يبقى المفكرون أصحاب الرسالات والمبادئ أحياء في ضمير أمتهم, ولا ينقطع عطاؤهم بانقطاعهم عن حياتنا وانتقالهم إلى حياة الآخرة, وأحيانا يتعاظم دورهم وهم رقود في قبورهم, من هؤلاء العلامة الراحل والمدقق محمود شاكر (رحل في 7 أغسطس 1997) ، وهو الملقب بمحامي العروبة الأول والمدافع الصلب عن رسالة الثقافة والحضارة العربية الإسلامية. وانصافا للعلامة محمود شاكر رأيت تصحيح معلومة تاريخية وردت في مقالة الكاتب صلاح عيسى (تفاحة حمزة البسيوني) حيث استرجع لقاء عابرا له مع شاكر في ساحة السجن عام 1966, وقال ان العلامة اعتقل بسبب رصد أجهزة الأمن لمكالمة هاتفية انتقد خلالها مسئولا كبيرا, والحقيقة ان العلامة محمود شاكر دخل السجن عام 1966 بسبب دفاعه العنيف وثورته انتصارا للعروبة والاسلام ردا على افتراءات الراحل الدكتور لويس عوض في مقالاته المنشورة في (الأهرام) عام 1965 بعنوان (على هامش الغفران.. في ذكرى المعري) . وجاء رد شاكر في ثماني مقالات لاذعة تتصف بالعمق والموسوعية ومشبعة بنهج وثاب للدفاع عن ثوابت العروبة والإسلام, وصارت من أدبيات الثقافة العربية, التي لا يمكن لأي دارس أو مهتم تجاهلها. وعنون شاكر مقالاته بعنوان جامع شامل يوحي بأجواء معركته مع لويس عوض, وجاءت المقالات الثماني المنشورة في مجلة الرسالة بعنوان (أباطيل وأسمار) فنّد فيها كل الأسانيد التي يسوقها المهووسون بتقليد الغرب, والداعون إلى استنساخ ثقافته, وطمس كل مكونات الهوية العربية الاسلامية. وجسدت (أباطيل وأسمار) العلامة شاكر صيحة تحذير مبكرة جدا من المحاولات الرامية لتغريب الثقافة العربية, ومحاولة هدمها من الداخل, لدرجة أثارت فزع النخبة المسيطرة على أمور الثقافة المصرية أيامها, وتم اعتقال شاكر واغلاق مجلة الرسالة للأبد. ورغم انتهاء المعركة, وبقاء شاكر في السجن 18 شهرا, إلا ان صداها ما زال يتردد في الأجواء, ويثير الاعجاب والتقدير بعلامة ومفكر نذر حياته دفاعا عن هويته العربية الاسلامية, وبقي في عراك دائم منذ تركه الجامعة طالبا لخلافه مع الدكتور طه حسين حول الموقف من الأدب الجاهلي. سيد زهران