هذا هو الصيف في شهر يوليو الف وتسعمئة وخمسة وسبعين يزحف بثقله على صدر الارض في الامارات, والبحر يتنفس وكأنه ينفث ما في جوفه الى السماء فتلتهب السماء فتمطر على الارض رطوبة هي في انهار حرارة ثقيلة مشبع هواؤها بل سمومها بالماء, ذلك الماء الذي تشتاقه الارض مطرا فلا تجده حتى اذا اقبل الصيف ضاقت به رطوبة غامرة لا تسقي الارض بل تضيق الخناق على الناس حتى لا متنفس لهم الا بعض نسائم تنفرج عنها موجات اهل الامارات وليس الجميع لديه المؤنة والزاد والراحلة, حتى يهب هاربا من الحر الى بلاد قريبة او بعيدة يتفيأ فيها الظلال ويسعد بأجواء الربيع في اصقاع الارض البعيدة. فالقلة القلة هم الذين يتمكنون من السفر الى بلاد الشقرة والحمرة, الخضرة بل اولئك اندر من الندرة في ذلك الوقت اما الاكثرية الغالبة من تلك القلة التي تهرب من حر الصيف الاماراتي فكانت لا تذهب بعيدا عن تلك البلاد التي كان آباؤهم واجدادهم يسافرون اليها بقصد التجارة التي كان يسميها الاوائل ويصطلحون على تسميتها (السفر) الذي كان مهنة اخرى هي قرينة الغوص. ان اوائل الذين سنوا سنة السفر في الصيف في الامارات لم يكونوا ليذهبوا الى ابعد من الهند تلك الغانية السمراء المغرية بالسفر فإن تجاوزوها لم يتجاوزوها الا الى اقرب منها الى (شيراز) تلك الفارسية المغناج التي لطالما دعتهم اليها بمشمشها وخوخها ودراقها في صيف كانت الامارات فيه نخلا قليلا وماء هو اندر واغلى من الذهب في فلوات الصحراء. الى تلك البلاد كان اهل الامارات يتنادون وحولها يتناجون هذا ان كانوا اصحاب سفر وقدرة عليه. وكان من القادرين عليه او المصرين عليه وان لم يقدروا ام محمد تلك الاماراتية الاربعينية التي لا تكف طيلة فصل الشتاء تذكر ابا محمد زوجها, الكاتب في البلدية تذكره بأن السفر لا محالة منه في هذه السنة وهو يتململ كلما ذكرته.. ويتهرب بل.. يهرب الى قصة بعيدة عن ذكرى السفر قصة من قصصه اليومية مع رئيسه في العمل ذلك الذي لايتركه في حالة وكأنه موكل بالتنغيص عليه ومحاولة تأنيبه وتوبيخه وهو الحر الذي لا يرضى الاهانة ولو كان ذلك سببا في تركه الوظيفة ولطالما هرب ابو محمد الى احدى تلك الحكايات الوظيفية بل شكاواه الوظيفية التي هي مهرب له من طلبات ام محمد ومتنفس له ليشكوا امامها ويظهر ثورته وتبرمه الذي ربما لا يظهره بحجمه هذا امام رئيسه والا لما عاد الى رأس عمله صباح اليوم التالي. ما دريتي يا ام محمد ـ هكذا يبدأ ابو محمد قصة التي يهرب من ام محمد اليها ـ ما دريتي يا ام محمد (شوسويت بقاسم اليوم) . وتزم ام محمد شفتيها زم المتذمر الممتعض (قاسم منهو قاسم بعد) .. متجاهلة معرفتها به. ـ قاسم منهو قاسم بعد.. هذا التعبان رئيسي في العمل. ـ نعم ماذا حصل اليوم بعد. ـ تصدقين يا ام محمد انه يبغيني اداوم المساء اليوم بعد من دون كل الموظفين. ـ ليش يا ابو محمد. ـ بس هكذا بلا سبب بس لأنه وجدني آكل (اتريق) في المكتب ما اتريق ما افطر يعني. ـ تستاهل يا ابو محمد ليش تترك (الخبيص والبلاليط وخبز الخمير الذي اضعه لك كل صباح وتاكل اكل المطاعم في المكتب) . ـ تعرفين يا ام محمد الاكل ما يشتهيه الانسان من الصباح الباكر وانا في الحقيقة يغريني ذلك الخبز الهندي (البراتا) التي يأتي به الفراش (عبدالقادر كوتي) كل يوم من المطعم المجاور للبلدية آموت في اكل الهنود يا ام محمد.. ـ خلاص ما دام تموت في اكل الهنود يابو محمد اذن لابد من السفر الى الهند هذه السنة. ـ (لا حول) يا ام محمد ما خلصنا من طاري الهند. ـ الهند يا سلام على الهند يابو محمد اما تذكر يابو محمد السنة الماضية يوم ان سافرنا (بومبي) وسكنا في (اوتيل تاج محل) نصبح في اسواق بومبي نشتري دهن العود والعود والثياب المخورة. ـ نعم نعم اذكر يوم ردينا مفلسين ما عدنا حق العشا (روبية واحدة). ـ هذا انته يابو محمد ما تتذكر الا الشين نسيت نسيت يابو محمد (الركشات) على البحر في (جاباتي) والناس في العربانات والخيول والناس بين رايح وغادي. ـ نعم نعم اذكر واذكر بعد (الطلاليب) المقطوع والمكسور والاعمى والمجذومين الذين يكادون يضعون ايديهم في جيوبنا ينهبوننا نهبا. ـ هذا انت يابو محمد ما تذكر الا الشين, لا ما علي منك انا يابو محمد السنة لابد من الهند انت ما سمعت الشاعر الشعبي يقول (الهند نبغي وفيها الملتقى مبيوح. لا بدلي من وصلنا هناك نرتاحي) . ـ الشاعر الشاعر الله يرحم المتنبي.. وهكذا كانت حوارات تلك العوائل المتأرجحة بين الغني والفقير في الامارات قبل ما يزيد على العشرين سنة لغط كثير حول نسافر ولا نسافر الى اين الى الهند تلك الساحرة السمراء التي اخشى ما اخشاه انها هاجرت الينا بقضها وقضيضها فسدت علينا الشوارع والاسواق لما علمت عشقنا لها منذ ايام السفر والغوص.