حتى في شكلها المكتوب, تبدو مسرحيات الشاعر والكاتب المسرحي الالماني (البرت اوسترماير) وكأنها تمتلك نوعا من السحر ولا يمكن قراءتها بدون علامات ترقيم وتنقيط وفواصل. وتبدو وكأنها قصائد بشكلها وبلغتها المحكمة. لقد ولد (البرت اوسترماير) في ميونيخ لاب معماري وشق طريق الادب كشاعر ونشر ثلاثة مجاميع شعرية في التسعينيات. ثم مزج ما بين الشعر والمسرح وكتب مسرحيات متميزة سرعان ما وجدت طريقها الى المسارح الالمانية العريقة. ويرفض (اوسترماير) التهمة التي تقول ان مسرحياته شعرية وتخلو من الدراما وانه قد انحرف عن المسرح. ولكن مجلة (دير شبيغل) تصفه بانه موهبة استثنائية بين المسرحيين المعاصرين. وعلى خلاف الادباء الشباب, فقد نجح منذ عمله الاول في المسرح. وكان نجاحه واسعا ولكنه لم يجد قبولا في المحافل الضيقة التي تجد نصوصه غريبة وعنيدة. واختضنه مسرح (رزيدنس تياتر) في مدينة ميونيخ وتبنى ثلاث مسرحيات من مسرحياته الخمس الاولى. ثم بدأت المسارح العريقة في المانيا في التسابق لتقديم مسرحياته. وكان (اوسترماير) قد درس في طفولته في مدرسة دينية وكبر مع الموسيقى وكرة القدم اكثر من الكتب. وفي سن الثامنة عشرة اصبح يكتب كلمات اغاني فرقة موسيقية كان قد انضم اليها. وتعتمد قوافيه اللغوية على الموسيقى المعاصرة والرفض الداخلي لجيله للغة الاطناب والكلمات الطويلة. ان نمط (اوسترماير) في الكتابة نمط خاص وينطوي على مفارقة تاريخية بسبب دافعها السياسي الواضح والبحث عن اليوتوبيا الضائعة (المدينة الفاضلة المفقودة) . وقال في مقابلة مع مجلة (دير شبيغل) (جميع كتاباتي تقريبا تتعلق بالفشل في تحقيق اليونوبيا ويرتبط ذلك مع حقيقة انني ترعرعت مع جيل لم يعد ينتمي لكفاح ثورة 1968 وصراعهم مع جيل الوالدين. علينا ان نبني نظامنا الخاص وننسق من اجل تنفيذ مصالحنا السياسية) . والمسرحية التي اثارت الجدل في الاوساط الادبية الالمانية خاصة والاوروبية عامة لصعوبة فتح شفراتها هي (مرارة الجسد وحلاوة السكر) او (من راسب القهوة الى قطعة السكر التي قدمت لاول مرة على مسرح (ريزيدنس تياتر) في ميونيخ عام 1997. ورغم ان الشخصية الرئيسية غير مرئية الا انها تهيمن على المسرحية كلها تقريبا بحواراتها الداخلية. كبيان يدافع بحماس وبلا انقطاع ضد موته... قطعة سكر تحاول ان تغري رجل في مقهى ان يشرب قهوته بدون تحليتها (قضية شديدة) المرارة مع القهوة التي يتمتع بها البعض بسلام وبهدوء في حين تكلف بعضهم حياتهم) . الموقف واضح ولكن العمل المبني حولها يبقى غامضاً. ان ما يتم كشفه عن الشخصيات ـ شارب القهوة والنادل لا يخرج عن كونه بدائياً. كما ان ما كتبه (اوسترماير) في مقدمة المسرحية غامضاً ايضاً انما يربط الاثنين غير واضح يبدو انهما يعرفان احدهما الآخر ويستجيب كل لبعضه ومع ذلك فهما غريبان ـ غريبان جدا وكأنهما تحت تهديد الموت المخيف) . ولكن من يهدد الآخر هنا (ان لم تكن قطعة السكر) ولماذا؟ ان ذلك غير واضح في المسرحية. ومع ذلك هناك حديث عن احداث حربية ولكنها تبدو وكأنها غاية متوحشة. وتقول الشخصية الرئيسية عن شارب القهوة (انه لا يريد ان يعرفه احد... هناك شيء يخيفه) ولكنه لا يكشف عنه. والشيء الاخر الغامض والذي لا يتضح مطلقا هو لماذا يموت في نفس الوقت الذي تموت فيه قطعة السكر التي يضعها النادل في فنجان قهوته. الكاتب في سطور * ولد البرت اوسترماير عام 1967 * حصل على جائزة ميونيخ الادبية عام 1990 * في عام 1995 حصل على جائزة مركز القلم في المانيا لمساعدته لشعراء الشباب * في عام 1999 حصل على الجائزة الاولى لكتاب المسرح في المانيا * يعيش ويعمل في ميونيخ اعداد باسل السعدي