سوف يتخذ من دكة صغيرة في وسط السوق أو أمام أحد الدكاكين مكاناً بارزاً له بجانبه أوراقه ومجدته وقلمه الذي عادة ما يجلبه احد القادمين من الهند.. انه (الكيتوب) أو كاتب الرسائل والعرائض وعقود البيع والشراء وأوراق التنازل وغيرها من الأوراق التي عادة ما يحتاجها الناس.. لكن الكيتوب سوف يكون حافظاً لاسرار زبائنه التي يخطها في رسائلهم الموجهة إلى أهلهم وذويهم.. ستجلس الأم بقربه لتفرغ ما بصدرها من حنين واشتياق.. تكنه لابن لها ودعها قبل سنوات في طريقه إلى جهة عمل خارج البلاد, وستقص هذه الام على الكيتوب لواعجها والاحداث التي جرت في غياب ابنها, وسيكتب الكيتوب بقلمه كل تلك الأحداث دون تعليق.. فهو ناقل الاخبار وخازنها ايضاً.. وجوه عديدة في الحي سوف تتردد على مكانه باحثة عنه, واذا غاب عن ذلك المكان فلا بأس من الذهاب إلى بيته اذا كانت الرسالة ملحة, الكيتوب ايضاً سوف يقرأ الرسائل القادمة, حينما يحمل ذلك الرجل العجوز رسالة وصلت اليه بوصول احدى السفن, وسيذهب مسرعاً باحثاً عن الكيتوب ليفك طلاسمها ويترجم له الحروف, بينما تغرق عينا ذلك الاب بالدموع اشتياقاً أو حنيناً أو تذكراً.. انها لحظات يعيشها الكيتوب مع اسرار الرسائل ولواعج الناس المحيطين به.. حينما بدأت الهجرة إلى مناطق العمل في عدد من مناطق الخليج, كان البحارة والغواصين الذين تركوا المهنة بعد تقلص عائدها يعملون في معسكرات عمل في شركات النفط في الكويت والسعودية. والبحرين, ولا تربطهم وسيلة اتصال بذويهم واهلهم سوى تلك الرسائل التي ستعبر البر عن طريق السفن.. وفي المقهى الشعبي الذي عادة ما يتجمع فيه هؤلاء الكادحون سوف يقفز احدهم إلى جانب زميله والفرح يقفز من عينيه قائلاً: (وصلني مكتوب من لبلاد) .. في تلك اللحظة فقط ترتجف يده وهو يسلم ظرف الرسالة للكيتوب الذي سيقرأ عليه السلامات والاخبار وحينما يقرأ مثلا.. لجماعة يسلمون عليك ويبلغوك انه جاك ولد) ستكون الفرحة قد غمرت المكان وربما يفوز قاريء الرسالة بقبلة على رأسه وزيادة في اجر القراءة.. ومن الاشياء الملفتة للنظر في تلك الرسائل التي عادة ما تكون من زوجة إلى زوجها, والتي تثير الدهشة حقا.. هو التوقيع الذي يحمله الطرف السفلي للرسالة.. هذا التوقيع ليس توقيع الزوجة بقدر ماهو طبعه لقدم الطفل الرضيع.. لكن كيف توقع تلك الطبعة؟ تقوم الام بفرك اسفل قدم ابنها الرضيع باللون الأزرق وتطبع رجله في طرف الرسالة.. وستكون لحظة مثيرة ومعبرة لذلك الاب الذي سيقبل على تقبيل طرف الرسالة حينما يبلغه الكيتوب ان زوجته وضعت له ابنا.. لعب الكيتوب دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وسجل قلمه مئات الرسائل والشكوى والاتفاقات وسيكون عملة نادرة فيما لو تغيب عن موقعه في السوق.. ان الديباجة التي سيكتبها في مقدمة الرسالة ستحمل شيئاً من البلاغة والكلمات المختارة بعناية فائقة, وبعد الديباجة سوف يترك الكيتوب العنان لقلمه لينقل ما يدور على لسان زبونه ولا بأس من بعض الاقتراحات اذا لزم الأمر.. كان ذلك قديماً حينما كانت الرسالة محملاً للاخبار ومغيرة للأحداث وقادماً يأتي ليغير فينا الشعور.. وفي الصورة هنا تسجل عدسة المصور رونالد كودري لحظة استغراق الكيتوب في حوار صامت بين حركة قلمه على الحروف وانصاته إلى ما يقوله الزبون لينقله بعناية فائقة.. وسيكون الاجر مناسباً لانتظار يوم كامل لزبائن بحاجة لارسال مشاعرهم إلى الاخرين. مرعي الحليان