الباحثة المسرحية والناقدة والأستاذة الأكاديمية, هدى وصفي تتوج معرفتها النظرية في إطار التجربة العملية, من خلال ترؤسها لمركز مسرح (الهناجر) وإدارتها لـ (المسرح القومي) في القاهرة. وفي كل مجال من هذه المجالات, تعرف هدى وصفي بإمكانات تظهر فيها ملامح إبداعية من خلال أبحاثها ومقالاتها النقدية. بمناهجها الحديثة (البنيوية والسيمنولوجية), وتظهر أيضا قدرات إدارية لمركز مسرح (الهناجر) ولـ (المسرح القومي) , تجاوزت بها المفاهيم التقليدية لإقامة العلاقة مع الجيل الجديد. وتؤسس لعلاقة جديدة يمكن ان تفجر طاقاتهم, وإبداعاتهم, وتساهم في عرضها على خشبة هذين المسرحين, ومبدأها دائما التطلع الى تجارب الآخرين, والتفاعل معها ولكن برؤية نقدية تتيح بالمجال أمام خلق مسار خاص بالشباب المسرحي العربي. وعندما نحاورها تخلق مناخاً استفزازياً يستدعي النبش في عمق المسرح وبنيته التحتية وصورة النقد الموازية أو غير الموازية للحركة المسرحية. وينجلي ذلك في لقاء جعل للحوار نكهة خاصة تترجم على هذا الشكل: * كيف ترجمت علاقتك مع الجيل المسرحي الجديد, من خلال ترؤسك لمسرح الهناجر؟ ـ ان مسرح الهناجر هو أفق انتظار, عندما بدأ مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة, أحدث صدمة لأناس كثر, واعتبر أن هذا النوع من المسرح يستخدم لغة غير مفهومة وغير مألوفة. وهي لا ترتبط بوجود نص, وتوحي بما هو غير مألوف, وخاصة أن فكرة المسرح التجريبي وتنفيذه وتحديد مهرجان له, جاءت بعد النكسة التي كان وقعها مشوشاً للفكرين السياسي والثقافي ولكل مجالات الإبداع وخاصة المسرح, كل ذلك اقتضى من هؤلاء المسرحيين البحث عن لغة مسرحية تتوافق والتطورات الجديدة وتتلاءم معها, ومع أنها كانت صادمة إلا أنها أتاحت لمجموعة من المسرحيين بالكشف عن قدراتهم. وتلت نشاطات وفعاليات مهرجان المسرح التجريبي فكرة إنشاء مركز مسرح الهناجر وهي تعود الى حاجتين: الحاجة الأولى صدرت عن إحساس وزير الثقافة في مصر الفنان فاروق حسني بأن مسرح ما بعد النكسة صار غير قابل للحياة, أي أنه صار مثل شجرة غير مثمرة, لذلك لابد من زرع شجرة أخرى, وكان مسرح الهناجر الذي انبنى على مساحة ما من الحرية. والحاجة الثانية انبعثت من تبني الرؤية الفنية الجديدة التي تتشكل من تلاقي صيغ إبداعية وأشكال سياسات فنية أخرى. * إلى أي مدى امتدت فكرة المسرح التجريبي الى أهداف مسرح الهناجر, وكيف تمت صياغة الأبعاد الفكرية والفنية للجيل الجديد على خشبة هذا المسرح؟ ـ تبنيت في هذا المسرح أكثر من صيغة, وإن كانت في أغلبها تعتمد على التجربة المسرحية أو على المسرح التجريبي, من جهة النص, والتمثيل والأداء والاخراج والسينوجرافيا وغيرها. وإيماناً بفكرة التفاعل والإفادة من تجارب الآخرين, متعددي الجنسية ومتنوعي الانتماءات المسرحية والفنية, أسسنا فكرة الورش المسرحية من مختلف الهويات كما قلنا واستضفنا مسرحيين عرباً وأجانب (الممثل نور الشريف وكرم مطاوع وجميل راتب من مصر, وجواد الاسدي من العراق, ورجاء بن عمار من تونس, وروجيه عساف وداء أبو مراد من لبنان, ومن الغرب استضفنا كانتور, جان ميشال برويير Bruyere, وشانيا وبيناباوش). والملاحظ من خلال ذكر هذه الأسماء, أنهم متنوعي الاختصاصات والتجارب. من التمثيل, والموسيقى (نداء أبو مراد) والرقص بيناباوش. أما آلية العمل في هذه الورش فتتم في سياق يلتقي فيه الشباب المسرحيين الجدد في مصر مع كل فنان ويتم التدريب لمدة شهرين وأحياناً سنة والعمل على انتاج عرض مسرحي او موسيقي او راقص, ويتم عرضه على خشبة مسرح (الهناجر) . في الورش يتم التدريب بعد إجراء إعلان يتم فيه اختيار الراغبين في التدريب لمدة شهرين وبشكل مكثف, فمع روجيه عساف مثلا تم تحويل الموسيقى الى دراما. وكان من شروط تقديم هذه العروض أن تتمتع بحيز من الحرية والتعبير الأدائي, الجسدي واللغوي, وكانت أنواع العروض: الراقصة, والملحمية, والكوميدية (التي قدمها La Bruyere) وحاز على جائزة عبدالناصر عرض (الأيام المخمورة) , وهي من اخراج مراد منير وقدمت رجاء بن عمار (فارست). أما بيتر بروك فقدم مجموعة من المحاضرات عن عمله. وينبغي الاشارة الى أن هذه العروض كانت تتم وتقدم ضمن ثلاثة مستويات: الورش المسرحية العروض الشبابية الفرق الحرة اما في المسرح (القومي) , فقد قدمنا على خشبته عروضاً جماهيرية وذلك لدعم ميزانية المسرح وإيراداته, واستعنا بنجوم وهواة, واعتمدنا الريبرتوار, إذ قدمنا عروضاً ماتينية, ونسعى بجدية لتقديم العروض برؤية جديدة. ونقدم على خشبته أيضاً عروضاً تجريبية كل شهر تقدم عرضاً, وتمول وزارة الثقافة هذه النشاطات والأعمال. * بين هذين المسرحين (الهناجر مركز الثقل للمسرح التجريبي برؤيته الفنية والفكرية المميزة) والمسرح القومي الذي يقدم العروض الجماهيرية والعروض النخبوية, كيف تتصورين العلاقة مع الجمهور, (الجمهور ـ الشعبي والنخبوي) وكيف تقدرين العمل على بناء علاقة تفاعلية مع الجمهور؟ ـ هناك تصور لحاجتين: الحاجة الأولى: هي ضرورة إعادة النظر في المناهج التربوية والعلمية, بحيث ينبغي ادراج المسرح كمادة تدرس وبجدية حتى يتم خلق مشاهد يفقه العملية المسرحية. وبعدها نقترح الاطلاع على التجارب المسرحية الحديثة, وإيفاد عدد كبير من المسرحيين الى الغرب للإفادة من تجاربهم, ثم العمل على إيجاد مراحل إبداع مسرحي قليل التكاليف, ويسمح بوجود لقاءات وبفتح مجال للحوارات المسرحية. * إلى جانب الورش المسرحية, وإلى جانب التعليم, هناك عنصر مهم ومؤثر في تطوير الحالة المسرحية وتعميق بنيتها الفنية, والعمل على ترسيخ المسرح كظاهرة أساسية من الظواهر المادية للثقافة, هذا العنصر هو النقد المسرحي الذي يقتضي دراية بلغة درامية جديدة, يمكن أيضاً أن تساهم في تكوين فعلي لباحثين ونقاد مسرحيين يتمكنون من ممارسة النقد المسرحي برؤية علمية وموضوعية. ـ من الجلي, والمنطقي ان يواكب الحركة المسرحية حركة نقدية تقوم على أسس علمية, تملك الناقد لغته النقدية التي تتضمن مصطلحات المسرح ومفاهيمه, وتندمج مع مختلف الاتجاهات المسرحية. وللنقد دور أساسي في ترسيخ المسرح في الثقافة الوطنية, لتكوين مشاهد يعرف أسس العملية المسرحية وشروطها ولكن حالة النقد في مصر شديدة التخلف, وتفتقد الى المفردات النقدية المسرحية, مثلا قدمت منوشكين عرضا يستفيد من مسرح النحو ومفرداته, كاستخدام الماريونيت ودمجها مع أشكال معاصرة, وتم فيها استخدام الحركة القصيرة على المسرح, ان تقديم هذه العناصر على المسرح يقتضي المعرفة والثقافة في حالة النقد, ولكن في هذا العرض, لم يتمكن النقد من التعبير عن مستوى مفرداته (العرض). * هل مع توفر الورش المسرحية التي تستند الى تجارب عربية وغربية, ومع توافر الخشبات المسرحية التي تتيح عرض أعمال الشباب المسرحي, ومع أهمية التعليم الأكاديمي للمسرح, هل ترين ان الجيل المسرحي الجديد, بدأ يمتلك اسلوبه الذي يعبر عن هويته ام ترينه ينبهر ويغرق في استخدام التكنولوجيا في المسرح؟ ـ لم يمتلك هذا الجيل المسرحي امكانياته بعد, انه مؤمن بالخبرة التي تأتيه عن طريق الجسد, ولكن في إطار هذه العلاقة يفتقد الى بناء علاقة تربط بين الداخل والخارج, لأنه لا يعتمد على تجربة تأتي من اختبارات الجسد, وفي بعض العروض رأينا بعض الأعمال الحديثة وإن كانت مشوشة, ولكنها تعبر عن المسكوت عنه. * كيف تبدو رؤية هذا الجيل المسرحية من خلال العمل على النص؟ ـ يقوم هذا الجيل في عروضه المسرحية بدور الدراماتورج, وهي عملية تحتاج براعة ولكن الغالب في رؤية هذا الجيل الفنية, والتي تتجسد في عروضه, هو ثيمات القسوة والموت, وهذا ربما ينتج عن رؤية جيل يعيش في أسر مفككة, وفي حالة ضياع, ويمكن رؤية ذلك في المسرح اللبناني مثلاً, حيث العروض تجسد فكرة الحرب, والظروف الاقتصادية, وقسوة الحياة اليومية. شرح صورة: * هدى وصفي بطاقة * هدى وصفي: استاذة مسرح مقارن ونقد فرنسي بكلية الآداب جامعة عين شمس. * مديرة المسرح القومي ـ رئيسة مركز الهناجر للفنون. * رئيسة تحرير مجلة (فصول) الصادرة عن هيئة الكتاب. * عضو لجنة تحكيم جائزة نجيب محفوظ (الجامعة الامريكية). * عضو لجنة ترقيات أساتذة اللغة والادب الفرنسي. * عضو هيئة تحرير مجلة (ألف) (الجامعة الامريكية). * عضو هيئة تحرير مجلة (مصر) ـ العالم العربي الصادرة عن السيداج (مجمع بحوث تابع للمركز القومي للبحوث بباريس) * حاصلة على وسام فارس من الحكومة الفرنسية. * ووسام عيد العلم من الرئيس عبد الناصر. * مؤلفات بالفرنسية والعربية. * ترجمات من وإلى الفرنسية والعربية. * عضو مجالس إدارات جمعيات ثقافية متعددة. * مديرة مهرجان المسرح التجريبي حتى دورته السادسة.