وسط تجاهل ثقافي عام مرت مؤخرا ذكرى رحيل رائد القصة القصيرة في مصر والوطن العربي الأديب الكبير يوسف إدريس وربما يكون التجاهل غير متعمد وسط انشغالات الواقع الثقافي في مصر بالعديد من الأحداث التي واكبت ذكرى الرحيل حيث تداعيات قضية وليمة لأعشاب البحر. ثم الدخول في معركة جوائز الدولة والإعلان عنها, أو قد يكون التجاهل عدم مبالاة ولا اهتمام, وتبقى المحصلة في النهاية هو تناسي ذكرى فارس القصة القصيرة وواحد من أبرز الكتاب في مصر والعالم العربي شغل طوال حياته مايو 1927 - يونيو 1991 مساحة واسعة من الجدل والنقاش سواء بأعماله القصصية والروائية أو أعماله المسرحية أو كتابته للمقال الذي جسد من خلاله أحلام وآمال الناس وخاض كثيرا من المعارك بمهارة الطبيب الجراح. حول يوسف إدريس وماذا تبقى من تأثيره الأدبي بعد تسعة أعوام من الغياب, وتجاهل ذكراه التقينا نخبة من الأدباء والنقاد والمفكرين. محطة النسيان بداية يؤكد الأديب والناقد يوسف الشاروني ـ نظيره في الريادة وفي مشوار تجديد القصة القصيرة, وإن كان الشاروني قد اتخذ طريقا ومنهجا آخر ـ أن إسهامات يوسف إدريس في مجرى القصة القصيرة لها أهميتها ومكانتها, وأن التعامل مع شخصية مبدعه كبيرة مثل إدريس يجب أن تكون بشكل يليق بإسهاماتها وما يحدث من تجاهل لذكراه يدعو للأسف والحزن في نفس الوقت.. فهل هذا التجاهل هو نصيب مبدعينا الكبار بعد الرحيل, والظاهرة ليست قاصرة فقط على إدريس بل هي ظاهرة عامة في الوطن العربي, ففي الوقت الذي يقيمون في الغرب المتاحف والمعارض ويجمعون تراث كتابهم الراحلون, وحتى أشيائهم الصغيرة, نجدهم لدينا يذهبون بالرواد إلى محطات التجاهل والنسيان وكأن الغيب أمر طبيعي في ثقافتنا, أما عن الأثر الممتد لأعمال إدريس فأرى أنه قد انحسر بدوره فلا يتضح هذا التأثير في أعمال الأجيال الحالية أو حتى على مستوى قراءة أعماله فقد انحسرت و لا نجد أعماله في المكتبات العامة. يتفق مع ذلك الأديب يوسف القعيد بقوله أن حضور يوسف إدريس انحسر بشكل مأساوي وسط جمهور القراء, ولا أعرف لماذا لم تعد له كتبا في الأسواق يتداولها القراء بينما يظل حضوره بالنسبة للمثقفين باقيا وربما يعود ذلك لأن الجمهور مشغول دائما بمن أمامه ولا يتلفت لمن غاب وهذا تقصير إعلامي كبير ونحن مشاركون في هذا التقصير بدرجة أو بأخرى فلم نكتب عنه شيئا في ذكراه بل ننساها رغم أنه توفى قريبا في بداية التسعينيات. ويقر يوسف أبورية بغياب يوسف إدريس لكنه يتساءل أين طه حسين أيضا وأحمد أمين, وإبراهيم المازني وعبد الرحمن الشرقاوي, ومحمود دياب ونعمان عاشور وسعد مكاوي وغيرهم فغياب هؤلاء أمر طبيعي لتهميش الثقافة المصرية, وقد ساعد على الشعور الظاهري بغياب يوسف إدريس أن المنجز الحقيقي لأدبه مرتبط بتوجهات حقبة كانت تؤمن بالشعوب وفنونها مما يجعل منه استلهام الموروث الشعبي في القصص قيمة عظيمة وهذا هو فعل يوسف إدريس الحقيقي في مجموعاته القصصية منذ أرخص ليالي, وفي رواياته خاصة الحرام, وما تبقى منه حاليا, لا شيء.. ويبرر ذلك أبورية بقوله لأن الكتابة انحرفت حاليا إلى الفردية والأنا المغلقة واستلهام ما هو عميق في الذات من كوابيس وأحلام وسقط عن هذه الكتابة الهم العام بكل تجلياته وعلى ذلك خفت صوت يوسف إدريس وغاب حقيقة. علامة فارقة وعن أعمال وكتابات يوسف إدريس يقول أبو رية: جسدت كتابات يوسف إدريس مجد المدرسة الواقعية الاشتراكية المجهضة في أدبنا الحديث, كان الابن الشاطر من حيث تفكيره ومواهبه والتزامه البحث الجاري عن الخلاص, ويمكن اعتبار أثاره في تلك الفترة آثارا انتقادية مفعمة فهي تحمل عبء وجدان متنبه وصارم وتبدو كأنها وهن وأن إسهام هذا الكاتب في القصة بل في المسرح ليعتبر إسهاما هاما له سموه بجانب كونه أحدى القضايا الفريدة لجيلنا, لقد أراد أن يكون متفردا بالأمل والتمرد والعنف الجماعي, ويبدو أنه فهم قبل غيره أن الأدب لم يعد يمكنه أن يكون لعبة ولا وثيقة كذلك كانت أثاره الأولى تزخر بالطاقة والنشاط والالتزام كانت قانون عمل ومفتاح حياة فمهدت لنا الطريق التي نواصل شقها وربما ساعدتنا على توسيعها, والوقوف وجها لوجه أمام وجدان مهمل وعاجز وأمام واقع تاريخي في مرحلة الصنع تمسه رياح التغيرات العنيفة, واقع يبدو صامتا ومرهقا. ويرى الناقد الكبير صلاح فضل أن يوسف إدريس هو الأديب الذي سار بفن القصة القصيرة بمصر خطوات عملاقة إلى الأمام واضعا علامة فارقة في تاريخ تطور هذا الفن الصعب الجميل, وبغض النظر عن المحاولات الطليعية الأولى التي قام بها البعض فإن الفضل يعود لإدريس في تطوير هذا الفن القصصي وبأعماله وجد القراء أن القصة القصيرة ليست هذا الشيء الجامد الثابت بل الزاخر بالقوة والحيوية والحياة المعبر عنهم وعن آمالهم وطموحاتهم وأدق مشاعرهم الإنسانية فالأديب الكبير يوسف إدريس أرسى أسسا أتاحت لغيره أن يشيدوا عليها ويطوروا أبنيتهم التي قد لا تتفق في تصميمها وتنفيذها مع تصوراته الأصلية والأسس التي أرساها إلا أنهم استفادوا من عطائه كثيرا, ويعود تميز يوسف إدريس ليس لغزارة إنتاجه وإنما بتنويعاته وريادته في الفن القصصي الذي سار به إلى آفاق أرحب وأكثر بكارة وأعمق غورا, بالإضافة إلى أنه كان مشاكسا عنيدا بمقالاته وبمسرحياته الذي أسس فيها لنظرية السامر الشعبي كما في مسرحيته الفرافير. ومن ناحية أخرى يرى الناقد عبد الرحمن أبو عوف في مسيرة الأديب الكبير الراحل يوسف إدريس ما يستحق التوقف عندها, فقد نبعت كتاباته الأولى في إطار مرحلة المد الثوري لاستكمال مهام الثورة الوطنية وساهمت بصدق مع جهود أبناء جيله يسري أحمد وصلاح حافظ والشرقاوي ويوسف حلمي ويوسف الشاروني في صياغة فجر الثورة الاشتراكية التي كان ومازال مجتمعنا يحملها في أحشائه ولقد انعكست كل تناقضات الواقع المصري في تحولاته على وجدان هذا الفنان فعكست أعماله الأولى رؤية واعية تدرك الصراع المستمر في حياتنا بين الجمود والحركة بين الآلية والوعي, فالعمل ونظم المجتمع وكافة ما ينتج عنها من روتينية يميت فينا الوعي بالحياة لكن طبيعتنا كأحياء لا تتلاءم أبدا مع هذا الجمود ومن هنا تريد أن تنقض عليه وتريد أن تستفيد ووجدانها الحقيقي بالواقع لذلك حاول يوسف إدريس أن يقدم لنا رؤية جديدة لواقعنا عن طريق عمل فني ما أو تعيش تجربته حتى تنفتح جوانب الواقع التي كانت أشبه بتراكم آلي في المكان ونحن تحت سطوة العمل والروتين ونشير هنا لمجموعة القصص التي أقامت عوالم رحبه تمتلئ بالحيل والأعاجيب والتي تضمنتها مجموعات أرخص ليال, وجمهورية فرحات, قاع المدينة, حادثة شرف, البطل العسكري الأسود, ويمكن أن نضم إليها روايات الحرام والعيب ومسرحيات ملك القطن واللحظة الحرجة. ويسيطر على بناء هذا العالم المتخيل رؤية جدلية تؤمن بالترابط بين جزئياته المبعثرة وتكشف قوانين التغير الذي يحكمه لذلك أصبحت عملية الخلق الفني لديه حول تشكيل خامة الواقع المصري بالربط بين عناصره المتغيرة والاحتفاء بالحركة وإشاعة إيقاعها المستمر وكل ذلك حول الواقع العادي إلى واقع محلل واع ومصقول, واقع أكثر رحابة وغنى من الواقع نفسه, لقد اندفعت تجربة يوسف إدريس بتلقائية واعية لتملأ على مدى سنوات حياته المكتبة القصصية بمجموعات لها مذاقها الخاص وطموحها المشروع تستفيد من استيعاب بخبرات أعلام القصة تشيخوف وجوكي وشتاينبك وميلر ووليمز وكامو وأنطوان سانت اكوبري, لقد بدأت الموهبة تتلمس طريقا شاقا لكي تصقل معدنها غير أن أروع ما فيها هو قدرتها أحيانا على تمثل خبرات الآخرين وهضمها والبدء في محاولة إعطاء تجربة لها ذاتيتها وتفردها. ويضيف عبد الرحمن أبو عوف في دراسته (دلالة الرؤية في العالم القصصي عند يوسف إدريس) بأن الأديب الكبير امتلك القدرة على التنوع غير المحدود, أو بمعنى آخر امتلك خبرة عريضة بالحياة في تشكلها وحركتها خلال التناقضات العديدة التي تزخر بها, والنظرة الكلية لأعماله عامة, ومجموعات القصص التي أضافها للقصة العربية خاصة تكشف لنا عن نهم بالغ بتجربة الإنسان العادي, تجربة حياته وعلاقاته وتفاعلاته مع الواقع في شموله أنه يتابع ويرصد ويتغلغل وينفذ إلى أعماق التجربة الخصبة ويجمع في النهاية مادة حية غنية يطرحها أمامنا في قصصه القصيرة, وغالبا ما نلتقي خلال هذه القصص بالإنسان في موقف محدد التقطه الكاتب ببصيرة واعية وكشف من خلال تناقضاته ـ أبعاد إنسانية الإنسان وصوره خلال نموه وتحوله, وربما تستغرقه التفاصيل ويغالي في تتبع وتصوير الحياة الاجتماعية في بلاده, وطبيعة النماذج التي درسها بعمق والتعايش معها, غير أن هذا لا يضع أمامه حائلا يحجب عنه إدراك أبعاد التجربة الإنسانية عامة والرؤية البعيدة للأعماق المشتركة بين الناس, هذه الأعماق الغائرة في متاهات الغرائز والانفعالات والأحاسيس والأفكار المتناقضة ا لتي تتوارى وراء سلوك الإنسان وتجسد ملامح علاقاته الاجتماعية وتطرح دائما علامات استفهام حائرة عن معنى حياته أو مأساته وتجبرنا في النهاية على التفكير في مصيره. المبدع والسلطة وعن علاقة يوسف إدريس بالمؤسسة الرسمية يقول الأديب سعيد الكفراوي أنه لم يتوحد قط مع المؤسسة الرسمية, التي ظلت تتجاذبه وهو يحاول الانفلات منها وقد مثل نموذجا لكل تناقضات المرحلة وإن كانت إشكالية العلاقة بين المبدع والسلطة لم يحلها يوسف إدريس, ويحكي الكفراوي أنه منذ أكثر من ربع قرن اغتالت الصهيونية غسان كنفاني بوصفه رمزا لمقاومة الكتاب الفلسطينيين, في هذا الوقت اندفع يوسف إدريس إلى مقهى ريش حيث تجمع المثقفين يكتب اللافتات ويقود مظاهرة في الشارع معلنا الاحتجاج والغضب ويتساءل الكفراوي: هل يكون مصير مثل هذا الرجل هو التجاهل والنسيان, فعندما نتأمل ما يحدث لكبار مبدعينا بعد رحيلهم نصاب بالفزع وما يحدث من تجاهل لذكرى يوسف إدريس أكبر برهان على ذلك. لقطات ولد يوسف إدريس في 19 مايو 1927 بإحدى قرى محافظة الشرقية, وشهدت طفولته الأزمة الاقتصادية العالمية وصورا من النضال المصري ضد الاستعمار, ومن أجل الديمقراطية, وأصبح إدريس خلال تلك الفترة واحدا من العناصر التي صبت في مجرى هذا النضال في الأربعينيات وحصل على بكالوريوس الطب عام ,1952 وعمل نائبا للجراحة بالقصر العيني لكنه فضل الحياة الأدبية بعد ذلك, وعمل بجريدة الجمهورية ثم رئيسا لقطاع المسرح وكاتبا بجريدة الأهرام. حصل يوسف إدريس على جائزة جمال عبد الناصر للأدب عام 1964 وكان مرشحا لنيل جائزة نوبل ونشب جدل شديد بينه وبين نجيب محفوظ بعد حصول الأخير عليها. كتب يوسف إدريس 11 مجموعة قصصية وتسع مسرحيات وعشر روايات, وترجمت أعماله إلى أكثر من 24 لغة, كما أثرى المكتبة العربية بخمسة عشر كتابا في أدب الرحلات وعالم الفكر.