تقع مزرعة ارنست هيمنجواي البسيطة على روابي ضاحية سان فرانسيسكو دي باولا, على بعد بضعة كيلومترات من هافانا. وهي مختبئة وسط غابة كثيفة من الأشجار الاستوائية, حيث ترك الكاتب الشهير افكاره الوجودية وعواطفه هناك. وقد انتقل هيمنجواي للاقامة في كوبا عام 1940 اي بعد وقت قصير من اكماله لكتابة (البلاد البكر) الرواية التي كان قد نشرها تحت عنوان (لمن تقرع الاجراس) والتي فتحت له ابواب النجاح. وفي ذلك الوقت كانت معه زوجته, الصحفية مارثا جيلهورن التي قضى معها اطول فترة زواج. وعاش الاثنان بداية الامر في فندق امبوس موندوس في هافانا وفي الطابق الخامس منه تحديدا بنوافذه الثلاث المشرعة دائما على نسيم المدينة الشمالي الشرقي العليل والتي مازالت على وضعها كما كانت. وفي ابريل من ذلك العام وبسبب زيارات مارثا المتكررة قام هيمنجوي باستئجار مزرعة اعتبرها من أفضل اكتشافاته وذلك في ضواحي هافانا وهي مزرعة فيخيا. وكانت المزرعة عبارة عن منزل ابيض الجدران وبسيط للغاية وبالكاد اظهر ذلك البيت شكله المغطى بأدغال كثيفة من الأشجار الاستوائية. وكانت بعض التلال تفصل المنزل عن البحر لكن على الرغم من ذلك كان بإمكان هيمنجواي ان يتخيل هدير امواج البحر وارتطامها بصخور الشاطئ وان يحس بهوائه المالح. بعد ذلك ببضعة شهور وبحضور مارثا طبعا اشترى هيمنجواي المزرعة بسعر 18500 دولار دون ان يخطر على باله ان ذلك الملاذ الموفق سيتحول الى أهم مكان في حياته. ومن ذلك البيت الذي عاش فيه اكثر من عشرين عاما, اقام هيمنجواي اتصالات مع مغامرين وبحارة وصيادين وأثرياء وشخصيات من هوليوود وسياسيي زمانه وملاكمين ولاعبين بيسبول وفرساناً ونساء ورجال مافيا من كل ارجاء العالم ونشأت حول شخصيته, أثناء ذلك اساطير ساحرة لم يستطع اي كاتب ان يحيط نفسه بها. ويشير الكاتب الكوبي ابنريكي سيركوليس الى تلك الاسطورة في كتابه (هيمنجواي في السقوط الروماني) قائلاً: (اتخيل هيمنجواي كما لو انه لايزال يتجول في شوارع هافانا, بضخامته, وبكتفيه العريضتين, كما لو انه لايزال يتجول بين المواقع البحرية, حافيا دائما, بقدميه الكبيرتين, او بشباب وقوة يتمتع بهما عجوز, مع سلوكه المتمرد والتحدي الذي يسيطر على طباعه او سرواله الرمادي المصنوع من قماش خشن وقميصه الازرق القديم وقبعته مرتدة الى الخلف او بنطلونه القصير وقميصه ذي الخطوط المربعة وسمعته كقناص بين الصيادين) . مغامرات هكذا كان هيمنجواي في تلك المزرعة الخضراء, حارا ومتوحشاً, حيث تعلم الكاتب واحدة من المغامرات غير المألوفة على ظهر يخته بيلار, الذي تجول على متنه خلال الحرب العالمية الثانية في بحار كثيرة وذلك عندما أنشأ هيمنجواي منظمة سرية هدفت لاختراق الشبكات والمنظمات الفاشية التي كانت ناشطة في هافانا في تلك الفترة. ولقد طاف البحار القريبة كلها بحثا عن بحارة ألمان. يروي سيركوليس في كتابه: (لقد تحولت أسطح البيوت ومنطقة المسبح والحدائق والصالة والمطعم وحتى الامكنة حيث اعتاد كتابة روائعه, الى اماكن للقاءات وللتبادلات وللاجتماعات السرية, مع أخبار واشاعات كان يجلبها عملاء سريون لمنظمة هيمنجواي المعادية للفاشية, من بينهم رجال دين وموظفون جمهوريون قدماء ومقاتلون من الحرب الأهلية الاسبانية وأثرياء انجليز باسكيون وبعض الشخصيات من أبناء اوروبا الامريكيين وفلاحين بسطاء وأصدقاء للكاتب) . اذا تحولت مزرعة فيخيا الى قلعة عامة للعمليات المعادية للفاشية. ولقد سيطرت فكرة ملاحقة البحارة الألمان على عقل الكاتب, الأمر الذي جعله يمضي اوقاتاً طويلة خارج مزرعته تاركاً زوجته الثالثة مارثا وحدها مغتاظة بسبب تغيباته الطويلة. وشهدت تلك الايام فترة مشادات مريرة انتهت بفسخ زواجهما. ومن المؤكد ان البحارة الألمان كانوا يتجولون قريباً, لكن اليخت بيلار لم يلمح أحداً منهم وبالنسبة الى هيمنجواي شكلت تلك الرحلات حفلة اخرى من حفلاته المثيرة. ومن بين الصور والأوراق والرسائل التي يحتفظ بها حتى اليوم في المنزل, توجد رسالة موقعة من قبل عقيد امريكي شمالي يدعى هايدن بويدن, يقول فيها: (لمن يهمه الامر... في الوقت نفسه الذي ينكب فيه على صيد أصناف غريبة لمتحف التاريخ الطبيعي فان ايرنيستو هيمنجواي يقوم بتحقيق تجارب ناجحة لأجهزة الارسال من على متن يخته. ان هذا الملحق البحري موجود على خط تلك التجارب, وهو يجعلنا متيقنين ان كل شيء يسير كما ينبغي وان هؤلاء ليسوا انقلابيين من أي صنف) . مركز الأخبار في ربيع عام 1945, بعدما حضر الأحداث الأخيرة للحرب العالمية الثانية, طائفاً في لندن المدمرة بسبب القذائف ومنظماً فرقته الخاصة التي ساهمت في تحرير باريس, باشر الكاتب تأليف كتابه (البحر الأسود) . ومن اجل ذلك السلام تحولت المزرعة الى مركز للشائعات وأخبار منتصف الليل العاجلة والى مركز للحراسة ضد الفاشية وفي فترة ما بعد الحرب, أي في ظل السلام, عادت لتصبح منتدى مجانيا للقاءات الحميمية ومقرا لاجتماعاته مع أصدقائه الأعزاء على نفسه الذين جمعتهم احاديث مطولة تدوم حتى الفجر وباختصار اصبحت مزرعته مكانا للسهر والسمر. في عام 1946, تزوج الكاتب للمرة الرابعة من ماري ويلش التي أقامت في المزرعة, وشيدت برجاً ابيض الى جانب المنزل ـ لايزال قائماً هناك حتى الان وكان الهدف من بناء البرج هو ان يمارس همينجواي الكتابة فيه, لكنه لم يستخدمه ابدا. وعلى العكس من ذلك بدأت تروق له الكتابة واقفا في غرفة نومه وفي واحدة من زواياها مازالت آلة الكتابة التي خرجت منها جميع رواياته منها عمليا ومن بينها روايته (على الجانب الآخر من النهر وبين الاشجار) التي تعرضت لانتقاد لاذع واستقبلها القراء استقبالاً سيئاً (1950) حتى ان الامر وصل إلى حد القول بأن هيمنجواي قد انتهى. لكن بعدها بسنتين (1952) نشرت مجلة (لايف) على حلقات كتاب (الشيخ والبحر) وهو الرواية التي تحولت لتصبح من أضخم النصوص الادبية في كل الازمان. وأعلن وليام فولكنر قائلاً: (أثبت الزمن ان الشيخ والبحر هي الابداع المعزول لاي منا) . اذاً لم ينته العجوز هيمنجواي. وسافر في عام 1953 الى افريقيا ويقال انه تزوج هناك للمرة الخامسة على مذهب قبيلة الواكمامبا من فتاة اسمها ديبا, ويقال ان هيمنجواي أخذ الأمر على محمل الجد لدرجة انه ثقب اذنيه وعلق اقراطاً تماشياً مع طقوس تلك القبيلة الافريقية. بعد هذه المغامرة في افريقيا عاد الكاتب الى منزله حيث كان هناك يوم 28 اكتوبر 1954 حين تلقيه نبأ حصوله على جائزة نوبل. وفي عام 1957 ودائما مقيماً في بيته الأبيض الغارق بين الأشجار, باشر بكتابة مخطوط (باريس كانت حفلة) . وفي يناير 1959, أعلن نفسه بشكل جماهيري, على أنه نصير للثورة الكوبية وفي عام 1960 كانت اقامته الاخيرة في ذلك المنزل. ففي ربيع هذا العام غادر الى الولايات المتحدة. ومع انتهائه من كتابه (باريس كانت حفلة) , بدأت تظهر عليه أعراض مرض خطير, ليسافر الى اسبانيا ويكتب حول خصومات محلية هناك. ويحاول التقدم في كتابه الجديد (ربيع دامٍ) لكن المرض لم يسمح له ذلك اذ انه بالكاد كان يستطيع تحريك يده. ويعود الى الولايات المتحدة, في نوفمبر ويدخل الى المستشفى في مايو حيث يخضع في ابريل 1960 الى عدة جلسات كهربائية قبل ان يعود الى منزله في ايداهو في شهر يونيو من ذلك العام. وفي صباح الثاني من يوليو ينتحر ببندقية صيد. في وصيته خصص منزل مزرعة فيخيا للشعب الكوبي ليحولونه الى متحف يضم كتبه وأثاثه ولوحاته وأدوات صيده البحري وآلة كتابته وسريره ويخته بيلار. وطلب الا يتم لمس شيء وفعلا لم يلمس شيء وطلب ايضا ان يبقى المكان مشرع الابواب ليزوره الكوبيون عندما يحلو لهم, وفعلا بقي كل شيء كما هو وذلك اكراما لهيمنجواي والتاريخ. اعداد ـ باسل أبو حمدة