خرج الرجال جميعا للحرب وتركوا مدينتهم, مجرد بيوت ونساء وذكريات شاحبة, لم يكن للنسوة ملاذ غير النهار. ورجل مبتور الذراع والساق يمكن الاحتماء برجولته.. وعندما لم يعد الرجال من حروبهم.. قامت النسوة ببناء بيت كبير لهذا الرجل وأصبح زوجا لهن جميعا.. ومن أبنائه خرج جيش كبير يعمر المدينة ويسترد أمجادها.. وهذه أسطورة الإله (مين) رمز الخصوبة والنماء لدى الفراعنة.. ومكان الأسطورة مدينة أخميم التي توالت عليها الحضارات الفرعونية واليونانية والرومانية والتي لم يلتفت أحد لأهميتها حتى الآن رغم أن تحت شوارعها أكبر معبد فرعوني على مر التاريخ. لم يتم ازاحة التراب من عليه. مدينة النساء لما جاء العرب الى مصر وشاهدوا آثارها وحضارتها من أهرامات شامخة وتماثيل ضخمة لم يشهدوا لها مثيلا من قبل ومعابد ومصانع وهياكل ومدن معمورة وحضارة مزدهرة دهشوا لما رأوا ووقفوا امامها مشدوهين. ولم يسعهم إلا أن يسموها عجائب. فيها هو (المقريزي) يقول: أن عجائب الدنيا ثلاثون. وعد (بربا) أخميم من هذه العجائب بما فيها من صور وأعاجيب. وقد حاول المؤرخون أن يعرفوا سر أعجوبة (بربا) أو معبد أخميم. وبالتالي حاولوا أن يعرفوا نشأة هذه المدينة أخميم وبعضهم ذهب الى أن الذي بناها ملك يسمى (أخميم) وأن هذا الملك خصه عن والده بقسم من أقسام الجهات القبلية. كان رأسه عند مدينة اخمير. ومن المؤرخين من ربط نشأة المدينة وبناء المعبد البربا. يقول المؤرخ (إبن دقماق) في كتابه الانتصار لواسطة عقد الأمصار أن (البربا) هو اخميم نفسها. ويقول المقريزي أن الذي بنى هذه المدينة ملك اسمه مناقيوس وذكر في سبب بنائها أنه كان (بمنف) رجل من أولاد الكهنة. من أعلم الناس بالسحر وأبصرهم بأخذ التماسيح والسباع, وكان يعلم الغلمان.. فأمر (مناقيوس) أن تبنى له مدينة خاصة. فبنيت أخميم.. وذكر المقريزي أنه كان بها اثنا عشر ألف عريف من السحرة يقال أن فرعون استعان بهم يوم ألقى موسى العصا.. وهناك اقوال أخرى في بناء (البربا) فقد قيل بناها دميرة.. وقيل بناها الحكيم هيرمس.. وقيل بنتها الملكة (دلوكة) التي حكمت مصر بعد فرعون موسى.. وبنت حائط العجوز الذي كان بمثابة سور عظيم يحيط بالديار المصرية, وقيل: كان في عهدها ساحرة تدعى (تدورة) كان السحرة يقدمونها في العلم والسحر. ففزعت اليها (دلوكة) لتصنع شيئا يكون حرزا للبلد وحصنا لم يعتد من الأمم والملوك.. إذ إن أمرهم آل الى النساء مما يغري بهم الأمم فأجابتها (تدورة) الى ما طلبت وضعت (البربا) وبنتها بالحجارة, وكانت أولا مدينة (منف) .. وقد جعلت فيها صورا للخيول والبغال والسفن والرجال, حتى إذا قصدتهم أمة من الأمم أوقعوا بالصور الموجودة على الحائط من النكال ما أرادوا.. وواضح أن هذه أسطورة, والتاريخ الأسطوري لأمة أو شعب يسبق دائما التاريخ الحقيقي. ولاسيما اذا أوغل في القدم كما هو الحال في الحضارة المصرية وواضح أن سجل الملوك الذين حكموا مصر. لايعرف ملوكا بهذه الأسماء التي ذكرها المؤرخون العرب. ولكن عذرهم أنهم لم يملكوا وسيلة غير جمع المعلومات والأخبار عن طريق الرواية والنقل عن الغير. إذ لم يكن علم المصريات (الايجيبتولوجيا) قد عرف بعد. أسطورة (مين) كانت أخميم تمثل المقاطعة التاسعة من مقاطعات جنوب مصر. وكانت مصر كلها تنقسم الى 42 مقاطعة منها عشرون مقاطعة بالوجه البحري والباقي بالوجه القبلي. وهذا العدد (42) يماثل عدد القضاة الذين يجلسون في محكمة الأخيرة. ليحاكموا الميت على ما قدمه من أعمال خيرة أو شريرة في حياته.. وهذا التقسيم الاداري الذي يقوم على نظام المقاطعات, يشبه ما تسميه الآن المراكز أو المحافزات. وتبدأ هذه المقاطعات من الجنوب الى الشمال تماما كما يجري النيل من الجنوب الى الشمال.. والمقاطعة عبارة عن منطقة زراعية تحكمها العاصمة التي يتبعها عدد من البلاد والقرى.. وكانت المقاطعة التاسعة هي (خنتامين) أو (برمين) يعني بيت الإله (مين) وهذا هو الاسم الديني (لأخميم) .. أما الاسم السياسي فهو (آبو) وكانت هذه المقاطعة تشمل (أدريبة) التي تقع بالقرب من الدير الأبيض دير أبي شنودة غربي سوهاج.. وكانت تسمى (حات ربيت) كما كانت تشمل جرجا التي كانت تسمى (مري آمون رعمسيس) ومعناه مؤسسة (رمسيس الثاني) محبوب أمون. وكما قلنا المعبود المحلي لمقاطعة أخميم هو الإله مين, رب الخصوبة والتناسل والنماء. وكان يتخذ من نبات (الخس) شعارا له. ولهذا كان المصريون القدماء يصورون هذا الإله, على هيئة صنم ضخم له رأس ولحية وقناة تناسلية كأنها تلقح.. وقد أثبت المقريزي في خططه أنه كان يوجد في (بربا) أخميم شيطان قائم على رجل واحدة, وله يد واحدة, وقد رفعها الى الهواء, وفي جبهته وحواليه كتابات ظاهرة وله عضو تناسلي كبير وظاهر. وهناك أسطورة تقول: أن الجنس هو الذي أنقذ القبيلة عندما خرج الرجال في موقعة لم يعودوا منها, فاتجهت الأرامل الى شاب مبتور الذراع لم يخرج الى الحرب. فتزوجهن وجاء جيل جديد وعادت الحياة الى القرية.. وهكذا كانت الأسطورة القديمة حول الإله (مين) . وكان لهذا الإله معبد عرف باسمه في أخميم. وقد أشار الدكتور (سليم حسن) في الجزء السابع من كتابه مصر القديمة الى أن تحتمس الثاني وهو من ملوك الأسرة الثانية عشرة كلف رئيس معبد أوزوريس بالعرابة أن يشرف على كهنة الإله (حور) في معبد (مين) بأخميم. ولاشك أن هذا المعبد لم يبني في عصر واحد.. بل توالت عليه العصور والسنون بالزيادة حتى أصبح معبدا كبيرا يزيد حجمه مرتين ونصف عن معبد الكرنك بالأقصر, الذي يعتبر أكبر معبد في العالم. معابد (المرمر) وقلما تذكر مدينة أخميم في كتاب من كتب الخطط أو الرحلات إلا وتذكر معابدها التي أعجب بها الأقدمون, ونزحوا اليها من جميع الأقطار, ووصفوها باعجاب شديد. يقول (المقريزي) أنها كانت مبنية بحجر (المرمر) وقد بلغ طول الحجر الواحد خمس أذرع في سمك ذراعين.. وهي سبعة دهاليز.. سمي كل دهليز على اسم كوكب من الكواكب السيارة. وسقفها من الحجارة, طول الحجر منها ثماني عشرة ذراعا في عرض خمس أذرع, مدهونة جميعها باللازورد وغيره من الأصباغ التي يحسها الناظر كأنها فرغ الدهان منها في ثوان.. وكانت جميع جدرانها منقوشة بصور مختلفة الهيئات فيها رموز العلوم من الكيمياء والسيمياء والطلسمات والطب والنجوم والهندسة وغيرها. ويقول (الأندلسي) في تحفة الألباب وكان لبربا أخميم أربعة أبواب يدخل الواحد من بابها فيجد بيتا كبيرا مربعا, له أربعة أبواب أخرى, من أي باب خرج يجد بيتا مثله. وهم آلاف من البيوت المظلمة لا يدخلها شمس ولا قمر. ولا يصلها الضوء إلا من الباب الذي دخل منه, فكانوا يدخلونها وبأيديهم السرج والشموع. يقودونها في منتصف النهار, ويصعدون في مواضع في حيطانها درجات كالسلم فيصلون الى بيوت أخرى كالغرف فوق هذه البيوت على قدها وهيئتها. ويقول (ابن جبير) ومن أعجب الهياكل المتحدث بغرابتها في الدنيا هيكل عظيم في شرقي (أخميم) طوله مائتا ذراع وعشرون, وسعته مائة وستون ذراعا يعرف عند أهل هذه الجهة (بالبربا) وكذلك يعرف كل هيكل عندهم وكل مصنع قديم. وقد قام هذا الهيكل العظيم على 40 سارية عمود قطر كل منها خمسون شبرا وبين كل سارية وأخرى مسافة 3 اشبار. ورأسها في النهاية من العظم والاتفاني, قد نحتت نحتا غريبا فجاءت بديعة الشكل كأن الخراطين تناولوها وهي كلها مزركشة بأنواع الطبقة اللازوردية وسواها, وكلها منقوشة من أسفلها الى اعلاها, وقد انتصب على كل سارية منها الى رأس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت, طوله 56 شبرا طولا وعشرة أشبار عرضا وثمانية اتساعا. هذا الهيكل كله من أنواع الحجارة المنتظمة ببديع الالصاق. فجاءت كأنها فرش واحد. وقد انتظمت جميع التصاوير البديعة والأصباغ الغريبة حتى يخيل للناظر أنها سقف من الخشب المنقوش والتصاوير على أنواع في كل بلاطة من بلاطاته. فمنها ما قد جللته صور لطيور رائعة باسطة أجنحتها, توهم الناظر اليها أنها تهم بالطيران ومنها ما قد غطته صور آدمية رائعة المنظر والشكل, قد أعدت لكل صورة هيئة هم عليها كامساك سلاح بيديها أو طائر أو طأس, أو اشارة شخص الى آخر بيده, أو غير ذلك مما يطول الوصف له. داخل الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفة الأشكال والصفات, فمنها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين. سيشعر الناظر اليها رعبا, ويمتلئ عجبا. وقد عم هذا الهيكل العظيم الشأن هذا النقش العجيب يتأتى في صم الحجارة مالايمكن عمله في الخشب الرخو. فيحسب الناظر استعظاما له أن الزمن لايكفي لمجرد نقش رقعة صغيرة من هذا الهيكل.. وعلى أعلى هذا الهيكل سطح مفروش بألواح الحجارة العظيمة وهو في غاية الارتفاع. وداخل هذا الهيكل من المجالس والزوايا والمداخل والمخارج والمصاعد ما تضل فيه الجماعات من الناس. وعرض حائطه يبلغ 18 شبرا وهو كله من حجارة مرصوصة بنظمة بالغة. أما موقع هذا المعبد, فيقول العالم أحمد باشا في كتابه الحضارة المصرية: ولم يبق من هذه المعابد إلا بعض حجارة عليها نقوش من الأسرة الثانية عشرة وبعض أطلال من عصر البطالسة, قد عملت فيها مياه الفيضان السنوية فأزالت منها جزءا عظيما, وكذلك لم يبق من المحراب الثاني الذي أقامه (تراخان) لبرسيه (برسيوس) في الجهة البحرية الغربية إلا بعض أحجار. ويفيد كلام العلامة أحمد كمال: أنه كان هناك معبدان واحد في الجهة البحرية الشرقية في المنطقة التي أقيم عليها نادي أخميم الآن وما حوله والثاني في الجهة البحرية الغربية وهو الموقع الذي عثر فيه على تمثال الأميرة (ميريت آمون) ويحدثنا عن آثار أخرى في الجبل بشرقي أخميم فيقول: أما المصلى التي أحتفرها الملك (ابي) من الأسرة الثانية عشرة بالجبل, لايزال باقيا الى الآن, وفي سنة 1844 اكتشفت جبانة واسعة فوق الجبل على مسافة ساعة من أخميم من الجهة البحرية, وعلى مسافة 6 كيلو مترات من قرية الحواويش فاستخرج منها كثير من التوابيت وصفائح القبور والتماثيل الصغيرة وغيرها, ويوجد فيها وراء الحواويش فوق الجبل مقابر كثيرة بعضها من الدولة القديمة وبعضها من الدولة الحديثة. وعن مقصورة الملك (أبي) في قرية السلامون بالجبل يقول سليم حسن: أن (حور ماع خرو) قد أصلح هذه المقصورة وهو رئيس كهنة الإله (مين) في عهد (بطليموس الثاني) وأورد ترجمة نقوش هذه المقصورة ويتضح منها كيف تعانقت الآلهة المصرية مع الآلهة الاغريقية, ونعود للاكتشافات التي بدأت في 1981 حيث عثر على تمثال (ميريت آمون) وقد وجد مكسور الساقين ولم يعثر عليهما ويبلغ طوله بدون الساقين حوالي سبعة أمتار ويقول البعض أنه أطول تمثال لملكة أو أميرة مصرية. أما عن صاحبة التمثال فيقال أنه في بادئ الأمر لم يتأكد علماء الآثار من شخصية صاحبته, فاتجه العلماء الى الاعتقاد بأنها الملكة (تي) لأنها منحدرة من أخميم وقد عاشت مدللة لها الأمر والنهي وكلمتها أشبه بالقانون إبان عصر زوجها (أمنوفيس) الثالث من حوالي 3300 عام. وهما والدا (أخناتون) . وعلى رأس من قال بهذا الرأي د. سيد كريم. أما الرأي الثاني اتجه الى أنها ربما تكون نفرتاري الجميلة. بينما ذهب علامة المصريات (لبيب حبشي) والدكتور أحمد قدري رئيس هيئة الآثار وغيرهم الى أنها ابنة رمسيس الثاني, والتي تزوجها في كهولته, إذ حكم مصر 67 عاما والمعروف أن لديها 150 ولدا وبنتا تزوج منهن ثلاثا.. ويقول العلماء عن ميريت أمون أنها جميلة المحيا مضيئة لقصرها, كلما خطت, حبيبة سيد القطرين, تقف دائما الى جانب مليكها (رمسيس الثاني) كما يجاور نجم الشمال الجوزاء عازفة (شخشيخة سيستروم) للألهة (موت) وعازفة الهارم للآلهة حتحور منشدة طروب لباقي الآلهة, وهذا ما جاء في الكتابات المنقوشة على التمثال وبجواره. تغيير الملامح ونعبر نحو ثلاثين قرنا من الزمان حكمت فيها مصر ثلاثون أسرة مصرية وإن كان الفرس قد فتحوا مصر عام 525ق. م إلا أنه تخلل حكمهم فترات كانت تحكم فيها مصر أسرات وطنية لمدة قصيرة, مثل الثلاث أسر الأخيرة للفراعنة.. ثم فتح الاسكندر الأكبر مصر عام 332ق. م وعقب وفاته اقتسم قواد جيشه ملكه, فكانت مصر من نصيب (بطليموس) ومنذ ذلك الوقت قامت دولة البطالمة أو (البطالسة) في مصر والتي استمرت حتى عام 30 ق. م وبهذا انتقلت مصر من العصر الفرعوني الى العصر اليوناني, وفي هذا العصر نسمع ذكرا لمدينة أخميم التي سماها اليونانيون (بانوبوليوس) يعني مدينة (بان) أحد آلهة اليونان القدماء كما وردت في كتاب هيرودوت في مصر, وقد زعم هيرودوت أن أهل أخميم كانوا يحبون الشعائر اليونانية ويقيمون المباريات الرياضية من أجل (بربسيوس) ويعتقدون أن أصله من مدينتهم, على أن ما حدثنا به (هيرودوت) عن مدينة أخميم يدل على أن اليونانيين حاولوا أن يصبغوا المصريين بالصبغة اليونانية, لكنهم لم يستطيعوا أن ينزعوا حب الوطن من نفوسهم, وسجل التاريخ لمدينة أخميم ثورتها على الحكم اليوناني, على الرغم من وجود حامية عسكرية يونانية فيها تسمى (هيرموتيب) وامتدت هذه الثورة حتى شملت الصعيد بأكمله.. واذا كان البطالمة قد استطاعوا بمشقة أن يخمدوا هذه القلاقل والثورات والتي وقف فيها الكهنة بجانب الشعب بعد حروب طويلة, فان التاريخ يسجل لأخميم مقاومتها الباسلة فقد استعصت عليهم, واعتصم ثوارها الأحرار بمبانيها العالية وقاموا بمقاومة عنيفة ولم يستطع البطالمة أن يتغلبوا عليها إلا بعد حصار طويل. وكان من أثر هذه المقاومة العنيدة أن (بطليموس السابع) حين استطاع إخضاع هذه الثورات استثني اخميم من قرار العفو العام الذي أصدره عام 118ق. م وسن التشريعات المقيدة بارتفاع المباني أزيد من 15 مترا, ومع هذا فقد كان هذا الارتفاع يكفي لأن يمتنع خلفه الثوار حينما يقومون بحركاتهم الثورية. وفي أواخر دولة البطالمة. إنهمك الملوك في اللذات والشهوات فاستطاع الرومان الذين كانت عيونهم على مصر أن يتغلبوا عليهم, وهزمت كليوباترا وصديقها (أنطونيو) أما جيش (أكتافيوس) في موقعة أكتيوم سنة 30ق. م ومنذ هذا التاريخ أصبحت مصر ولاية رومانية واتسم الحكم الروماني بالغلظة والقسوة في جمع الضرائب الكثيرة التي فرضت على المصريين. حتى هجر المصريون زراعاتهم وساءت أحوالهم. وحين دخلت المسيحية مصر, ازدادت كراهية المصريين للرومان, لتدخلهم في الشئون الدينية وذاق أقباط مصر ألوانا من الاضطهاد, الذي وصل أقصاه في عهد (وقلديانوس) فبدأت الكنيسة القبطية المصرية تقويمها الذي أسمته تقويم الشهداء بالسنة الأولى من حكم هذا الامبراطور سنة 284 بعد الميلاد. وحتى بعد أن اعتنق الأباطرة الرومان المسيحية ظهر الاضطهاد في صورة أخرى تشمل في الخلاف المذهبي بين المذهب المالطاني الذي يعتنقه الرومان والمذهب اليعقوبي الذي يعتنقه المصريون.. لهذا نلحظ كثرة الأديرة التي أسسها قدماء الرهبان ومنها دير أخميم الذي أنشأه باخميوس ليقاوم النزعات الفلسفية التي كانت شائعة في أخميم في هذا الوقت, ومنها دير أبي شنودة, المسمى بالدير الأبيض ويقع بالجبل الغربي بمحافظة سوهاج.. ويقال أن في هذا الدير جسد (برتولوماوس) و (سمهان القناني) من تلاميذ المسيح.. أما (أبوشنودة) فهو أخميمي ولد باحدى القرى وترهب في دير قريب. كان خاله رئيسا له. وكان شديد العداوة للوثنية التي كانت لاتزال قائمة في بعض مناطق الوجه القبلي. فكان يقود جيشا من الرهبان للاغارة على المراكز الوثنية ويدمرها ويغنم ما فيها من الغنائم ومن ثم أصبح (أبوشنودة) ذا مكانة عالية في التاريخ القبطي.. ومازال الأقباط حتى اليوم يقيمون له مولدا في كل عام. وفي العصر الروماني المسيحي نفي الى أخميم زعيم من زعماء المسيحية هو (نسطورس) بطريرك القسطنطينية الذي جهر ببعض الأراء الخاصة بالمسيح وكان سببا في مجمع (خلقدونية) فقضى بحرمانه ونفيه سنة 531م فعاش في أخميم سبع سنوات, وتوفي ودفن بها وكان قبره معروفا في القرن العاشر الميلادي كما يقول المسعودي في كتابه التنبيه والاشراف. ومن أديرة هذا العصر (دير أبي هرمينة) الذي حدد المقريزي موقعه فقال إنه بحري (قاو) الخراب بالقرب من (برباها) ودير (السبعة جبال) الذي يقول عنه المقريزي: هو دير عال بين جبال شامخة داخل سبعة أودية, ودير القرقس داخل الدير السابق, ودير صبرة نسبة الى عرب يقال لهم (بنو صبرة) ودير (أبي بشادة) على الضفة الشرقية للنيل. وفي أخميم كنيستان ذكرهما المقريزي, هما كنيسة اسبوتير ومعناها المنقذ أو الخلاص وكنيسة الملك ميكائيل وهي التي يقول عنها المقريزي: أنه كان من العادات المتبعة في هاتين الكنيستين أن الأقباط كانوا عندما يحتفلون بعيد الزيتونة المعروف بعيد (الشعانين) يخرجون بالمجامر والبخور والصلبان والأناجيل والشموع المشتعلة, ويقفون على (باب القاض) وأبواب الأعيان من المسلمين, فيبخرون ويقرأون من الانجيل, ثم يطرحون له طرحا, يعني يمدحونه. الى هذا الحد بلغت علاقة المسيحيين بالمسلمين في هذا المكان الرائع. القاهرة ـ سراج محمود