تعبر حياة العظماء والأدباء أحيانا كثيرة عن أبرز ملامح عصورهم التي عاشوا في كنفها, وتبدو أحيانا اخرى أية عملية تتبع لسيرهم نوعا من التأريخ لتلك العصور والتدوين لأحداثها الجسام, ولعل خير مثال على ذلك الأديب الفرنسي أندريه مالرو الذي بدأت الاستعدادات الآن للاحتفال بمئويته, والذي يسمح التأمل في سيرته او بالاحرى مسيرته القاسية في الحياة, بتكوين رؤية واسعة لأبرز ملامح القرن العشرين, بما عرفه هذا القرن من آلام ومآس, وبما طفح به من رؤى وإيديولوجيات, وكذا ما عرفه مالرو نفسه من مواسم وأدوار راوحت بين دور المثقف والأديب والمحارب والمكتبي والسجين الهارب, وغيرها من مواقف تعكس مصير الانسان المعاصر, وتعبر عن ثراء الحياة وتنوعها وقسوتها أيضا. ولد جورج أندريه مالرو بباريس 3 نوفمبر 1901م, من عائلة تعود لمنطقة دونكرك الشهيرة بموقعتها, وبعد انفصال والديه عاش طفولة مضطربة بين زوجات والده الثلاث تباعا, لكن أجواء الجفوة دفعته الى الانكباب على قراءة الأدب بديلا عن دفء العائلة, وهكذا اكتشف في سن مبكرة عوالم الكسندر دوما, وأشعار هوجووفلوبير, وكتابات ميشليه ونيتشه, كما تعرف في سن المراهقة على مثله الأعلى الشاعر ماكس جاكوب (1876م ـ 1944م) الذي كان في الوقت نفسه رساما عالميا مشهورا ورائداً للحركة السريالية في الأدب والتشكيل, وفي مجالس هذا المبدع الكبير سمع مالرو لأول مرة تمجيدا لأعمال تولستوي وبايرس ودستوفسكي فانكب على قراءة أعمالهم. ولما رفضت ثانوية كوندرسيه بباريس قبوله اضطر للانقطاع عن الدراسة, وعمل بائعا متجولا للكتب سنة 1918م, وقد سمحت له هذه المهنة بالتعرف على الناشر رينيه دويون صاحب مجلة (المعرفة) 1920م, وبعد جلسة استماع تحمس دويون لملكات مالرو النثرية الملفتة, فنشر أولى محاولاته (دراسة عن أصول الشعر التكعيبي) في عدد مجلته فبراير 1920م, وأتبعها بنشر مقالات أخرى لمالرو الذي أصبح بهذه الطريقة, (ناقدا) ومنها إضاءات جميلة مثل (قراءة في ثلاثة من أعمال لوران تايلهاد) و(نقد لكتاب الحقل المغناطيسي لفيليب سوبولت) , و(زنجية للقلب المقدس) لأندريه سالومون, كما قدم لنشرة دفاتر حميمة للوران تايلهاد. ولأنه أقحم نفسه بهذه الطريقة المفاجئة في عالم الناشرين والأدباء, أقحم أيضا نفسه في علاقات تلمذة مع كبار الأدباء الباريسيين أيامها, فكان يلهث يوميا وبحماس الشباب وراء أندريه سالومون, وماكس جاكوب, وبول موران, وجان كوكتو, وريمون ريديجيه, وأندريه سواريز, كما اهتم في هذه الفترة أيضا بأعمال بيكاسو وكلوديل التي كانت موضة تلك الايام. وفي سنة 1921م ظهر كتاب أندريه مالرو الأول (أقمار على الورق) وأتبعه بجزأين صغيرين من (كتابات للأصنام) كما نشر دراسة سنة 1922م عن (ديرتيفانس) للمفكر العرقي ألكونت دي جوبينو, وأخرى عن (الفن الشعري عند ماكس جاكوب) , ودخل مرحلة من عدم الاستقرار فجاب أنحاء أوروبا, وتونس, واستقر به الأمر مع زوجته في كمبوديا التي كانت وقتها مستعمرة فرنسية, ومن هناك نشر دراسات في باريس, غير أن زوجته عادت 1924م وتركته كون (محكمة بنوم بنه) حكمت عليه بالسجن ثلاثا بتهمة تحريض الأهالي على العصيان, وقد قادت زوجته كلارا في باريس حملة صحفية وأخرى لجمع التوقيعات لصالحه, أثمرت عن إطلاق سراحه في سايجون وهنا تردد إسم مالرو على ألسنة جميع أفراد الشعب الفرنسي بفعل جهنمية حملة كلارا والمثقفين والصحافة التي جعلته بطلا من (أبطال الحرية) . تسكع وأسفار وفي سايجون أصدر مع محامية 1925م مجلة (الهند الصينية) التي دخلت في مواجهة مع الوالي العام والادارة الاستعمارية, انتهت بإبعاده, على متن باخرة لباريس, وعلى ظهر تلك الباخرة كتب عمله الشهير المعادي للاستعمار (إغراء الغرب) وبعودته أصبح مسئولا في النشر, وأصدر طبعات نقدية لأعمال مورياك وفاليري وآخرين, كما نشر عمله الآخر المناصر للحرية (الغزاة) , وخص الروائي الفرنسي جورج برنانوس (1888م ـ 1948م) بدراسة قيمة هي (دجل برنانوس) , وفيها عرض واسع لعوالم هذا المبدع الطالعة من أعماله (مذكرات خوري من الريف) و(المقابر الكبرى تحت القمر) و(حوار الكرمليات) وغيرها. بدأ مالرو الذي تحسنت أحواله المادية مرحلة تسكع وموجة أسفار جديدة سنة 1929م, قادته الى ايران ونابولي واسطنبول وباكو وبغداد ودمشق وبيروت التي عاد منها لينشر (الطريق الملكي) وقد فازت بجائزة انترالييه, كما خاض تجربة أسفار أخرى طويلة عريضة سنة 1931م وعاد منها بمخطوط عمله الشهير (المسألة الانسانية) وفور صدوره فاز بجائزة جونكور, وبهذه الطريقة أصبح أحد مشاهير الأدباء وأحد وجوه المجتمع أيضا, وفي السنة الموالية 1933م تزعم حركة (الأدباء المعادين للفاشية) , كما قاد لجنة للدفاع عن ديمتروف المتهم بحرق الرايشتاج ببرلين. ومع مطلع 1934م أقلع مالرو بمعية النقيب مولينييه اثر تمويل من احدى المجلات ليقوما بالتحليق فوق اليمن بغية العثور على آثار عاصمة سبأ, وبعد انطلاقتين من القاهرة وجيبوتي أعلنا عثورهما على أوابد سبأ يوم 7 مارس 1934م, وفي طريق العودة استقبلهما الامبراطور هيلاسيلاسي بحفاوة, وكرمهما, وعادا منتشيين باكتشافهما, لكن عاصفة كادت تقضي عليهما ـ حسب صاحبنا الراوي ـ فوق بونه (عنابة) في الجزائر, وقد خلد هذه التجربة في عمله (زمن اللامبالاة) . ومن يونيو الى سبتمبر 1934م استقر مع عائلته في موسكو حيث نشر مقالات (طاحنة) في البرافدا, وأشرف على مؤتمر دولي للأدباء (الثوريين) أعلن فيه (أن الفن كفاح أو لا يكون) , وهو الشعار نفسه الذي رفعه حين أسس مع أندريه جيد سنة 1935م (المؤتمر العالمي للكتاب المدافعين عن الثقافة) كما التقى مع مكسيم جوركي في أيامه الأخيرة. ومع اندلاع حرب الجنرالات في اسبانيا سافر اليها مالرو سنة 1937م ليشهد هناك (الربيع المأساوي) وليشارك في المعارك الجوية متطوعا مع (القوى الثورية) لأنه أصبح مناضلا (على الصعيد العالمي) , وبانتصار اصحابه الجمهوريين ذهب في حملة دولية لجمع التبرعات لهم من أمريكا التي جاب معظم مدنها الهامة يلقي محاضراته ويجمع التبرعات على نحو يذكر ببعض تقاليد الشعراء الملحميين الجوالين القدامى. وعند عودته نهاية 1937م بدأ نشر محاولاته عن (علم نفس الفن) وكذلك عمله (الأمل) المختلف عن عمله الاخر (نوع من استمرار الأمل) 1938م, كما نشر (خريطة الأدب الفرنسي) 1938م, وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية تطوع في سلاح الدبابات لكن بلاده انهارت بسرعة وسقطت باريس, وهنا تفرغ مالرو لرئاسة تحرير مجلة (علم نفس الفن) ونشر دراسته (علم نفس السينما) , ورغم هذه الروح المسالمة التي أبداها إلا أن سلطات فيشى والألمان ارتابوا في أمره ولكي يقطعوا الشك باليقين احتاطوا لأمره وزجوا به في معسكر سخرة حيث عمل حطابا ومكتبيا وفيما بعد مدرسا, لكنه رغم كل ذلك كتب في هذه الظروف كتابه (جوزات ألتنبورج) , وقد انتهى به الامر الى الهروب من المعتقل سنة 1940م وتخفى في ضواحي مدينة نيس, ثم تظاهر بمصالحة النظام, وهذا ما أدى به الى ان يطرد كل الادباء الذين جاؤوا ليستنهضوا عزيمته مثل سارتر وجيدو ديبوفار, ونشر في هذه الفترة أعمالا عن (توماس أدوارد لورنس) و(شيطان المطلق) و(صراع الملاك) , لكن السلطات اشتبهت في ولائه ثانية سنة 1943م ومن ثم اعتقلت اخويه كلود ورولان, اما هو فتخفى في باريس وكان يقدم نفسه باسم (العقيد برجيه) , وفي النهاية سقط بيد نقطة تفتيش واستقر به المقام في سجن تولوز المركزي. حرب ضد ألمانيا بعد شهرين فر أندريه مالرو ثانية ونفض الغبار عن نفسه وعن ماضيه (النضالي) وانخرط في كتيبة الألزاس واللورين للمقاومة, ليخوض معارك طاحنة ضد النازيين استمرت حتى وجد نفسه يقاتل في مدينة شتوتجارت داخل ألمانيا نفسها سنة 1945م, وأثناء أجواء النصر هذه كان لقاؤه الأول مع الجنرال ديجول فعينه على الفور كاتبه الخاص للشئون الثقافية, وبعد شهرين أصبح وزير إعلام فرنسياً بباريس الحرة المستقلة. وكان أول ما عمد اليه انتاج فيلمه (جبال ترويل) ليخلد فيه نضاله الجوي في الحرب الاسبانية, وهذا امر طبيعي فقد أصبح مالرو الان في موقع مناسب تماما لتخليد مالرو نفسه وتحويله الى اسطورة وبطل من (أبطال التاريخ) . لكنه بعد سنة ترك الوزارة وتفرغ للكتابة وقد ألقى في هذه الظروف خطابا مشهورا في السوربون بمناسبة انشاء منظمة اليونيسكو 1947م, وظهرت له يومذاك (قصص مالرو) ضمن منشورات لابلياد للروائع, وأيضا (علم نفس الفن) و(المتحف الخيالي) ودراسة عن (رسومات جويا) . كما نشر مع مطلع 1948م (أزمة الأزمنة المعاصرة) وقد تسبب هذا العمل في معركة أدبية بينه وبين المفكر موريس ميرلوبونتي, وقد وقفت مجلة (حرية الفكر) التي كان يصدرها مورياك الى جانبه, كما ظهرت له دراسة (صوت الصمت) واخرى عن (النحت العالمي) , وخص صديقه مانيه سبربر بثالثة عن عمله (دمعة في المحيط) , كما اشترك في كتابة عمل بيوجرافي عنوانه (مالرو بقلمه) . وفي سنة 1958م أصدر مع سارتربيان ادانة لحرب الجزائر ثم انضم الى حملتهما مورياك, فعاد الى واجهة السياسة من جديد, فعين وزير اعلام في حكومة ديجول, ثم وزيرا مكلفا بإشعاع وانتشار اللغة الفرنسية, وأخيرا وزيرا للثقافة 1959م, ومن هذا الموقع قاد حملة لحماية اثار اعالي مصر, وأطلق مؤتمرا دوليا عن (اليونان القديمة) , ولكنه عاود الاهتمام بالسياسة فقاد حركة 121 كاتبا ضد حرب الجزائر 1961م, وبعد اسبوعين قتل ابناه فنسان وجوتييه, واطلقت النار على منزله فجرحت خادمة. وفي 1964م أشرف بأمريكا على عرض الجوكوندا وتمثال فينوس ميلو, واصبح شخصية دولية من جديد, فقابل ماوتسى تونج, وأطلق مع سنجور على العرض العالمي للفن الزنجي بداكار, ونشر أيضا (الذكريات المضادة) . ولما اندلعت ثورة الطلاب المشهورة مايو 68 صال مالرو وجال في تحليلها على صفحات ديرشبيجل الألمانية, لكن ديجول استقال كما هو معروف بفعل المظاهرات, فوجد مالرو نفسه خارج الوزارة, وحتى لا يغيب عن الأضواء قاد مع سارتر ومورياك حملة لتحرير ريحبيس دوبريه الذي اسر مع جيفارا في بوليفيا, وكان هؤلاء الثلاثة معروفين بحملاتهم وشفاعاتهم لصالح جان جينيه الأديب اللص الشهير. ظهرت لمالرو سنة 1971م (قيود يجب تكسيرها) , وفي هذه السن أعلن صاحبنا (المناضل) تطوعه للحرب من اجل استقلال البنغال, ووجه رسالة مفتوحة بهذا الشأن لنيكسون عبر جريدة لوفيجارو, وقد كرمته بنجلاديش سنة 1973م لهذا السبب, وفي 1974 نشر (اللاواقعية) , ثم اتبعها بعمل اخر هو (عابر سبيل) 1975م, وأخيرا (الانسان المزعزع والادب) 1976م و(اللازمني) 1976م, كما نشرت لابلياد سنة 1976م المذكرات المضادة) بعنوان (مرآة البررة) , وفي 23 نوفمبر 1976م, مات مالرو وأقامت فرنسا كلها حفلا تأبينيا عند الساحة المقابلة لمتحف اللوفر في اليوم التالي. وقد ترك وراءه اعمالا عميقة, وسيرة شخصية غنية تعكس تقلب مصائر البشر المعاصرين, وتؤرخ بمعنى من المعاني لكل أحداث القرن العشرين الجسيمة والحاسمة.