من اجل الدخول الى المسرح بشكل فعلي للبحث عن حالة التطور البطيئة التي يعيشها لابد من الانعتاق اولا من خيوط تدهش المرء عالقة في الذهن, المسرح الاماراتي الان مقارنة بما قبل خمسة وعشرين سنة في الزمن الفائت تطور, هذه حقيقة لا شك فيها, وكذلك المسرح العربي من ناحية اخرى, ولكن لابد من البحث في سبب هذا التطور البطيء وعلاقته بالنقد.. هل النقد سبب, وهل النقد موجود اساسا, واذا لم يكن موجودا فلماذا؟ وما هي الاسباب؟ قد نخشى الاسئلة المتلاحقة, والتي تمثل حالة من التطويق للواقع المسرحي الذي نعيشه, والذي يتقدم خطوة ويتراجع اخرى, دون خوض في الاسباب التي تساعد على تجاوز هذا الاشكال. في البداية هناك غياب لمنهج, وفي الواقع هناك غياب لفكر المنهج اصلا, ولكي نثبت هذه الفكرة لابد من تفكيك البنيات الثقافية والتربوية للبحث عن هذا الغياب للفكرة, والتأكد من مدى صحتها من عدمها. لدينا مهرجانات مسرحية مختلفة في الدول العربية, ولدينا عروض موسمية من ناحية, ولدينا خريجو اقسام التمثيل والاخراج والديكور والاضاءة, والسينوجرافيا والصوت والملابس, وهؤلاء جميعا لا علاقة لهم بالنقد من زاوية الاكاديمية التي تعنى بتفاصيل لا يلم بها هؤلاء, وبالتالي لا يلم بها المشاهد.. اذن هناك تخبط متوقع في تعقب النصوص والعروض ومستويات الاداء التمثيلي والتقييم العام لمفردات العرض المسرحي. ونعود لنتساءل: اهذا ما يحصل الان؟ والاجابة ـ للاسف ـ نعم, هذا هو الحاصل, لأن العمل المسرحي بعد ان يعرض ويراه الناس بحاجة الى حالة تفكيك جمالية اخرى, تعيد قراءة خطوط العمل سطحا وعمقا, داخليا وخارجيا, اي ان النقد يعمد الى الغور للبحث عن المختلف فيه, عن السهل, عن الجديد, عن التقليدي, عن الدلالات والاشارات, يقرأ الطقوس ادائيا واخراجيا, يفتح آفاقا مختلفة للاسئلة المحتجبة وراء ايقاعات العروض, ويعيد تركيبها من جديد, ان النقد لا يحاسب بقدر ما يعيد اثارة ما استكن بانغلاقه على العين العادية التي لا ترى ما يراه الناقد, لأنه يتلذذ جماليا بتلك التوليفات المختلفة التي تشكل في النهاية حدثا مميزا هو العرض المسرحي, بكل طقوسه وسلوكياته التي تحتاج بالفعل الى تفكيك, ولكن من نوع اخر, وهو النقد.. نبحث عن نقد مسرحي يشعل فتنة فلا اجد شيئا.. وهذا امر طبيعي!! لأن النقد في بلداننا العربية يمثل نوعا من المجاملة ولا يخلق جدلا, وكأن العرض لا يثير شهية شيء سوى التصفيق.. نحن نكتفي بقول: الله.. جميل.. ثم لا يأتي احد لينقض او يؤكد.. واذا حدث وجاء احد بالفعل فإن المرتكزات التي عليها هذا الرأي تصبح عرجاء قبيحة, لأن ما يشوهها هو الارتجال والسطحية.. وهذان عدوان لدودان للموضوعية التي تثير شهية الفعل ورد الفعل.. ويمكن ان نرى من ناحية اخرى ما هو ادهى وأمر, فالنقد المسرحي العربي ناقل عديم الضمير لذلك الحاصل في المسرح الغربي, ففي الوقت الذي يتلكأ فيه النقاد عن الدخول في نقاشات حامية مع العروض, يأتون بما هو فاصل في التجربة المسرحية بين هنا وهناك.. ويبدو انه حتى في اللفظ (هناك) يبرز حرف الآلف الذي يعني البعد, اي المسافة, وهذه المسافة كفيلة بطمس اي مقدرة على تأسيس تحاور او حوار مع التجربة الاخرى التي مثلت منعطفا في تنافسها مع تجارب اخرى ذات صلة بالاداء والتقنية, لذلك تصبح المسافة قاتلة, ويموت الحوار, ويصبح بعض النقاد في واد والتجربة المسرحية العربية في واد اخر. انا ما نعنيه بالفتنة هنا ليس القابل للدخول في معركة حب او كره, موالاة او براءة, بل هو كشف اللعبة المسرحية بما هي اختلاف في النهج وطرائق التوصيل وارتباطها بأصول الفن المسرحي من عدمه, وهذه ليست بالهينة ابدا, لانها ان حصلت فهي تساير المنجز, والمنجز حاصل ومتحقق على اختلاف مستويات نجاحه او فشله, تقبله او رفضه, الاهم هو اقامة جسر من العلاقة مع هذا المنجز, وليس صفح الوجه عنه وتناسيه.. هنالك تجارب مهمة, ولكن النقد الذي لا يتحقق هو سبب التأخر, فعندما يجتهد كاتب نص او مخرج او ممثل او مصمم اضاءة او مصمم ديكور او فني سينوجرافيا (الفضاء المسرحي) لا نجد للنقد اثرا ولا قدما, لماذا يحدث هذا؟! لا ادري!! هل يمكن الاقتراب من حقيقة واحدة, على الاقل ان اردنا ان نوصف حال النقد في المنطقة العربية؟ يمكن ذلك بالفعل.. نحن لدينا انصاف نقاد.. نقد نصف عار.. والنصف الاخر عبارة عن هواء فاسد يثير الاختناق.. انصاف النقاد هؤلاء هم المعنيون بالصفحات الفنية في الجرائد العربية اليومية. والكتابة لديهم اسهال تذيب الواقع المسرحي, وصفحات هؤلاء هي المقروءة, هي التي تصنع الرأي العام نقديا.. كأن يكتب عن عرض لم يره, او يسأل عنه الاخرون عن طريق الهاتف, وهكذا. وفي تصوري ان بناء نقد مسرحي على هكذا شاكله كتابية لن يفلح في تطوير حركة مسرحية, ولن يعنيه هم صعودها او هبوطها.. لذلك لابد من اناس يسكنهم الهم, تسكنهم الغيرة على الواقع المسرحي الذي نحن نعيشه؟ ان التجارب المسرحية المختلفة تبين بالاجتهاد, وتطوير آلية التخيل عند الفنان, هذه الممارسة لابد من اعتبارها جسرا نحو افق مسرحي مختلف, ولنا ان نتنبأ بتوازن يسير على خطى جيدة ما بين النقد ومكونات العرض المسرحي. فضلا عن تشكيله لوعي مسرحي على النطاقين الداخلي والخارجي, وبعث حالة من الحياة بين الفنانين المسرحيين على مختلف هيئات ادوارهم في العملية المسرحية, لأننا في حاجة ماسة الى نقد هادف, موضوعي, يمتلك الادوات, ويتصرف في هذا الاطار.