المشهد الثقافي العربي مشهد مأزوم, يعاني من توترات لافتة, ويواجه مشكلات دالة, خصوصاً في هذا الزمن العربي الحاضر الذي يمكن أن نصفه بأنه زمن التحول الذي يجمع بين النقائض والأضداد. وهو زمن يتميز, أولا, بأنه زمن يتمزق بين عصور ماضيه الذي يشده كل عصر إليه, فيحتويها جميعاً في حضوره الآني, جامعاً بين تمثيلات الماضي الزاهر ومحاكيات الماضي المتخلف. ويتميز, ثانيا, بأنه زمن يتقلب تقلبا محموما في علاقاته بأزمنة الآخر الأجنبي المتقدم. أقصد إلى الأزمنة التي تبدأ من عصر النهضة وتصل الى عصر الانترنت, وهي الأزمنة التي ينجذب اليها زمن المشهد الثقافي العربي محيرا بينها. جامعا بين تعارضاتها وتعارضات تمثيلاته التراثية على السواء. والنتيجة هي تحول الزمن الحاضر للمشهد الثقافي العربي الى زمن يجمع بين الأضداد. ويجاور بين النقائض, كما لو كان لا يتقلب بين قرن وقرن أو عصر وعصر على مستوى التعاقب, وإنما يتقلب بينها جميعا على مستوى التزامن الآني, فيبدو كما لو كان لا يفارق توتره بين نقائضه, ولا أزمته بين أضداده الآنية, الأمر الذي ينعكس على ملامحه النوعية التي ترتبط بخصوصيته. ولعل أول ملمح من الملامح النوعية لخصوصية هذا المشهد هو كثرة مفارقاته, سواء تلك التي تنتج عن تجاور الأضداد, أو تلك التي تنتج عن درجة عليا من اتساع المسافة بين الظاهر والباطن, المعلن والممارس, المنطوق والمسكوت عنه. ومن أمثلة الأولى المجاورة الصادمة التي تجمع في وقت واحد, وفي حيز مكاني واحد, بين أقصى منجزات التقدم التقني وأقسى مظاهر التخلف البشري, بين أقصى درجات الثروة وأقسى درجات الفقر, بين أحدث ادوات التقدم الصناعي أو الالكتروني وأبأس تقنيات العمل اليدوي, أو تجمع بين أحدث صرعات موضة في الملبس وأقدم الأزياء في الميراث, تماما كما تجمع هذه المجاورة بين ثمرات أعظم طوفان معلوماتي تضخه تقنية اتصالات العولمة, وأبشع مظاهر عدم الاكتراث بالمعلومات جنبا إلى جنب مظاهر الأمية التي تتزايد معدلاتها, في هذا المشهد الثقافي العربي الذي لم يدخل بعد, الى القرن الحادي والعشرين, ولا أحسبه سيدخل قريبا ما ظل على ما هو عليه. أما المفارقات الناتجة عن اتساع الهوة بين الظاهر والباطن, المعلن والممارس, فما أكثرها في زمن المشهد الثقافي العربي الحاضر. حسبي أن اشير الى مجموعة دالة من النماذج, على سبيل التمثيل العفوي فحسب: تأملوا ـ أولا ـ ما يحدث في الوطن العربي من ارتفاع معدلات انشاء الجامعات وتزايدها, بل تسابق وتنافس الدول العربية الكبيرة والصغيرة في إقامة جامعات اكثر من غيرها. وواقع الحال يقول إن التعليم العالي في الوطن العربي لا يتقدم, وأنه يتقهقر على أكثر من مستوى, سواء في مجال البحث العلمي أو مساحة الحرية الأكاديمية المتاحة للجامعيين, تلك الحرية التي تتناقص يوما بعد يوم مع معدلات الأداء ودرجات استقلال الجامعة, والنتيجة أشكال جامعية بلا مضمون حقيقي, ومبان جميلة المظهر المعماري, لكن غير جميلة في مخبرها العلمي. وتأملوا ـ ثانيا ـ أجهزة الإعلام وأدواته المرئية والمسموعة والمقروءة, حيث شعار الحرية المعلن في التعبير, لكن راقبوا ـ في الوقت نفسه ـ علاقة المنطوق بالمسكوت عنه في هذه الأجهزة والأدوات, وراقبوا الجرأة في نقد الآخرين من الأعداء أو المختلفين أو حتى الغير, وذلك في موازاة اختفاء هذه الجرأة تماما وغيابها في حالات نقد الذات, وسرعان ما تلاحظون, مثلى, أن مساحات المسكوت عنه هي الأكثر, وأن ضغوط المنهى عن قوله تتكاثر, وتهيمن حتى على أقل القليل من المنطوق به في أجهزة الإعلام وأدواته المرئية والمسموعة والمقروءة. واسمعوا ـ ثالثا ـ إلى ما يتحدث به كثير من المسئولين صباح مساء, عن الشورى والديمقراطية والتعددية, بعد أن تحدث بعضهم, من قبل, عن الشعب القائد, والشعب المعلم, وتمعنوا في كل ما يقع بالفعل على مستوى الممارسة من هؤلاء الحكام الذين يفرون من الديمقراطية فرار السليم من الأجرب, ولايترددون في ردع الشعب المعلم والشعب القائد بالأجهزة القمعية والأجهزة الايديولوجية للدول التي يتربعون على عروشها. والهدف المضمر هو ابقاء هذا الشعب على ما تعود عليه من عادات الاتباع الفكري والتبعية السياسية والاقتصادية. ودعونا نتأمل ـ رابعا ـ حواراتنا, نحن المثقفين, خصوصا حين نعلن حق الاختلاف, ونتكلم عن ضرورة احترام المغايرة, ولاحظوا ـ في مرايا الذات ـ سلوكنا الفعلي في لحظات الاختلاف الذي لا نتقبله عادة, مندفعين إلى اقصاء المخالف لنا بأساليب قمعية مباشرة وغير مباشرة, والطريف أنه بقدر ما تعلو اصواتنا معلنة تقبلنا للآخر, ومن ثم إقرارنا حق الاختلاف, تعلو بالقدر نفسه درجة التناقض في سلوكنا العملي واستجاباتنا الفعلية التي تنكر الاختلاف وتسعى الى استئصال المغايرة. وراقبوا ـ أخيرا ـ الحاحنا على ضرورة الانتقال من صيغة المركز والاطراف في علاقات العواصم الثقافية العربية, وتكرارنا لأهمية وجود مراكز عربية متعددة, متكافئة, ينبني كل مركز منها على تعدديته الخاصة, وقارنوا ظاهر الأقوال بواقع الممارسات, تجدوا أن هذه العاصمة أو تلك لاتزال تحلم بالمركز الأوحد المهيمن على مراكز بقية العواصم, وذلك بدعاوي قومية أو دينية أو حتى إقليمية REGIONAL, كما تجدوا أن جميع العواصم الثقافية, بدرجات متفاوتة بالطبع, لا تمارس مبدأ التعددية, وانما تستبدل به, عملا وفعلا, مبدأ تراتب العلاقة بين التيار المهيمن وبقية التيارات التي تتوزع قسراً ما بين الهوامش وأطراف الهوامش. ومن الطبيعي, والأمر كذلك, أن يتمثل ثاني ملامح المشهد الثقافي العربي في أنه مشهد يعكس كيانا غير متجانس. أعنى كياناً متنافر العناصر والمكونات بالقدر الذي يجمع في ملامحه العديد من الازمنة المتعارضة في زمن واحد, أو العديد من التيارات المتناقضة في حيز مكاني واحد يتعامد عليه هذا الزمن المتعارض. ولذلك فهو مشهد يشبه طبقات أرضية, اختلت علاقاتها الجيولوجية على مستوى التعاقب, وذلك بفعل زلزال نتج عنه اختلال تراتب الطبقات الجيولوجية, فحدثت المجاورة بين طبقات متباعدة من حيث عصور التكون وأزمنة النشأة. ويرجع هذا التنافر إلى أسباب عديدة, منها (أولا) مايمكن تسميته بالتطور غير المتكافىء للمجموعات المنتجة للثقافة والمستقبلة لها في كل قطر على حدة, ومنها (ثانيا) التغير غير المتكافىء لثقافات الاقطار العربية, خصوصا في توجه كل منها الى التحديث, وعلاقتها التاريخية به. ومنها (ثالثا) عدم التساوق بين التغير المادي (للتحديث) والتغير الفكري أو المعنوي للحداثة. ومنها (رابعا) ضعف أبنية المجتمعات المدنية في الاقطار العربية, بدرجات متفاوتة الطبع, جنبا إلى جنب الكيانات الرخوة لنماذج الدولة المدنية السائدة بتسلطيتها المألوفة. ومنها (خامسا) ما هو شائع من طبائع الاستبداد في تجلياتها المختلفة التي لاتزال تستند إلى ثقافة الاتباع التي تعادي الابتكار أو الابتداع. ومنها (أخيرا) التباين الحاد في توزيع الثروة على امتداد الأوطان العربية, بين أكثرية لاتجد ما يسد احتياجاتها الإنسانية وأقلية تملك ما لاتنفق, مستندة إلى موروث يحض على طاعة أولى الأمر وعدم الثورة على الحاكم, وإن جار. وليس من الضروري التسليم بترتيب هذه الأسباب كما ذكرتها, إذ يمكن تغيير الترتيب, بل الإضافة الى الاسباب السابقة أو حتى تعديلها, فالأهم ان هناك حزمة من الأسباب المتضافرة, أدت إلى أن يتسم المشهد الثقافي العربي وزمنه النوعي بالتنافر وعدم التجانس.