مازال ركاب الطائرة يتوافدون, المقعد المجاور خال, أتمنى أن يظل كذلك, إن وجود من لايعرفه الانسان على هذه المسافة من القرب لايريح تماما, كما أن بقاء المقعد خاليا يتيح مساحة لحرية الحركة. اضافة الى ذلك, فإنني عند السفر أفضل الانفراد, لما ينتجه من فرصة للاستيطان الذاتي والتأمل مع الانفراد بالنفس, في القطارات اختار المقعد المفرد, أولي وجهي عبر النافذة الى الأفق المتراجع أو ما أراه من مشاهد, وأوزع الوقت بين القراءة والتفكير. دفعة جديدة من الركاب, عندما رأيتها تغير أمري, وتمنيت لو جلست الى جواري, اتجهت مباشرة الى المقعد, بدون أن تنظر الى الرقم, كأنها تعرف موقعه, لديها حقيبة كبيرة الحجم نسبيا, واضح أنها ثقيلة الى حد ما, وحقيبة أخرى من قماش. شابة, متوثبة, تفيض حيوية, جميلة الملامح, مليحة التقاسيم, خضراء العينين, ترتدي حلة من الجينز الأزرق, توقفت. رحت أتطلع اليها متأهبا لابداء التحية, أو المودة, ونظرت الى الحقيبة مستعدا للمعاونة, غير أنها لم تبد أي علامة يلوح منها رؤيتها لي, كأني لم أظهر في مجال نظرها قط. مالت لترفع الحقيبة بخفة ورشاقة, وضعتها في المكان المخصص فوق المقاعد, ثم خلعت (الجاكت) سوته ووضعته فوق الحقيبة, كانت ترتدي كنزة بيضاء بدون كمين, كشفت عن تكوين بديع, فتحت الحقيبة الصغيرة, أخرجت كتابا, جلست في المقعد. فاض الفراغ بحضورها الأنثوي الجميل, رغم أنها لم يبد عليها أي علامة تدل على أنها رأتني أو لحظت وجودي, إلا أن استنفارا بدأ عندي, هذا التأهب المصاحب لظهور الأنثى في مجال الرجل, يبدأ عندئذ في الاستعداد, يتخذ أوضاعه بحساب واذا تحرك أو نطق فإنه يحاول الظهور في أفضل صورة, تذكرت حديثا للأديب الراحل يحيي حقي - وكان رحمه الله ذواقة للجمال بكل صنوفه - قال فيه إن مجلس الرجال يكون كئيبا خشنا, حتى إذا ما دخلت أنثى, تغير في الحال, وبدأ كل منهم يظهر أجمل ما عنده, يتعرف بحساب, ويتكلم بأناقة, ويظهر اللطف, هذا ما يثيره ظهور الجنس الآخر, وهذا ما حدث عندي بالنسبة لهذه الراكبة الحسناء, لكنها بدت وكأنها تتحرك في فراغ مطلق, لم يثر حضوري أي رد فعل, لم تومئ, ولم يتغير تعبير وجهها الجميل عما بدت عليه. ربطت الحزام, اتخذت الوضع المريح لها. فتحت الكتاب, واستغرقت في صفحاته. قلت لنفسي, لابأس, من القاهرة الى باريس حوالي خمس ساعات تذيب الجليد وتحرك الصخر, وتذكرت أغنية لمحمد عبدالوهاب التي يناجي فيها (الوابور) ويسأله (رايح على فين) قال فيها إن لم تخني الذاكرة.. إن طال الوقت على الركاب يقضوا الوقت في كلام وعتاب في لحظة معينة ستبدر إيماءة أو تبدو ملحوظة, ثم يتصل الحديث, لكن جارتي الحسناء بدت ساكنة تماما, تقرأ باستغراق, تحركت الطائرة على مهل, يجب أن أُظهر اللامبالاة, تطلعت من النافذة الى ملامح المطار, أعتدت أن أركز وأطيل التحديق الى أرض المطار خاصة عند بدء التحليق, انفصال الطائرة عن الأرض, يُقال إنها أخطر اللحظات, وبالنسبة لي تعني الخروج من الحيز الذي أعتدته. لم يبد على ملامحها أي رد فعل أو أي تعبير يدل على اهتمامها بما يجري, لابد أنها اعتادت السفر, أصبح ركوب الطائرة بالنسبة لها أمرا عاديا تماما. كثيرا ما أرقب الذين يركبون الطائرات وبعد استقرارهم في أماكنهم يروحون في نوم عميق, لا يعبأون باهتزازات أو شدة مطبات. بعكس ما جرى عليه حالي, إذ لا يمكن أن يغمض لي جفن خلال هذه الارتفاعات العالية. بمجرد انفصالي عن الأرض والتحليق في الفضاءات العُلى تنتابني حالة من اليقظة مهما طالت المسافة, عند سفري الى الولايات المتحدة منذ أربع سنوات كنت أمر بظروف صحية دقيقة, الطيران من القاهرة الى نيويورك يستغرق اثنتي عشرة ساعة متصلة, ومن نيويورك الى مطار مدينة كليفلاند ساعتين بخلاف أربع ساعات من الانتظار, خلال هذه المدة كلها لم يغمض لي جفن. خاصة رحلة العودة التي تلت اجراء عملية جراحية كبرى وكنت مازلت بعد في مرحلة النقاهة. المركبة الوحيدة التي يمكنني أن أقرأ فيها باستغراق وأغفو أيضا القطار أيا كان نوعه, سريع أو بطيء, فاخر أو عادي. لاتزال جارتي الحسناء تقرأ, عيناها مشدودتان الى سطور الكتاب, الطائرة تواصل صعودها وميلها قليلا الى اليمين أو اليسار تمهيدا لاستقرارها في المجال, اشارة ربط الحزام لاتزال مضاءة. أحاول اختلاس النظر الى سطور الكتاب. ألمح كلمات مصفوفة على هيئة حوار, لابد أنها رواية, ألاحظ خلال أسفاري الى أوروبا تأصل عادة القراءة عند الأجانب وبالذات الفرنسيين, في المترو, في الحافلات, في القطارات, في صالات الانتظار بالمطار, تبدأ عادة القراءة منذ الطفولة, تغرسها لديهم مناهج التعليم في المدارس, وتنمو معهم عبر مراحل العمر المختلفة, وتبدو المكتبات عامرة بالمشترين, بدءا من أولئك الذين يبحثون عن روايات التسلية والمغامرات, الى المنقبين عن أندر الكتب في مجالات المعرفة المختلفة, مازال الكتاب المقروء سيد الموقف رغم ظهور الانترنت والكتب المطبوعة على أقراص مدمجة, أقارن بين أحوال المكتبات في وطننا العربي, والمكتبات عندهم وأتحسر. ولا أذيع سرا إذا قلت إن بعض الادباء العرب الذين ترجمت أعمالهم الى اللغات الأجنبية طبع منها أضعاف المطبوع باللغة العربية. إشارة الضوء تطفأ. أسمع طقطقة فك الأحزمة, جارتي الحسناء تفك الحزام, برشاقة تقوم من مكانها, تتجه الى منتصف الطائرة, تجلس الى مقعد يجاوره ثلاثة مقاعد خالية, لم أعد أر منها إلا ساعدها الممسك بالكتاب. فوجئت بشعور الراحة الذي إنتابني, أصبح المقعد المجاور لي خاليا تماما, أي أنني أجلس الى مقعدين, مكان أفسح وأرحب من مقعد الدرجة الأولى, الغريب أنني لم أشعر بأي ضيق من قيامها السريع وتغيير المقعد, وضعت كتابين بجواري, عادة أحمل في حقيبة يدي على الأقل ثلاثة كتب, خشية أن أفرغ من قراءة كتاب فلا أجد ما أقرأه بقية الرحلة, رغم علمي ويقيني أنني ربما لن أتم قراءة كتاب واحد. الكتب بالنسبة لي خير رفيق ومؤنس كما أنها تثير إطمئناني. عدت أنظر الى ذراعها البادي, ماذا لو أن الحديث اتصل, ثم تبادلنا العناوين وأرقام الهواتف؟ علاقات كثيرة تبدأ من صحبة الطريق, وربما تتغير خلالها مصائر, تذكرت صديق قال لي يوما إن وجود إنسان آخر بالقرب منه يثير إنزعاجه, لما يسببه التكلف في الحديث والمحاورة من مشقة وعبء إضافي, سألته يومئذ.. - حتى لو كانت أنثى جميلة؟ قال لي: حتى لو كانت أنثى جميلة.. رحت أنظر الى المقعد الفارغ, ومزيد من الشعور بالراحة يستقر داخلي, ذلك أنني أفضل الانفراد خلال السفر, بالتحديد في السنوات الأخيرة, منذ أن أصبحت حاجتي الى الرحيل داخلي, الى زمنى المنقضي, الى تلمس اللحظات المندثرة, أكثر من حاجتي الى التواصل مع الآخرين. سألت نفسي, لو أنني في العشرينات, هل كنت سألتزم الصمت عند جلوسها الى جواري, وأطيل التطلع من النافذة, أم كنت سأبادر الى اختلاق موضوعات شتى للحديث, وأبدي الإبتسام واللطف, مهما أصرت على استغراقها وانفرادها بالكتاب؟ لم أستطع أن أحدد جوابا شافيا, لكن ما أعرفه أن الرغبة في التواصل مع الآخرين, خاصة مع الجنس الآخر تتقلص مع التقدم في الرحلة. ربما لكثرة المشاغل وربما للحاجة الى الاستغراق. تذكرت قصة جميلة لجابريل جارثيا ماركيز, عندما كان مسافرا الى نيويورك, وصعدت الى جواره حسناء جميلة جدا, لم تبد اهتماما, بل راحت ترتب أشياءها, وكان هو يرقبها بدقة, في لحظة معينة فتحت حقيبة يدها , وتناولت علبة صغيرة ملونة, أخذت منها حبة دواء, بلعتها بقليل من الماء, ثم أغمضت عينيها, وأسندت رأسها الى المقعد بعد أن أمالته الى الخلف قليلا, وراحت في نوم عميق لم تستيقظ منه إلا بعد عبور المحيط. أربع ساعات ونصف, كلما تذكرت جارتي العابرة أتطلع الى ساعدها البادي, وأدرك أنها لاتزال مستغرقة في القراءة, لم ترفع بصرها من سطور الكتاب, وعندما خرجنا من الطائرة رأيتها تتقدم بسرعة ممسكة بحقيبتها ولم يتبق منها عندي الا تكوين انساني جميل, لحظة أن رفعت الحقيبة الى أعلى واستدارت لتستقر الى جواري بضع دقائق.. جد.. عابرة!