لا يزال الكتاب هو الأداة الرئيسية للعمل والثقافة والمعرفة وبالرغم من ثورة المعلومات, وأدواتها التقنية العالية, وسرعتها المذهلة في تدفق المعلومات, فإن الإحصاءات تؤكد أن الكتاب المطبوع والمجلة المطبوعة تزداد أعدادهما عاما بعد عام, غير أن هذا لا ينفي أن هناك أزمة وبخاصة في عالمنا العربي الذي لا تزال نسبة الأمية فيه تكاد تكون أعلى نسبة في العالم, فضلا عن الأمية الثقافية على مستوى الإنتاج والتوزيع . وللقضية عدة أطراف هم: المؤلفون والمترجمون, والطابعون, والمصممون والناشرون, والموزعون, فضلا عن القراء المستهلكين لهذه الكتب, وقد أثيرت القضية في مائدة مستديرة عقدها المجلس الأعلى للثقافة عن الكتب والمجلات الثقافية في مصر وناقشت الأزمة من أطرافها المختلفة, نظرا للدور التنويري والنهضوي والتثقيفي الذي تقوم به الكتب والمجلات الثقافية في بلورة الوعي وتعميقه وإثراء الذائقة والارتقاء بالوجدان . تعالوا نستمع إلى أطراف القضية, كل من زاوية تخصصه حتى تتضح الرؤية أمامنا في إطارها العام . ننطلق في البداية من هذه المؤشرات الدالة التي يطرحها الدكتور شعبان خليفة ـ أستاذ المكتبات ومقرر لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة ـ حول القضية, يقول د.خليفة (مازال الكتاب المطبوع والمجلة) المطبوعة حتى الآن هم أهم أدوات الثقافة الأخرى وعلى رأسها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وقواعد البيانات الآلية التي تصلنا بها شبكة الشبكات العالمية المعروفة بالإنترنت ولن يختفي الكتاب المطبوع ولن تختفي المجلة المطبوعة كما يتوقع البعض في المستقبل المتطور, ويدلنا على ذلك الزيادة المستمرة في عدد الكتب المطبوعة سنة بعد أخرى وعدد الدوريات المطبوعة عاما بعد عام(. وبالرغم من هذه الرؤية المتفائلة للدكتور شعبان خليفة عن مستقبل الكتاب المطبوع إلا أن الباحث حسن محمد عبد الشافي يرى أن الكتاب المطبوع يواجه تحديات فعلية قد تقف عقبة أمام تقدمه منها أن (العولمة) قد يسرت, وتحقق يوميا تيسيرات جديدة من خلال شبكات المعلومات لانتقال النصوص واسترجاعها والاستفادة بها لأي غرض من أغراض البحث أو الاستشارة بل أصبح كثرة مستخدمي هذه الشبكات يدل على التقدم والرقي, ومن العقبات التي يمكن أن تحد من انتشار الكتاب المطبوع انتشار الكتاب الإلكتروني وازدياد أعداد الحائزين للحاسبات (والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل يختلف تأليف الكتاب الإلكتروني عن تأليف الكتاب التقليدي؟ ومن المعروف ان الكتاب بشكله التقليدي يمكن أن ينقل إلى شبكات المعلومات كما هو إلا أن تحويله الكترونيا يضيف عدة ميزات له, أهمها الوصو ل إلى أي مادة أو موضوع في سهولة فائقة وسرعة كبيرة بخلاف الطرق التقليدية التي كانت تلحق بالكتاب كشافات بأهم الموضوعات والصفحات المذكورة فيها, لتمكين القارئ من إيجاد الموضوع أو المادة التي يبحث فيها ". ومن العقبات أيضا ـ يضيف عبد الشافي ـ أن اتفاقية الجات وضعت عددا من الشروط والقيود لنقل المعرفة من دولة إلى أخرى حفاظا على الملكية الفكرية مما سيكون ذا أثر مباشر على انتقاء الكتب المنشورة في دولة من الدول للترجمة أو للنقل إلى دولة أخرى تحتاج إليها .. وننتقل إلى قضية أخرى تخص الكتاب الثقافي وهي عملية تصميمه وتصنيعه وقد يعتقد البعض أن العبرة بمضمون الكتاب وليس بشكله غير أن هذه الفكرة التي تهمل الشكل لحساب المضمون إنما تضر بالمضمون لهذا يقول الفنان التشكيلي والكاتب عز الدين نجيب لقد مضى الزمن الذي كان الكتاب فيه مجرد وسيلة لنقل المعرفة عن طريق حروف مرصوصة وصفحات صماء وأصبح تصميم غلافه وأسلوب إخراجه وما يتضمنه من صور أو عناصر جمالية بل وحتى نوع الورق المطبوع عليه هي المدخل لإيجاد علاقة بينه و بين القارئ خاصة مع التزايد الهائل لعدد الإصدارات التي تكتظ بها منافذ التوزيع ومع ارتفاع أسعار الكتب والمجلات وتزاحم أشكالها وعناوينها. إن العين تلتقط الصورة واللون والتصميم قبل الكلمة والموضوع والمضمون, وغالبا ما يعيش الكتاب في الذاكرة مقترنا بشكل غلافه وإخراجه الفني. وتعكس مراحل التطور التي شهدتها فنون التصميم والتصنيع للكتاب في العصر الحديث تقنيات التطور التكنولوجي في مجالات الطباعة الكاملة في مجال تلك العمليات جميعا حيث أصبحت تتم بالكمبيوتر بدءا من جمع الحروف إلى تنسيق الصفحات وإضافة العناصر التشكيلية إلى تصميم الغلاف وتشكيلات الحروف والصور الإيضاحية باستخدام برامج جرافيكية سابقة التجهيز تسمح بالتوليف والحذف والإضافة والمزج بين عناصر مختلفة ". هذا ما قاله الفنان عز الدين نجيب ولكن هل استطعنا في العالم العربي أن نستفيد كما ينبغي من هذه الثورة الطباعية الحديثة بتقنياتها الفنية العالية وبرامجها الجرافيكية المتطورة . الفنان التشكيلي وخبير تصميم الأغلفة منير الشعراني يجيب على هذا السؤال واضعا في اعتباره بعض المحاذير التي ينبغي أن نلتفت إليها. يقول الشعراني" لقد تم تعميم استخدام أحدث وسائل ثورة الأوفست والكمبيوتر وتم تحويل عدد كبير من دور الطباعة في العالم العربي إلى ترسانات طباعية ضخمة متطورة من حيث التجهيزات والآلات والمعدات, ناهيك عن انتشار المطابع الحديثة والتوسع السرطاني في استخدام أحدث ما وصل إليه الكمبيوتر من أجهزة وبرامج فنية, وجرافيكية, لكن نتيجة كل هذا كانت معاكسة للمنطق, فبدلا من الاستفادة من المعطيات العظيمة لهذه الثورة في الارتقاء بتصميم الكتاب وتصنيعه تم التعامل مع هذه المعطيات بشكل عبثي وعشوائي, ولا يلقى بالا إلى ألف باء استخدام هذه المعطيات في اللحاق بركب التطور ومجاراته, وهو أمر لا يحتاج إلى أكثر من التعامل بأفق أوسع وإدراك قيمة التخصص ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب وإعطاء كل ذي حق حقه والارتقاء بمستوى العاملين في هذا المجال عبر دورات تدريبية ". ويستمر منير الشعراني في طرح القضية ويحذر من المخاطر قائلا " والحرف الطباعي في مقدمة الأمور الجوهرية فيما نحن بصدده, لذا فإن أشكاله وتصميماته للمتون والعناوين يجب ألا تترك في أيدي شركات أجنبية أو أفراد ينشرون في السوق عشرات التصميمات والأشكال التي تفتقر إلى أدنى اهتمام بجمال الحروف ومقرؤيتها وبتنقيطها وشكلها ونسب حروفها, ومن هنا أرى ضرورة إقامة مؤسسات مختصة يرعاها القائمون على أمور الثقافة والكتاب يقع على عاتقها تصميم أشكال جديدة للمتون والعناوين يصممها خطاطون فنانون مبدعون في مجال التصميم بالتعاون مع مهندسين متخصصين . فإذا ما انتقلنا من الحرف الطباعي ـ الكلام مازال لمنير الشعراني ـ إلى التصميم الداخلي للكتاب وجدنا العشوائية تلاحقنا, فالكتاب الذي كان دوما يخضع إلى تصور متكامل ينظم صفحاته وعناوينه مع صفحات المقدمة والفصول والمتن والصور والفهارس ويحدد الفراغات بين السطور وعلاقة الهامش بالمتن وأبناط المتن والعناوين الرئيسية والفرعية والهوامش وما يراد التركيز عليه في النص, هذا الكتاب الذي كان لكل ناشر ومطبعة أسلوب مميز في تصميمه أصبح في معظم الحالات لا يخضع لأي تصور: خليط متجانس من الحروف والأبناط وفوضى في توضيب الصفحات وفراغات السطور وتفاوت في مساحات المتن واختلال في وضع الهوامش, حتى بت ترى تغيرا مفاجئا لا تدري سببا له في نوع الحرف وقياسه في المتون, كل هذا فيما أرى ناتج عن غياب تقاليد للنشر والطباعة وعن الاستهانة بدور المصمم المثقف الخبير في إعطاء الكتاب شكله اللائق بما يتناسب مع مادته والاعتماد على منفذين غير مؤهلين لا يعرفون إلا مواضع الحروف على الكيبورد وتقليب برامج الحروف على الشاشة ظنا من الناشر أنه يخفف التكاليف ". طرف آخر في قضية الكتاب وهو عملية النشر والتسويق . ويلاحظ الناشر عبد اللطيف عاشور أنه في الآونة الأخيرة تراجع توزيع نوعيات بعينها من الكتب فالناشرون يتخوفون من نشر الكتب العلمية نظرا لارتفاع تكلفة إنتاجها وقلة توزيعها حيث يقتصر هذا التوزيع على فئة معينة من القراء الأمر الذي يضطر الناشر الذي يغامر بنشر كتاب علمي أن يقلل من عدد النسخ المطبوعة في الكتاب الواحد مما يؤدي لارتفاع ثمن النسخة. وعن الكتب الأدبية ـ يقول عبد اللطيف عاشور " مازلنا نقدر القديم منها, وتكاد تقتصر على أسماء معينة ارتبطت بالأذهان, بينما هناك العديد من الأدباء المجيدين الذين يبحثون عن فرصة يصلون من خلالها إلى جمهور القراء.. وفي معرض حديثه عن مشكلات الكتاب المترجم والمعوقات المنتظرة في هذا المجال في ظل اتفاقية الجات وما يتفرع عنها من قيود يقول المترجم د. أحمد محمود " لنا أن نتخيل أثر ذلك على عدد الكتب المترجمة إلى العربية نتيجة لتلك المعوقات في وقت نعاني فيه بالفعل من نقص وهناك إحصائية تشير إلى أن متوسط إجمالي العناوين المترجمة في الدول العربية كافة هو 450 عنوانا في سنة واحدة مع أن العلم أن عدد سكان العالم العربي 250 مليون نسمة وذلك في مقابل 9500 عنوان في أسبانيا التي يبلغ عدد سكانها 39 مليون نسمة و1200 عنوان في المجر التي يسكنها 5.10 ملايين نسمة. وفي معرض الحديث عما تقتضيه قوانين الحقوق الفكرية من ضرورة حصول المترجم العربي على موافقة مسبقة أثيرت قضايا كثيرة لعل أبرزها قضيتين, تتعلق أولاهما بمسألة ذات بعد تاريخي والأخرى ذات بعد سياسي. أما الأولى فهي أن البعض يرى أن الغرب ليس من حقه اليوم أن يحجر علينا فيما نقوم بترجمته مما تخرجه المطابع هناك, ففي عصر النهضة ترجم الأوروبيون ما ترجموه من التراث الأدبي والعلمي عن العربية دون أن يمنعهم أحد أو يطالبهم بحقوق الملكية الفكرية, فكيف يطالبوننا هم اليوم بذلك!! والقضية الثانية ـ يضيف أحمد محمود ـ هي أن هناك من يعتقد بأن إسرائيل سوف تستغل ذلك بجعل الترجمة العربية قاصرة على ما يتم داخلها ولن تعطي تراخيص لترجمة كتبها خارج أراضيها. وهو ما يعني أنه لن يكون لنا الخيرة في ترجمة ما نريده نحن مما تخرجه المطابع هناك باللغة العبرية بل ستفرض علينا هي ما تريد ترجمته, وذلك بعدم الترخيص للمترجمين في دول العالم العربي المختلفة بترجمة ما يقع عليه اختيارهم ليترجموه, وهكذا تصبح الترجمة من العبرية إلى العربية ولا تخدم سوى الطرف الإسرائيلي. القاهرة ـ فتحي عامر