ربما كان آخر الذاكرين للكاتب الايرلندي الكبير جورج برنارد شو هو الدكتور علي الراعي رحمه الله. فبعد عقود كان فيها شو هو النجم الأكبر فى عالم المسرح والأدب, أفل هذا النجم. ويبدو أنه قد ارتدت عليه بداياته. فلقد بحث شو عن الشهرة ، ولما وجدها صعبة المنال أخذ يلقى الطوب على مقدسات بريطانيا فهاجم شكسبير تلك كبيرة عند البريطانيين الذين رأوا أن شكسبير أغلى لديهم من الامبراطورية. وقد صدق رأيهم, فلقد زالت الامبراطورية ومازال شكسبير أعلى اسم فى عالم الأدب. وعندما كان شو يكتب شيئا كانت الصحف والمجلات تتلقى مقالات قاسية تهاجم هذا المجنون التافه الذى يكتب هذه المقالات. ولم يدركوا أن كاتب هذه المقالات هو نفسه شو الذى كان يرى فى هذه الوسيلة طريقا إلى الشهرة. ولقد تحول شو إلى شخصية تقتحم كل أبواب الصحف. فهو فى صفحة المجتمع لاشتراكه في مناسبة ما, وهو فى صفحة الصحة لأنه يتبع نظاما خاصا قال أنه سيصل به إلى مئة وخمسين عاما, و(بالطبع لم يحدث هذا) , وهو فى صفحات السياسة. فلقد كانت له آراؤه التى تنتقد الاستعمار البريطانى. ولذلك كانت له شعبية كبيرة بين القراء فى مصر, بعد موقفه المشرف من حادثة دنشواى فى مطلع هذا القرن. وهى حادثة مأساوية تدل على جبروت الاستعمار وطغيانه, فلقد خرج بعض الضباط الانجليز لاصطياد الحمام, لكنهم لم يفرقوا بين الحمام والبشر, فطاردهم الفلاحون, ومات أحد الضباط بضربة شمس, فاقيمت محاكمة للفلاحين, ومع بدايتها كانت المشانق قد وضعت فى وسط البلدة, وصدرت أحكام غاية فى القسوة, وكان الانجليز يشنقون المحكوم عليه, ثم يستريحون بجلد آخرين. وهى القضية التى احتضنها مصطفى كامل وتمثل أهم جوانب زعامته. وكان هناك جانب آخر من أسباب شعبية شو هو أن سلامة موسى روج للاشتراكية الفابية التى كان يعتنقها شو. وكان المجتمع المصرى في الأربعينيات والخمسينيات تواقا للتعرف على النظريات الاشتراكية. والفابية أخذت اسمها من القائد الرومانى فابيوس الذى رأى أنه أقل قوة من عدوه. ولذلك رفض أن يدخل معه فى معركة حاسمة, وأخذ يخوض ضده معارك صغيرة يحرص كل الحرص على أن ينتصر فيها. والاشتراكية الفابية كانت لذلك حريصة على تحقيق أهدافها خطوة بعد خطوة عكس الدعاوى العنيفة التى بدأت من الماركسية إلى العنصرية إلى اللينينية إلى التروتسكية إلى الستالينية. وهكذا كسب جورج برنارد شو شهرة فى كل المجالات, وتحول حتى إلى شخصية مثل جحا. فلا تخلو مجلة من فكاهة تنسب إليه. وكما نشك أن كل هذه الفكاهات حدثت لجحا, نشك أنها حدثت لبرناردشو. من طرائف شو أن كاتبا ناشئا قال له أن لديه رغبة فى الكتابة, لكنه لا يعرف كيف يكتب, فقال له أن المسألة غاية فى البساطة. أولا اشتر كماً من الأوراق البيضاء, ثم آلة طابعة, فكتاب الغرب نادرا مايكتبون بالقلم مثلنا, ثم يقول شو ابدأ الكتابة! طبعا فى القصة سخرية واضحة بالكاتب الناشئ, وقد يكون فيها أيضا سخرية من الكتابة التى لا تحتاج الا إلى ورق وآلة كاتبة. وهذا بالضبط نقيض ماقاله تشيكوف عن الكتابة من أنها شمس ساخنة تحتل عقل الكاتب فلا يعرف النوم ولا الراحة. فالكتابة هى المهنة الوحيدة التى تسكن صاحبها نهاره وليله فكثيرا ماتكون الأفكار الوحيدة نتاج الأحلام. وقد سألنى أحد الكتاب عما أفعل إذا جاءتنى فكرة وأنا نائم؟ ولم أجد جوابا, فقال لى أنه أعد مصباحا بجوار السرير, وبمجرد أن تأتيه الفكرة يستيقظ ويسجلها ثم يعود إلى النوم, ولكى لا تقف فى طريقه أية عقبة غير متوقعة جهز أيضا علبة ثقاب وشمعة, فى حالة انقطاع التيار الكهربائي. ولقد أعجبتنى الفكرة, وذات ليلة وأنا بين اليقظة والنوم اتتنى فكرة رأيت أنها تستحق التسجيل, فقمت وأنرت المصباح بجوارى. وتكلمت زوجتى وهى نائمة فلقد ضايقها النور ولاشك, وبحثت عن ورقة وقلم فلم أجد وبيتنا ينافس أى قرطاسية فى عدد الأقلام, لكنها كلها موجودة فى مكان واحد, هو غرفة المكتب. وذهبت لآتى بقلم من هناك, ولكننى رأيت أن الأنسب هو ان اكتب الفكرة وأنا فى غرفة المكتب, ورأيت أن بقاء النور مضاء فى غرفة النوم يضايق زوجتى, فتسللت لاطفائه, وماكدت أفعل حتى هبت من النوم مستيقظة, لتسألنى عما بي؟ وقلت لا أنه ليس بى شئ وعدت إلى المكتب. فأتت خلفى لتعاود سؤالى. وأكدت لها أننى فى خير حال, لكن تأكيدى لم يطمئنها نقلت لها أن الأمر أبسط مما تتوهم وأنه قد جاءتنى فكرة أردت أن أسجلها قبل أن أنسى. فقالت مندهشة: كيف تأتيك الفكرة وأنت نائم؟! فقلت لها أننى بين النوم واليقظة. وماهى هذه الفكرة؟ وطارت الفكرة ياعزيزى, بحثت عنها فلم أجدها, اختفت من رأسى تماما, وبدوت فى غاية الحرج, فقلت لها بحزم أننى سأقول لها كل شئ فى الصباح. وحتى الصباح لم أجد فكرة تستحق أن أقفز من فراشى فى الخامسة صباحا لأسجلها. ولقد عرفت عن قرب عددا كبيرا من الكتاب, وحاولت أن أعرف دائما كيف يكتبون, أقصد أين ومتى وكيف؟ خاصة أن بعض الكتاب كانوا يكتبون بطريقة غريبة, فالشاعر الكبير أحمد شوقى كان يكتب قصائده فى أول مقعد فى دار السينما وعلى أى ورقة يجدها حتى لو كانت بطاقة السينما. والشاعر الكبير أحمد رامى كان يكتب قصائده على رواية محمد عبدالوهاب وهو راقد تحت السرير. وبمناسبة السرير أعرف أن الكاتب الروائى اسماعيل فهد اسماعيل يرقد على سريره وأمامه أوراقه, ويكتب روايته الرائعة. وبعض الكتاب سر مغلق فى عملية الكتابة ومن هؤلاء عبدالرحمن الشرقاوي الذى لم يعرف أحد خصوصيات طريقته فى الكتابة. ولكن معظم الكتاب كانت لهم أساليبهم الخاصة. وأظن أن لا أحد يعرف أن الفريد فرج يكتب فى مسرحيته من حيث يحب, فقد يكتب الفصل الثانى ثم الأول ثم الأخير. الترتيب في رأسه, أما مايستهويه فيكتبه. وعندما تنتهى المسرحية تكون فى كراسة, فيبدأ ينقلها إلى كراسة ثانية, وبالطبع يغير جملة هنا, وكلمة هناك. ثم ينقلها إلى كراسة ثالثة. وهكذا حتى يستنفد مالديه من تعديل, فتكون هذه هى النسخة النهائية. وبعض الكتاب يسعدهم جدا ماكتبوا فيبحثون عمن يقرأوا عليه هذه الأعمال, ومن أشهر هؤلاء علي سالم فعندما كان يكتب مسرحية يحملها تحت أبطه ويدور بها فى شوارع القاهرة حتى يجد من يجلس معه فى بيته أو فى أحد المقاهى. وكان فى ذلك مثل محمد علي ماهر الذى كان عمدة الكتابة الدرامية الدينية, فكان يقرأ ماكتب ويمثله لقارئه أفضل من أى ممثل, وكان محبا لقراءة أعماله إلى حد أنه قيل عنه أنه لو كف عن ذلك لترك أضعاف ماتركه من أعمال. وكان صلاح أبوسيف الذى كان أيضا كاتب سيناريو إلى جانب أنه مخرج بارز جدا يكتب سيناريوهاته على الهواء, فعندما تقابله وتسأله عن أخباره, لا يقول لك: الحمدلله. كما نقول نحن بل يقول لك أن لديه فيلما جديدا والمشهد الأول فيه كذا والثانى كذا, ويتابع وهو يحكى انفعالاتك فإذا شردت اعتبر المشهد فاتراً. ويظل يعدل على جمهوره. وهناك الأدباء القادرون على الإملاء وبالطبع كان إمامهم طه حسين. ومنهم عبدالرحمن الخميسى الذى كان يتحول إلى زعيم يسير جيئة وذهابا وهو يملى. ومنهم يحيى حقى الذى كان يختار الالفاظ مثل الجواهرجى. ومنهم الكاتب الصحفى صبرى أبوالمجد الذى اختار أحد زملائه ليملى عليه. فلما خرج إلى التقاعد, طلب الزميل برئاسة التحرير بدلا منه, ودلل على كفاءته بأنه كتب كل مقالات صبرى أبوالمجد, وقدم أصولها فعلا بخطه. ولسوء حظ الزميل أنه لم يكن يملك أية موهبة فلم يصدقه أحد. كل هذه الأفكار دارت فى ذهنى عندما سألني الكاتب الناشئ: كيف أكتب؟ وفكرت أن استعير قصة برنارد شو, وأقول له أشتر أوراقا وقلما, لكننى ترددت فى تكرار القصة, وفكرت فى أن أنصحه مخلصا بالبحث عن مهنة أخرى, وخشيت أن أقضى على موهبة وتهربت من الفخ وسألته: قل لى أنت كيف تكتب؟ وظل يتحدث حتى انتصف الليل!