تستعد دول وجمعيات ادبية كثيرة في العالم, للاحتفال بمرور تسعين عاما على رحيل الكاتب الروسي الكبير (تولستوي) وهي في ذلك انما تمجد ذلك الابداع الذي مازال قادرا على اثارة السؤال, وخلق الفرح الانساني. حين يتعرض المرء بالكتابة عن شخصية مثل شخصية (تولستوي) ، يجد نفسه في حيرة, من اين يبدأ, وما الذي يتناوله؟ فتولستوي كاتب واديب وفنان وفيلسوف ومفكر ومصلح ومعلم تربوي, ترك بصماته في مختلف اوجه النشاط الانساني, لافي روسيا وحدها, بل تعداها بتأثيره الى دول العالم الاخرى شرقا وغربا. وقد عاش (تولستوي) حياة حافلة بالكتابة والصراع مع نفسه وفكره, حياة واكبتها مواجهة الظلم ومحاربة الظلام, فاصبح اسطورة في حياته, سطرت بمداد الخير والحب والتسامح بين الناس كافة وقد بلغت المؤلفات التي كتبت عن (تولستوي) قرابة ثلاثة وعشرين الف كتاب, وبلغ عدد المجلات والصحف التي تحدثت عنه, وعن آرائه وافكاره قرابة ستة وخمسين الف مجلة وصحيفة يومية. اما التراث الذي خلفه, فهو يملأ مئة مجلد. ولد (تولستوي) سنة 1828 م, في قصر مؤلف من اثنتين واربعين غرفة, يحيط به الثراء من كل جانب, فنشأ وترعرع في جو الارستقراطية الروسية القديمة. الا انه في اواخر حياته, وزع كل اراضيه وممتلكاته, وفي عربة من عربات الدرجة الثالثة بالقطار, حيث كان يحاول الهرب من العالم المحيط به, اصيب بنوبة رئوية, حيث توفي, في نفس المكان الذي حدده بنفسه, وسط اشجار غابة ضيعته (ياسينا باليانا) وقد اثار ذلك العالم كله, حتى ان امير الشعراء (احمد شوقي) رثاه بقصيدة طويلة مطلعها: (تولستوي تجري آية العلم دمعها. عليك ويبكي يائس وفقير ويندب فلاحون انت منارهم وانت سراج غيبوه منير عاش (تولستوي) ثلاثة وثمانين عاما, قضى منها خمسين عاما في الكتابة, فكتب مئة واربعة وسبعين مؤلفا, من بينها (الحرب والسلام ـ آنا كرنينا ـ البعث ـ ثلاثية الطفولة والشباب) , ومنها مسرحياته ايضا مثل: (اول من صنع الخمر ـ سلطان الظلام ـ جثة حية المستنيرون ـ الضوء يسطع في الظلام) . ويمكن تقسيم حياته الطويلة الى اربع مراحل: حيث يقول تحت عنوان ذكريات: (حين اتذكر حياتي كلها, اي اتمعن فيها من وجهة نظر ما فعلت من خير وشر, فاني اجد ان حياتي الطويلة كلها تنقسم الى اربع فترات: الفترة الاولى الرائعة, وهي فترة الطفولة حتى سن الرابعة عشرة, فترة البراءة والسرور, الحبور والشاعرية, وتعقبها فترة فظيعة استمرت عشرين عاما, سادها الاستهتار والفساد الفاضح, والانكباب على حب الشهرة والغرور, والاهم, الانكباب على الشهوات, ثم تجيء الفترة الثالثة, وتستمر ثمانية عشر عاما, ابتداء من زواجي, وحتى مولدي الروحي, وهي الفترة التي يمكن تسميتها من وجهة النظر الدنيوية, بالفترة الاخلاقية, ذلك لأنني عشت هذه الفترة, حياة مستقيمة شريفة, واخيرا الفترة الرابعة وتهتد عشرين عاما, وهي الفترة التي اعيشها الان, وامل ان اموت فيها, والتي لا اتمنى ان اغير فيها شيئا سوى عادات الشر التي اكتسبتها خلال فترات حياتي السابقة. لقد ارتبطت طفولة (تولستوي) بالحبور والشاعرية, وكان الحبور وليد نشأته في ضيعة مترامية الاطراف, كثيفة الغابات, اما الشاعرية فجاءت نتاجا لهذا الجمال, وقراءته للكتب الكثيرة التي ازجى الخيال الشرقي هذه الشاعرية, وبخاصة تأثير (الف ليلة وليلة) في نفس (تولستوي) . ولكن سرعان ما تنتهي هذه الفترة ليجد نفسه في مواجهة الحياة, ويبدأ (تولستوي) كفاحه من اجل تغيير الواقع المحيط بالانسان, فهو يرى ان الانسان هو المثل الاعلى للتناسق والحقيقة للجمال والخير, ولذا لا ينبغي ان يكون عبدا او خادما. ومن هنا تبدأ اللبنة الاساسية, فيفتح مدرسة لابناء الفلاحين, حيث المناهج مختلفة, فواجب المدرسة (ان تعلم الاطفال الملاحظة والتعميم) كما يقول: ولم يكتف بالعمل التطبيقي, بل اصدر مجلة تربوية, يهتدي بها القائمون على شئون التعليم. ولكن المشكلة اكبر من المدرسة والتلاميذ, انها في قانون القنانة, وما صاحبه من ابشع مظاهر الاحتقار والذل, لدرجة افقدت الانسان آدميته, حيث كان المزارع وفقا لهذا القانون مرتبطا بأرض المالك, يباع معها, ويشتري معها. ولذا حاول (تولستوي) ابن الطبقة الاقطاعية, ان يكون مثالا يحتذى في تحرير المزارع بعرضه, ان يكون لكل فلاح الحرية في قبول او رفض العمل في ارض الملاك. وهنا انتبه المالكون, ومن ثم السلطات الى الخطر الداهم, فقامت بتفتيش ضيعته ومدرسته, لتبدأ مرحلة المواجهة بينه وبين النظام هذه المرحلة ستكون النواة, لما قرره فيما بعد, حيث سيتعمق الاحساس بالظلم. ويستنتج (تولستوي) من نظرته الى الحياة, ان حياته لن تكون ذات معنى وقيمة, الا اذا ارتبطت بالمعاني السامية والابدية فينظر الى المسيحية, فيجد انها في حاجة الى غربلة الشوائب التي علقت بها, فينبغي حذف الكثير مما جاء بها من شكليات واساطير تحجب جوهر العقيدة, فالمهم بالنسبة للانسان, هو استخلاص جوهر وروح المسيحية الحقة, المتمثلة في الوداعة, ووحدة الناس في الحب, ووحدتهم في الرب. ويقدم (تولستوي) مسيحيته المطهرة, مجملا تعليمها في انجيله الجديد, بعد حذف كل ما كان يرى فيه حائلا امام الوصول الى جوهر وروح التعاليم الدينية, ويستهدف انجيل (تولستوي) تخليص البشر من كل الشرور, سواء الشخصية منها, او الاجتماعية, وجمع كلمة البشر على اساس من روح التسامح والحب والاخاء. وفي اطار هذه المعاني, ينبغي على الناس العمل على تحقيق حياة سليمة وبالطرق السليمة, ومن هنا كان رفضه للعنف, لأن العنف لا يولد الا العنف. ويبدأ التطبيق العملي لفلسفته, حيث يعود الى حياة الفطرة, فيتنازل عن كل ممتلكاته, ويوزعها على جميع افراد اسرته, ثم يزاول العمل اليدوي, فكان يقطع الحطب لاحتياجات البيت, ويحمل الماء من البئر, ويقوم بصنع الاحذية, كما اقلع عن شرب الخمر والتدخين وامتنع عن الصيد واكل اللحم, وظل نباتيا حتى مماته. ولا شك ان الكثيرين كانوا يلومون (تولستوي) لأنه لم يوزع ثروته وضياعه على الناس, الامرالذي اوجد تناقضا بين ما يدعو اليه, وبين الواقع, ولكنه كان يرى ان توزيع ممتلكاته وضياعه على الناس, ليس سوى عمل عدائي من جانبه تجاه اسرته, مما يتعارض مع روح الاستسلام الروحي والتسامح الذي كان يمجدها. ولقد اثرت هذه الآراء على ابداعه, فقد كتب مسرحياته كلها في هذه الفترة التي اسماها المولد الروحي, حيث رأى ان الفنون لا ينبغي ان تخاطب عقول فئة محدودة من فئات المجتمع وترضي اذواقها, فرسالة الادب والفنون الحقيقية, هي التعامل مع الجماهير ولذا يجب ان تكون في متناول فهم القاعدة العريضة, فالعمل الادبي لا يعد عملا رائعا الا اذا كان مفهوما للفلاح ويسلب لبه. ومن هنا نرى تلك النوازع في مسرحه, ونرى تعاليمه, حيث يجعل البطل المسرحي يوزع ممتلكاته على الفلاحين, تاركا لنفسه ما يكنيه, كما تظهر في مسرحياته عذابه وعجزه عن التضحية, وبذلك كان يصور ما يريده, فظلت الشخصية المسرحية عنده مسطحة تحمل رأي الكاتب, دون ان يكون له اي دور او وجود. ولكن من يقرأ (تولستوي) الروائي, والذي انتج اعماله قبل هذه الفترة, يشعر انه امام روائي عظيم, وان رواية (الحرب والسلام) مع انها رواية تاريخية تصور المقاومة التي ابداها الشعب الروسي تجاه الغزاة, ولكنه في الوقت ذاته ليست تاريخا, بل فنا يصور الواقع من خلال رؤية الكاتب, وسيرى القارئ ان في الرواية ما يزيد على خمسمئة شخصية, جميعهم كانوا مميزين, ينبضون بالحياة, ويعيشون حياتهم بتأثير انفعالاتهم, وصراعاتهم الداخلية, ويحتفظون بخواص ذهنية وفكرية واضحة. ولا يعني ذلك الا نقرأ مسرح (تولستوي) لأن هذا مازال كثيرا من ألف الفن, ولكن يعني ان روايات (تولستوي) قد استطاعت ان تكون الابرز في حياته الابداعية, وانها استطاعت ان تصور المجتمع الروسي وآماله وقلقه, ضمن آفاق الفن, الذي يمنح الفرح وآفاق المعرفة. بعد تسعين عاما على رحيل الكاتب العظيم (تولستوي) ماذا نقول: هل نقول بأننا بحاجة الى ابداع يحمل المسئولية, وإلى من يمتلكون الشجاعة في مواجهة الحياة؟ ذلك هو الابداع الحقيقي الذي لا ينفصل فيه الداخل عن السلوك. بقلم: محمد سطام الفهد