.. هل هناك صلة ما بين الحب والموت؟! سؤال يتبادر الى الذهن بين فترة واخرى بصورة ملحة.. ترى لماذا يقول الانسان لشخص ما عندما يحبه الى درجة كبيرة: انا اموت فيك؟! وكيف يمكن للانسان ان يموت في شخص آخر؟ وهل يمكن للموت ان يجتمع مع اي شيء آخر في ذات المكان؟ يبدو من الوهلة الاولى ان هذه المقولة لا معنى لها, وانما هي مجرد عادة كلامية ان صح التعبير مجهولة المعنى والهوية. ومنذ فترة توجهت بالسؤال الى احد الزملاء المثقفين والذي توسمت فيه درجة كبيرة من العاطفة و(الرومانسية) عن معنى هذه العبارة, فلم يخيب ظني فيه عندما اجابني اجابة ربما تكون صحيحة الى حد كبير حيث قال: هي صيغة مبالغة, يعني بها العاشق انه وصل الى درجة من التيه والعشق, تجعله مستعدا للتنازل عن روحه لتذوب في جسد محبوبه فيصبحان روحين في جسم واحد, وبالتالي فهو مات فعليا, وتنازل عن ذاته وكيانه ليسلمها طائعا مختارا الى من اختار ان يموت فيه. ومن اجل ذلك ارتبط الحب بالموت في كثير من القصص الشهيرة, ولعل روميو وجولييت لشكسبير اشهرها, عندما ارادت جولييت ان تتخلص من ضغط اهلها لتزويجها شخصاً اخر, ذهبت الى الراهب الذي اعطاها بدوره شرابا يجعلها تظهر كأنها ميتة لفترة من الزمن ثم تعود للحياة, في الوقت الذي يقوم هو فيه بابلاغ روميو لكي يهم باخراجها بعد ان يدفنها اهلها.. ولكن تسير الامور بشكل لم يخطر على بال الراهب فلم يعثر رسوله على روميو لابلاغه بالخطة بعد ان شربت جولييت الشراب, وظنها الجميع قد ماتت.. وبعد ان جاء روميو فوجئ بموت جولييت. فلم يحتمل العاشق الولهان هول المنظر, فقرر على الفور انهاء حياته لأنه (ميت) في حبيبته وقام بطعن نفسه بخنجر, لتفيق جولييت من نومها لتنصدم هي الاخرى بمنظر الحبيب وهو يسبح في دمائه, لتقرر على الفور انهاء حياتها بالفعل, لأنها (ميتة فيه) هي الاخرى فقتلت نفسها فورا!! كما يمكن ان تكون قصة انتحار هتلر وايفابراون مثالاً آخر على العلاقة بين الحب والموت, عندما قرر الاثنان ان ينهيا حياتهما بعد هزيمة الجيش الالماني على يد الحلفاء, فشربا السم سويا في وقت واحد, وروي فيما بعد ان سبب ذلك هو حبهما الشديد لبعضهما, وخوف كل منهما ان يمثل الحلفاء بالآخر في حالة اعتقاله. وبكل تأكيد فإن مصطلح (اموت فيك) تطور بشكل كبير في عصرنا الحالي ليأخذ منحى آخر حيث التزم الناس فيه بالمعنى الحرفي تحديدا, بعيدا عن تفسير صاحبنا المثقف الرومانسي, فأصبح الانسان عندما يموت في شخص فإنه يقصد تماما انه سيضع حدا لحياة من يحب بقتله بأي وسيلة من الوسائل, ثم يقوم العاشق بعدها بتقديم رقبته الى (حبل) العدالة او انه ينفذ الحكم على نفسه دون محاكمة فينتحر في نفس الوقت. اخبار كثيرة تتناقلها وكالات انباء العالم بين فترة واخرى.. وحوادث عديدة نسمع عنها في كل حين.. امرأة تقتل زوجها لأنها تحبه ثم تقطعه وتضعه في كيس لترميه في اقرب بحر.. عاشق يطعن حبيبته بسكين لأنه مغرم بها ولا يتخيل الحياة بدونها.. مريض او معتوه يتحول الى سفاح ويقتل الفتيات ويشرحهن لأنه يتمنى ان يدخلهن الجنة.. ام تقتل ابنها لأنها تخاف عليه من غدر الايام والليالي.. رجل يطلق النار على زوجته التي يحبها لأنه غيور ويشك في تصرفاتها, ثم يوجه نفس المسدس لرأسه فيطيح به منتحرا!!. الكثير والكثير من القصص الواقعية التي نحسبها من هولها انها نسج خيال الصحفي او الراوي, وربما الايام كفيلة بمزيد من القصص الاخرى التي تؤكد ان العاشق ليس مجنوناً و(خبله) و (ابيها) في معظم الاحيان, بل من الممكن ان يتحول الى مجرم وقاتل مع سبق الاصرار والترصد, على طريقة (ومن الحب ما قتل)!! ومن هنا فإن النصيحة التي يمكن تقديمها لأي امرأة هي التوجه فورا الى اقرب مركز للشرطة للابلاغ عن الزوج او الحبيب اذا تفوه لها بكلمة (اموت فيك) يا حبيبتي!! في الوقت الذي نطالب فيه باثبات هذه الكلمات ضمن تهمة الشروع في القتل في محاضر الشرطة والنيابة!! اما التفسير النفسي المحتمل لهذه القضية فهو ان الشخص يعتقد انه قد استطاع بالحب امتلاك الشخص الآخر بشكل كامل يجعله هو المسئول عن تحديد مسار حياته, والاكثر من ذلك مماته ايضا.. كما انه يصل الى درجة من الاعتقاد بأن وجود الشخص الآخر مرتبط اصلا بوجوده, وبالتالي فإن شعر بانتهاء دوره في الدنيا, واقتراب منيته, فإنه يرسم تلقائيا نهاية شريكه, لأنه يعتقد ان الشريك لن يستطيع مواصلة الحياة بدون وجوده هو بجانبه. اما التفسير الآخر فهو عند وائل كفوري, وهو هنا ليس عالما شهيرا في علم النفس, وانما هو مجرد مطرب لبناني (دخل الجيش).. وذلك عندما قال: (ميت فيكي ومش راح موت.. ناطر لتموتي فيه) .. اما ماذا يقصد وكيف يمكن ان يكون ذلك.. فالمعنى في بطن الشاعر!!