عندما تولى الصديق أبوبكر رضي الله عنه أمور المسلمين اتفق القوم على مصطلح توصلوا إليه في ذلك الزمان يطلقونه على ولي الأمر الجديد وهو (خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم) . وكان المصطلح بديهيا من ناحية التوصيف السياسي بقدر ما كان يحمل في طياته شحنة من العاطفة الجليلة المشبعة بالشجن العميق حيث يحرص الناس على أن يستعيدوا ضمن بنية المصطلح الجديد اسم النبي الأعظم وذكراه العاطرة وأيامه المضيئة بنور الوحي وشعاع الهدى وصلابة الجهاد المتواصل لإعلاء شأن الدين الجديد. وعندما رحل أبوبكر إلى عالم الخلود.. ظل ولي الأمر الجديد عمر يقلب القضية من جوانبها كافة, كان يتمتع بحس سياسي مرهف وبكفاية ادارية وقدرة تنظيمية في غاية الامتياز.. وما كان له مثلا أن يكتفي بأن يتبع الخطى فأطلق على نفسه مثلا أنه خليفة.. خليفة رسول الله.. كان عمر مستقبلي الرؤية كما قد نقول بمصطلحات أيامنا وقد روي عنه أنه كان يخشى الاضطراب والخلط حين يأتي حاكم من بعد حاكم يتولى أمور الجماعة الاسلامية فيصبح خليفة خليفة.. الخليفة إلى آخر السلسلة.. ولأن عمر كان - كما قال الأستاذ العقاد بحق - يتمتع بقدرة الابتداع بمعنى الابتكار في مقابل فضيلة الاتباع بمعنى استمرار التقليد, فقد اختار الخليفة الراشد الثاني رضي الله عنه لقبا بسيطا وبليغا هو (أمير المؤمنين) وكان هو أول من حمله من ولاة أمور المسلمين. ولأن الدولة الاسلامية كانت فتية واعدة فقد كان الناس يكتفون بهذا اللقب مختصرا وفصيحا وبالغ الدلالة وهم يخاطبون سلطة الدولة العليا في دولة الأمويين ودولة العباسيين. وحين تصل الدولة إلى ذروة في العلم وبسطة في العيش وامتياز في الحضارة.. فإنما ينعكس ذلك في احترامها الفاظ لغتها بحيث تصبح هذه اللغة بمفرداتها ومصطلحاتها مطابقة للمعاني.. لكل لفظ احترامه ودلالته من حيث المفهوم والسلوك. ولكل كلمة جلالها بوصفها كسبا ثمينا له قيمته وشرفه وجديته, حيث الكلمة ميثاق وحيث الأوصاف موازية للموصوفات وحيث الناس - في ظل حضارة صاعدة باذخة - قادرون على أن يقولوا ما يفعلون. من جهة أخرى تهون اللغة إذا ماهانت الحضارة وإذا ما دب الوهن والتداعي في بنية الأمة.. في كيانها وأفكارها وتطلعاتها وقدراتها على ادارة أمور حياتها وتعاملاتها بين مجموعة الأمم والشعوب, وإذا كان البلاغيون الاقدمون قد أوردوا تعريفهم الكلاسيكي للبلاغة بأنها (مراعاة مقتضى الحال), فقد كان هؤلاء اللغويون الكبار - العم قدامة بن جعفر وأضرابه مثلا يعيشون في عصور من فتوة الكيان العربي - الاسلامي وعافيته وازدهاره.. ومن ثم كانت الكلمة عندهم قيمة ثمينة يضنون بها أن تبدد في متاهات الاطناب المذموم والإيغال غير المسئول والصياغات اللغوية والفضفاضة التي تتعامل مع طنين الكلمات وايقاع العبارات.. وكأنها طبول تقرع الأسماع ولكن بغير دلالات ترسخ في الوجدان وبغير مفاهيم تحترم العقل وتؤدي إلى تطوير الحياة وترقية الإنسان.. وكل طبل ينبغي بالضرورة أن يكون أجوف.. وكل قرع للطبول الجوفاء يشغل الاسماع برهة, ثم لا يلبث أن يتبدد صداه مع ذرات الهواء لأنه مجرد صدى.. في التحليل الأخير. كل هذه الخواطر المتفلسفة - بعد إذنك - تداعت إلى وجداننا ونحن نقلب النظر في كتاب عن الخديوي عباس حلمي الثاني وقد حكم مصر بين عامي 1892 و 1914. والكتاب من تأليف المرحوم الأستاذ سيد كيلاني وهو باحث مصري كان قد حصل على الماجستير في آداب اللغة العربية في أربعينيات القرن الماضي على ما قد نذكر.. وكانت تلك الدرجة العلمية تؤهله وقتها لمستقبل أكاديمي أكثر من واعد ولكن تصاريف القدر دفعت الرجل إلى مهنة أخرى مضنية لشاغليها وان كانت - في رأينا - مهنة طيبة نافعة للناس. لقد عمل سيد كيلاني مصححا في مطبعة (عيسى البابي الحلبي) هذا السوري الأديب الذي وفد على أرض المحروسة في مرحلة باكرة لكي ينشئ دارا للطباعة توفرت على تحقيق وتصحيح وتحرير أمهات الأعمال الرفيعة في التراث العربي - الاسلامي مستخدما في ذلك نوعية من أفضل واكفأ خدمة العلم وحراس التراث من أمثال العم كيلاني - كم يتوق المرء إلى أن يرى ترجمات وافية وموثوقة علميا لسير هؤلاء الناشرين الرواد من ذوي الفضل على فهم الأجيال المعاصرة لتراث أمتهم وابداعات حضارتهم العربية التي استظلت بنور الإسلام - ما بين عيسى الحلبي إلى محمد صبيح إلى الحاج مصطفى محمد صاحب المكتبة الكبرى في درب الجماميز وصولا إلى الحاج مدبولي الذي يعرفه كل المبدعين وصفوة القارئين والقابعين بين شرق الوطن العربي الكبير ومغربه. الأستاذ سيد كيلاني أصدر كتبا كثيرة وطريفة منها كتاب عباس حلمي الثاني. ولن نشغلك بالتاريخ السياسي لتلك المرحلة ولكن نحب أن تشاركنا لحظات نتأمل فيها أسلوب الخطاب العام الذي كان سائدا ومعتمدا عند أعلى مرجعية في منطقة العالم العربي وقتها وهو السلطان العثماني عبدالحميد خان. ويكفي أن نورد أمامك سطورا من الفرمان الذي أصدره عبدالحميد بتولية عباس على الأريكة الخديوية, حاكما من قبله على مصر وتاريخ الفرمان يرجع إلى شهر ابريل عام 1892 - وكان قد بقي على عزل عبدالحميد نفسه عن العرش 16 سنة وبقى من عمر الدولة - الامبراطورية التركية. بجلالة قدرها 31 سنة فقط لا غير. وقبل هذه السنوات الثلاثين كانت الدولة - كما لا شك عرفت - تحمل اسم رجل أوروبا المريض - ولكن في السنوات الأخيرة الثلاثين حملت ولا شك لقب رجل أوروبا المحتضر.. كانت الدولة العثمانية منهارة واعداؤها يتربصون وعاهلها محاصر في سراي طولمه بغجة على ضفاف البوسفور.. أين ذلك من عز الزمانات الماضية أيام كان السلطان العثماني مسموع الكلمة مرهوب الجانب في أوروبا وفي غيرها من الأصقاع والأمصار؟ لم يبق من الدولة المتداعية سوى المظاهر والاحتفالات وبهرجة البروتوكول الثقيلة المطولة.. ولكي يعوضوا عن العز والمجد الذي ضاع.. جاءت التعويضات على شكل عبارات التفخيم وكلمات التعظيم وألقاب جوفاء ما انزل الله بها من سلطان. في يوم 14 أبريل عام 1892 نشرت جريدة (المقطم) القاهرية فرمان تولية عباس.. كان صادرا بالتركية ومرفقا به ترجمته العربية . ولن نسهب والمساحة محدودة - في تفاصيل الفرمان, ولكن حس بنا أن نطالع فقط سطور الأوصاف التي خلفها الفرمان الشاهاني على السيد عباس حلمي فاقرأ وتأمل كيف خاطب ولي النعم, ساكن دار السعادة في اسطنبول نائبه على أريكة مصر فقال: - الدستور الاكرم والمعظم, الخديوي الأفخم المحترم, نظام العالم وناظم مناظم الأمم, مدبر أمور الجمهور بالفكر الثاقب, متمم مهام الأنام بالرأي الصائب, ممهد بنيان الدولة والاقبال مشيد أركان السعادة والاجلال, مرتب مراتب الخلافة الكبرى, مكمل ناموس السلطنة العظمى, المحفوف بصنوف عواطف الملك الأعلى, خديوي مصر الحائز لرتبة الصدارة الجليلة فعلا, الحامل لنيشاننا الهمايوني المرصع المجيدي ونيشاننا العثماني من الطبقة الأولى, وزيرى, سمير المعالى, عباس حلمي باشا أدام الله اجلاله وضاعف بالتأييد اقتداره وإقباله.. إنه ... إلخ. هكذا كان الوقت العثماني يضيع في سبك مثل هذه العبارات الجوفاء والتدبيج فيما كانت أوروبا تشغل وقتها باكتشاف الكهرباء وتشغيل اللاسلكى.. وايضا برسم المؤامرات وتقسيم العالم العربي إلى مناطق نفوذ خالصة لها في المشرق والمغرب.. ولله الأمر في كل حال.