين الخولي عليه رحمه الله يقول كلمات لا أزال اذكرها: تعد الفكرة حينا ما كافرة تحرم وتحارب ثم تصبح مع الزمن مذهبا بل عقيدة واصلاحا تخطو به الحياة خطوة الى الامام وما اكثر الشواهد التي تدعم كلام الشيخ امين الخولي. الديانات السماوية بدأت فكرة محاربة لم تؤمن بها سوى اقلية وشيئا فشيئا وبعد صراع وجهد انتصرت الفكرة المحاربة وصارت دينا وعقيدة. والكثير من المخترعات والنظريات شاهد على ذلك مثل كلام جاليليو عن دوران الارض وما جرى له بسبب ما انتهى اليه, وكذلك افكار دارون عن التطور وعشرات الامثلة جاهزة في ذاكرة التاريخ, حيث يأتي الهجوم دائما في الأغلبية, من العامة, من الجماهير التي تكون سريعة في استجاباتها العدائية, خصوصا إذا وجدت من يحرضها, ومن يدفعها دفعا إلى مقاومة الجديد بالعنف. ولذلك حدثنا القدماء من أسلافنا عن العلم (المضنون به على غير أهله) , وكانوا يعنون بذلك دقائق العلم التي لا تفهمها العامة, والتي لا ينبغي ان يتداول فيها إلا الخاصة, وحدثنا نقاد الأدب قديما عن اختلاف الأذواق وتراتبها الذي يضع ذوق الخاصة في الرتبة العليا, ويجعل ذوق العامة في الرتبة السفلى, وأنا شخصيا لا أستريح إلى هذه التمييزات الحادة, لكنني لا أستطيع ان أنكر ان العلاقة بين الجماهير والطليعة تظل دائما علاقة توتر, وان الجماهير في حالات كثيرة تتحول إلى قوى مقاومة للتقدم, نتيجة أسباب عديدة تستحق الدراسة. وإذا انتقلنا من العام إلى الخاص, وتوقفنا عند ثقافتنا العربية المعاصرة في إجمالها لاحظنا الأزمة التي تجسدها العلاقة بين طرفين غير متجانسين في أغلب الأحوال. أما الجماهير فتشيع بينها ثقافة الاتباع والتبعية, فضلا عن منطق الخرافة والتواكل ونزعات اللامبالاة السلبية, وكل ما تعمل على اشاعته وتثبيته الأجهزة الأيديولوجية للدولة التسلطية وأجهزة المجموعات الموازية للدولة, والمماثلة لها في المنطق البنائي القائم على تراتب التسلط. وتلك ظاهرة تبرز أهمية التمييز بين القوة الاجتماعية Social Power التي يتزايد جنوحها إلى الجمود والتقليد, والقوة السياسية Political Power التي تجد نفسها في حالات كثيرة واقعة في تناقض مع القوة الاجتماعية, خصوصا في عمليات التحديث المادي, حيث تبدو القوة الاجتماعية متوجسة منه, معادية له. وأحسب ان تعاظم التأثير السلبي للقوة الاجتماعية هو ما يفسر لنا ان اضطهاد المثقفين والهجوم عليهم في السنوات الأخيرة انما يأتي, غالبا, من خارج سلطة الدولة, وبواسطة المجموعات التي تمارس ضغطها الاجتماعي, مستندة إلى ثقافة الاتباع السائدة, والمنتشرة بين الجماهير ولولا ذلك ما وقع اغتيال الفنان المسرحي عبدالقادر علولة الجزائري والمفكر فرج فودة في مصر, وما وقعت محاولة اغتيال نجيب محفوظ, وما صدر حكم التفريق بين نصر أبوزيد وزوجته, ولا حكم السجن الذي صدر على الدكتور أحمد البغدادي في الكويت, أو حكم بالسجن مع ايقاف التنفيذ على كل من ليلى العثمان وعالية شعيب في الكويت كذلك, جنبا إلى جنب محاكمة مارسيل خليفة في لبنان, وسيد القمني في مصر, وقس على ذلك عشرات الأمثلة التي تؤكد تعاظم الدور السلبي لقوى الضغط الاجتماعي في المشهد الثقافي الراهن. أما الوجه المقابل للجماهير فهو الوجه الذي يجسد فئات الطليعة الخارجة على الاتجاه السائد, الطليعة التي تجمع بين عناصر متباينة, سواء في منظور مواجهة الاتجاه السائد أو أساليب مقاومته ووسائل نقده وتفكيك آلياته القمعية وتعريتها, وهي طليعة مهمشة منبوذة في الأغلب الأعم من النموذج السائد للدولة التسلطية, ومن الاتجاه السائد بمختلف تياراته, ومن الجماهير التي تغلب عليها ثقافة الاتباع والتبعية, ولذلك تتسم ردود أفعالها بالعصابية التي تتحدد بدرجات الضغط الواقع عليها, كما تتميز بالتوتر الذي لا يفارق العديد من صياغاتها جنبا إلى جنب نبرة الاحباط التي تتناسب والعزلة المفروضة على هذه الطليعة التي لا يحميها سوى اصرارها. ولذلك لا تستطيع بعض فئات هذه الطليعة سوى اعادة انتاج القمع الواقع عليها, ومن ثم ممارسة نوع من الخطاب الاستفزازي الحدي الذي يهدف إلى تنبيه الغافلين, ولكنه خطاب يهدف إلى ما تهدف إليه بقية التجليات الخطابية للطليعة من منظور مواصلة الحلم بالمستقبل, والعمل على الانتقال بالمجتمعات القريبة من مستويات الضرورة المتباينة إلى مستويات الحرية المتنوعة, ولا ينقص هذه الطليعة سوى ايجاد أرضية مشتركة بين طوائفها, أو تياراتها, وذلك بتأسيس حوار خلاق يسعى إلى اقامة جبهة قوية, كتلك التي يمكن ان نتكلم عنها بوصفها أملا, أو بوصفها شرطة للمستقبل الذي يستنزل الغد الآتي بالنجوم الوضاءة على الكتفين: الحرية والعدل, والتقدم الذي يتحقق بواسطة الابداع الذاتي المنفتح على العالم كله.