هي ساعة زمن فقط لا غير تهيئها الأمم المتحدة ـ كتر الله خيرها وعمر ميزانيتها المجدبة في معظم الأحيان ـ لكي يؤدي فيها موظفوها المسلمون فريضة الجمعة من ظهر كل أسبوع. وأيا كانت مواقيت الإمامة بين الصيف والشتاء فالموعد ـ يامولانا ـ محدود مضبوط ويقع باستمرار بين الواحدة والثانية بعد الظهر. والشعائر تقام في نادي الموظفين الترفيهي ولك أن تتصور الوجه الطيب المضيء الوقور لقاعة النادي وهي تستضيف نفرا من مسلمي هذا العالم.. حيث يرفع أذان وتلقى خطبة بالإنجليزية في معظمها وتؤدى الركعتان وتتلى آيات طيبات من القرآن.. ويعلم الله كم تظل القاعة إياها تشهد بخلاف ذلك من ساعات الزمان لهوا وعبثا ومعاقرة وربك في كل حال حليم ستار. ها أنت ترتب أمورك منذ صباح الجمعة وتحسن برمجة الوقت كي يتاح لك الوصول إلى المكان في لحظة مبكرة أي بعيد حلول الساعة الواحدة فأنت بهذا محظوظ.. سوف تجلس في مكان مقبول من حيث الراحة والمساحة وقد تسند الظهر المهيض بفعل الزمن إلى واحد من الأعمدة القائمة وهو حتى لا ننسى عمود خرساني من تلك التي يقوم عليها هيكل المبنى الدولي الذي تبرع به آل روكفلر عميد أثرياء نيويورك منذ عقد الأربعينيات وتدفع عنه الأمم المتحدة إيجارا مهولا مقداره دولار واحد فقط لا غير في السنة! تذهب إلى المسجد المرحلي مبكرا فتسمع شيئا من ترتيل الحصري أو عبدالباسط.. ثم تتطلع الى الصف الأول من المصلين لحظة وجود الدكتور (إياد) فلسوف تسعد في أذان الظهر باداء محكم وجميل حسب أصول الفن والصنعة. إن الأخ (إياد) صديق من العراق يحمل دكتوراه في هندسة النقل من المانيا, وهو خبير لدى الأمم المتحدة وقد تخصص مؤخرا في موضوع العلاقة الثلاثية بين قضايا البيئة والتلوث والقطاع الخاص وهو يتمتع بصوت جميل وكم أسعدنا في مجالس إخوانية خاصة بحسن تجويده لآي القرآن, ناهيك عن ادائه المتقن لكلاسيكيات عبدالوهاب.. فإن غاب المهندس العراقي الفنان وهو كثير المهام التي يوفدونه اليها في قارات الدنيا.. فلا أقل من أن تسمع الأذان الشرعي يؤديه في تهجّد وخشوع رجل طيب لا نتذكر اسمه وقت كتابة سطورنا, ولكن نتذكر وجهه سمحا مطمئنا دائم الابتسام وفي لغته العربية شئ محبّب من اللكنة.. ولا عجب فهو من أهل الاسكندرونة, اللواء السليب في شمال سوريا الذي منحه الحلفاء عنْوة وغصبا الى تركيا فكان أن مارست فيه أنقرة ضروب التتريك والتغريب, فيما لايزال صاحبنا معتزا بأصوله العربية الضاربة في عمق الزمان وثمة مكافأة اضافية تنالها اذا ما بكّرت الى مكان العبادة.. تجلس قرب الباب.. تطالع وجوه القادمين الى الصلاة.. تدرك بيقين وعن تجربة مباشرة المعنى الجليل لما نسميه (عالمية الاسلام) .. تطالع وجوها وسحنا من ألوان شتى الأصفر الآسيوي والأسمر الافريقي والحنطي العربي والشرق أوسطي والأبيض التركي والبلقاني.. ومنهم من يأتي يوم الجمعة متخففا من قيود اللباس الأوروبي ومرتديا زيه الوطني حيث يتألق المكان بألوان الطيف وخاصة في لباس اخوتنا الافريقيين.. يجلس المصلون في صفوف تضم الكبار وغير الكبار السفراء والكبراء والخبراء والخفراء.. لايدري المرء لم يلحّ عليه في مثل هذه اللحظات معنى الزهد والبساطة والمساواة الذي عبر عنه يوما ابن عروس (الشاعر الشعبي المصري) في زجل قال فيه: كِسرة من الزاد تكفيك وتبقي نفسك عفيفة وبكرة العمر يطويك وتنام في جنب الخليفة وكما أسلفت لك, فالخطبة تلقى بالانجليزية وهي لغة التخاطب بين الجميع المختلف الألوان والثقافات واللغات والأقطار.. هي (لنجوا فرانكا) وسيلة الخطاب العام كما قد تقول.. طبعا يسبقها استهلال الخطبة بالحمد والصلاة على الرسول بالعربية, ثم بلغتنا الشريفة أيضا تختم الخطبة بالأدعية التقليدية التي لاشك يعرف معانيها غير المتكلمين بالعربية إذ هم يرددون زرافات آمين. ولقد طلبوا من العبد الفقير المشاركة في خطبة الجمعة - ولا يخفى عليك اننا من محبي الكلام ولا نكاد نترك فرصة تسنح إلا وندلي بدلونا - كما يقولون في الشئون والشجون على السواء. وكم استخفنا طرب السعادة حين كلفنا بالكلام يوم الجمعة ولكن هيهات.. لقد اقتضى الأمر ساعات طوالا ندون فيها ترجمات القرآن الكريم والحديث الشريف بالانجليزية, ثم اقتضى أيضا وقتا ليس بالهين في الاعداد والتجهيز من أجل خطبة تدور حول معنى واحد اخترناه يومها ومحوره يقول على وجه التحديد: (ويتفكرون في خلق السموات والأرض.. ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) . ولهم اللهم خطباؤنا الذين يتصدون لهذه المهمة الصعبة بالانجليزية.. إن هي إلا خطبة أو اثنتان حتى قدمنا من جانبنا الأعذار وسقنا التعليلاّت كي نعفى من هذا العبء الثقيل, وعدنا بحمده تعالى الى صفوف المصلين نستمع الى خطباء عديدين في مقدمتهم العم (نسيم) وهو داعية هندي مثقف وفصيح لايفتأ يذكرّنا نحن العرب بالذات بما يغبطنا عليه شخصيا من معرفتنا بلغة القرآن الكريم وتفسيره وفهمه بشكل مباشر وكأنه يقول أنتم العرب تملكون المفتاح الذهبي الى كنوز الفكر والتفسير والاجتهاد المكتوبة بلغتكم القومية فاحمدوا الله كثيرا على نعمائه. بيد أن العم (نسيم) وقد بلغ من العمر عتيا شغوف بتوجيه الملام في كل خطبة يلقيها الى جموع المصلين حين يذكرهم بمسئولياتهم التي تخلوا عنها - أو هكذا يتصور - تجاه تربية الناشئة ولاسيما الأجيال الجديدة التي ولدت وشبت ونشأت في المهجر الأمريكي بكل تقاليده وأعرافه التي يتعارض بعضها مع تقاليد الاسلام وأعرافه.. وحين يتطرق العم (نسيم) الى دور الأم في التربية.. يعرف المصلون مقدما - والمصريون منهم خاصة - بأنهم على وشك سماع معزوفة (نسيم) المتكررة وهي القصة - العبرة التي يقول الخطيب الهندي بحسن نية أنها معروفة في مصر (ينطقها في طرافة هندية (مسر) ) ومؤداها كما يقول ان شابا حكموا عليه بالاعدام وكان آخر مطالبه أن تزوره أمه وحين جاءت السيدة اقترب منها كأنما يلثم فمها فاذا به يعضّ لسانها فيدميه..(!!) وعندما سألوه عن السبب قال: لأنها وفّرت هذا اللسان فلم تستخدمه كي تردعني عما أقدمت عليه من سوء السلوك.. ياسلام! ويسرد العم نسيم قصته المفضلة ولايمل من تكرارها بين خطبة جمعة وأخرى.. ولم يجرؤ أحد أن يخبره يوما بأن قصته هذه لم تحدث في (مسر) فلا أحد يعرفها من الأخوة المِسْريين.