متجاهلاً الجدل الشهير حول ناقل الكفر وهل هو كافر أو ليس بكافر أجدني مضطراً لنقل الخبر الذي قرأته قبل ايام واستفزني للتعليق وليس للنشر وان كان ذاك يستدعي هذا في رأي المناطقة. يقول الخبر ان مهرجاناً للرقص الشرقي هو الأول في سلسلة يبدو أنها ستكر علينا مهرجانات قد تم افتتاحه في احد الفنادق باحدى الدول العربية وان تكلفة حفل الافتتاح قد بلغت مئة وعشرين ألف جنيه فقط (يا بلاش) وان مسابقة في الرقص الشرقي للراقصات الاجنبيات قد اقيمت في اطار المهرجان وشاركت فيها راقصات من البرازيل والارجنتين وروسيا وأمريكا ورومانيا وتركيا واليونان, وان لجنة التحكيم قد تكونت من الراقصة المتألقة لوسي والراقصة المعتزلة (التي خبا ألقها) سهير زكي بينما تخلفت عن الحضور الراقصة فيفي عبده التي كانت ضمن لجنة التحكيم (ياخسارة) وحضرت العضوة الرابعة دينا بعد انتهاء المسابقة واعتذرت قائلة: (انا كان عندي فرح وتأخرت فيه) واعتبر عذراً مقبولاً, وقد تجنبت كل من لوسي ودينا ان تصافح احداهما الاخرى (عكس هذا التصرف اجواء خلاف مثير للقلق). لوسي أكدت ان الدعوة وجهت لغالبية الراقصات ولكن لم يأت احد (البركة في اللواتي حضرن). سهير زكي شاركت لوسي الرقص في احد الاستعراضات. سهير رقصت وصلتها خلال عرض لأحدث موضات بدل الرقص صممته أميرة قطان (ما سمعنا بها). لوسي رفضت في بداية العرض تصويرها اثناء الرقص ولكنها تراجعت بعد ضغوط عليها (الحمد لله انها استجابت للضغوط والا لحرمتنا من تسجيل لحظة تاريخية). راقية حسن منظمة المهرجان قالت انه سوف يستمر لمدة اسبوع (هذا التصريح قبل اسبوعين لمن يفكر في حضور المهرجان.. راحت عليكم). راقية أكدت ان فريدة فهمي ومحمود رضا ولوسي ودينا سوف يقدمون خلال المهرجان محاضرات وتدريبات في الرقص الشرقي للمشاركات فيه (هذا هو النهج العلمي السليم) دينا طلبت الاشتراك في دروس فريدة فهمي خلال المهرجان مع ان دينا نفسها ستقدم دروساً في الرقص في نهاية الاسبوع (العلم بحر لا قرار له). سهير زكي رفضت عرضاً من محمود رضا بتقديم دورات تدريبية للراقصات في المهرجان. سهير رفضت عرضاً آخر من فنلندا لافتتاح دورة تدريبية هناك. محاضرات لوسي ستشارك فيها مئة وعشرون راقصة (اقبال منقطع النظير). كل راقصة من المشاركات في المحاضرة ستدفع مئة وسبعين دولاراً (مبلغ تافه تكسبه الراقصة في دقائق). المبالغ كلها ستدخل في صندوق دعم المهرجان (المهرجان يستحق الدعم فعلا). لوسي قالت انها سوف تعطي المشاركات في المهرجان محاضرة أولية عن الفرق بين الرقص والجنس والرياضة (هكذا جاء في الخبر بالنص). لوسي ستشرح في المحاضرة كيفية الاحساس بالموسيقى اثناء الرقص. هل أزعجتكم بالتفاصيل؟ ارجو ألا أكون قد فعلت, ولكنها مهمة كما ترون, كما ان الامانة العلمية والصحفية تقتضي مني ذلك. أما وقد وضعت الخبر بين ايديكم وغدوت متهماً بنقل الكفر فأعتقد ان الخطوة التالية هي التفكير في كيفية تناوله خاصة وان هناك اكثر من طريقة تصلح كل واحدة منها لأن تكون هي الطريقة الأفضل والانسب مما يجعل المفاضلة بينها صعبة. سوف نحاول المزج بين المدارس النقدية والفكرية والتحليلية المختلفة ونخرج بطريقة مستنبطة جديدة تتناسب مع طبيعة الموضوع وايقاعه الراقص, وسننحي جانباً نظرية المؤامرة المتعارف عليها ونلقي باللائمة على أنفسنا لما فرطنا في حقوقها عندما سمحنا للدخيلات على هذا الفن من الأجنبيات بأن تكون لهن مواضع اقدام بيننا بحجة مسايرة (العولمة) والتعايش مع قوانينها لنفتح الباب على مصراعيه لـ (عوالم) الشرق والغرب كي يزاحمن (عوالمنا) في لقمة العيش, وهي السلبية الوحيدة التي اظهرها المهرجان, اما الايجابيات فهي كثيرة لا تعد ولا تحصى, خذ منها مثلاً الروح الرياضية التي تحلت بها راقصاتنا عندما لم يمانعن في تدريب الراقصات الاجنبيات, هذه الروح فسرها البعض ـ وهم قلة ـ بأنها تفريط في التراث القومي, ولذلك فقد أكبر هذا البعض الموقف الوطني المبدئي المنطلق من الايمان بالثوابت الذي اتخذته الراقصة سهير زكي عندما رفضت الاشتراك في تدريب الراقصات الأجنبيات واعتبروه موقفا قومياً اصيلاً. من ايجابيات المهرجان أيضاً انه استطاع ان يوحد شعوباً ودولاً مزقتها السياسة والرياضة وامور اخرى, فها هي اليونان وتركيا اللتان باعدت بينهما الخلافات السياسية ردحاً طويلاً من الزمن يؤلف بينهما الرقص الشرقي لنشاهد الراقصات اليونانيات والتركيات يصعدن خشبة المسرح متشابكات الايدي باسمات الثغر, وكذلك فعلت الراقصات البرازيليات والارجنتينيات رغم الاسافين التي دقتها الرياضة بين بلديهن, اما الراقصات الروسيات فقد وجدن العزاء بعد ما آلت اليه دولتهن العظمى من انهيار وتفكك ووضع اقتصادي مترد في هذا التألق المبهر في ميدان الرقص الشرقي فتقدمن الصفوف في الاندية الليلية والاستعراضات واغاني الفيديوكليب, وعوضن فشل الراقصين على مسرح السياسة الذين اصبحوا أدوات في أيدي عصابات المافيا ومرتهنين للبنك الدولي والقوى الكبرى واليهود المسيطرين على مراكز المال والقرار ووسائل الإعلام بعد ان الغى النظام العالمي الجديد فكرة توازن القوى ولم تعد هناك سوى قوة واحدة تحرك الاحجار على رقعة الشطرنج غير عابئة بقوانين اللعبة محولة جميع الاحجار إلى جنود وقالبة الرقعة على رؤوس اللاعبين والمتفرجين. بعض الخبثاء والمثقفين المتأثرين بمايلز كوبلاند وكتابه (لعبة الأمم) فسروا الامر بأنه خطة جديدة من قبل المخابرات الروسية (كي. جي. بي) لنشر نوعية من (العميلات) على شكل (عوالم) كي يختلط الامر على الاعداء فلا يستطيعون التفريق بين (عميلة) و(عالمة) لتشابه حروف الكلمتين وبذلك يضربون عصفورين بحجر واحد بتحقيق أهدافهم التجسسية والسيطرة في الوقت نفسه على وسط العالم العربي باعتبار ان الرقص الشرقي قائم أساساً على هز الوسط وبذلك تتحقق لهم السيطرة على منطقة الشرق الأوسط (قمة الذكاء). اما طيبو القلوب حسنو النوايا أمثالنا فقد اعتبروا ذلك سفسطة زائدة عن الحد ودعوا إلى وضع الامور في حجمها الحقيقي وعدم تحميلها أكثر مما تحتمل واعتبروا المهرجان خطوة على طريق التلاقح الثقافي والفني بين الشعوب, بل انهم عدّوه تحركاً ذكياً تزامن مع انجازين علميين كبيرين هما استنساخ النعجة (دوللي) والتوصل إلى الخريطة الجينية للانسان او ما عرف بمشروع الجينوم البشري الذي أعلن العلماء تفاصيله قبل اسبوعين. وعلى الرغم من ان الإعلان عن هذا الاكتشاف قد تضمن انه سيساعد على تقديم الاجابات لقضايا علمية لم تحسم بعد مثل كيفية نمو الخلية البشرية وتحديد مسارها لتصبح خلية كبد أو خلية مخ وكيف تهرم وكيف تشيخ وكيف تموت إلاّ ان الإعلان قد تعمد عدم الاشارة إلى انه سيتيح توجيهها كي تصبح خلية رقص وسيمكن العلماء من التحكم في الصفات الوراثية للاجيال القادمة وهندسة جينات فئات من النساء الشقر والبيض لانتاج سلالة مختارة من الراقصات الشرقيات لا يتحكم فيها عنصر الوراثة الذي استأثر به العرب ردحاً طويلاً من الزمن. وقد جاء تنظيم هذا المهرجان في الوقت المناسب ليفسد على العلماء خطتهم ويسلبهم نشوة الانتصار الذي يحلمون به حتى اذا ما حلّت الكارثة وانتقل تاج الرقص الشرقي وصولجانه إلى (عوالمهم) اخرجنا لهم ألسنتنا وقلنا: بأيدي (عوالمنا) لا بأيدي (علمائكم) . * بعد ان فرغت من كتابة هذه الاستراحة اعدت قراءتها ثم قررت تمزيقها وقلت في نفسي: ما هذا العبث والهراء؟ ثم نظرت حولي فرأيت من ذلك اشكالاً وألوانا لا تعد ولا تحصى وادركت ان اقلها وطأة هذا الذي تفعله الراقصات, ولا لوم عليهن فقد اخترن طريقهن وحددنه بوضوح, أمّا ما يفعله غيرهن فهو عبث من النوع الثقيل الذي يترك آثاره المدمرة على حياة الشعوب ويحول ماضيها إلى رماد تذروه الرياح وحاضرها إلى ليل لا يلوح له صباح ويدخل مستقبلها في جب مظلم اشبه ما يكون ببيت الاشباح. القاسم المشترك بين هذا العبث وذاك ان كليهما يبعث احياناً على الضحك ولكنه ضحك كالبكاء (على رأي شاعرنا العربي المقهور مثلنا) اما نحن فلا مناص لنا من ان نتحول جميعاً إلى راقصين ولكن من ذلك النوع الذي قيل في وصفه: (كالطير يرقص مذبوحاً من الألم) .