بعدما استتب الأمر للفاطميين في شمال افريقيا. وصار ملكهم يمتد من حدود مصر شرقا حتى ساحل المحيط الأطلنطي غربا.. كان نظر الخلفاء الفاطميون على مصر, وتمنوا أن تدخل في حوزتهم وتندرج تحت سلطانهم لما تتمتع به مكانتها الممتازة في العالم الاسلامي. فحاولوا غزوها في عهد (القائم بأمر الله)، سنة 324 هـ. ولكن قوة (محمد الإخشيد) - حاكم مصر وقتها ـ حالت دون ذلك وظلوا يتربصون دائما بمصر, حتى واتتهم الفرصة, عندما أصاب الوهن ملك بني الإخشيد.. وتولى أ مر مصر منهم ضعاف الملوك.. عندئذ اقتنص (المعز لدين الله) رابع الخلفاء الفاطميين فرصته فأرسل جيشه ليحتل مصر سنة 358 هـ وعلى رأس هذا الجيش قائده الأول جوهر الصقلي. وبعدما دخل الفاطميون مصر, كان في مقدمة اهتماماتهم اتخاذ قاعدة جديدة للحكم تحمل طابعهم وتتميز عما سبقها, لذا حرص جوهر الصقلي ليلة وصوله الفسطاط في 17 شعبان سنة 358 هـ على تنفيذ خطط (المعز لدين الله) كما هي.. وبداية ما قرره (جوهر الصقلي) هو تغيير اسم الفسطاط عاصمة مصر ومن هنا جاءت تسمية (القاهرة) كعاصمة جديدة.. ولهذه التسمية كثير من القصص التي يقع أغلبها في حيز الطرافة وربما الخرافة.. فمن هذه القصص أن (جوهر) خطط للمدينة الجديدة وأحاطها بسياج من الأعمدة الخشبية, وأوصلها جميعا بالحبال التي تتدلى منها الأجراس التي يمكنها أن تدق جميعا في وقت واحد عندما تعطي الاشارة بذلك, لكي تكون إيذانا بوضع الأساس. وقد ترقبوا مرور كوكب حسن الطالع في سماء المدينة الجديدة, ليوضع الأساس عند اشراقة, تفاؤلا بمستقبل قادم, ولكن حدثت مفاجأة إذ حط فوق أحد الحبال غراب أسود كبير فدقت الأجراس جميعا فوضع العمال الأساس وفقا للتعليمات المعطاة.. وصادف أن ظهر في تلك اللحظة كوكب المريخ قاهر الفلك كما كانوا يطلقون عليه فلما رفع الأمر للخليفة المعز عند قدومه الى مصر في رمضان سنة 362 وكان عالما في التنجيم وافق على نسبة المدينة الجديدة الى كوكب القاهر وأضيف اليه اسم المعز فصارت تعرف باسم (قاهرة المعز) . سور القاهرة ولم يكن عجيبا أن يبدأ جوهر الصقلي ببناء سور حول القاهرة, إذ كان المقصود بالمدن في العصور الوسطى أن تكون قلاعا حصينة يحتمي وراءها السكان ضد الغزاة الفاتحين, ونواة الأبنية في تلك المدن قصور الخلفاء والوزراء وملحقاتها من دور الحكومة, والدواوين ثم المساجد وأماكن العبادة وغيرها وهذا ما جعل المقريزي مثلا يذكر أن بناء القاهرة إنما قصد به أن تكون: منزل سكن للخليفة وحرمه وجنده وخواصه, ومعقل قتال يتحصن به, ويلجأ إليه. وقد شغلت القاهرة أول الأمر مساحة 340 فدانا على شكل مربع وكانت تمتد من منارة جامع الحاكم شمالا حتى (باب زويلة) جنوبا وأحاطها جوهر الصقلي بسور من الطوب اللبني. ويضيف المقريزي هذا السور وبقاياه فيقول: وقد أدركت من هذا السور ـ أوائل القرن التاسع الهجري ـ قطعا وآخر ما رأيت منه قطعة كبيرة كانت فيما بين باب البرقية ودرب بطوط, هدمها شخص من الناس سنة 803 هـ فشاهدت كبر لبنها ما يتعجب منه في زماننا حتى أن اللبنة تكون قدر ذراع في ثلثي ذراع وعرض جدار السور عدة أذرع, يسع أن يمر به فارسان, وكان بعيدا عن السور الحجري وبينهما نحو 50 ذراعا.. ولم يبق من هذا السور اللبني شئ. أبواب القاهرة وفي هذا السور العظيم بنيت ثمانية أبواب هي: (باب زويلة) و(باب الفرج) في الجنوب (وباب الفتوح) و(باب النصر) في الشمال, و(باب القراطين) و (باب البرقية) في الشرق, و(باب سعادة) و(باب القنطرة) في الغرب, والأخير سمي هكذا لأن جوهر بناه تجاه خليج القنطرة. وقد جدد هذا السور (بدر الجمالي) وزير (المستنصر) سنة 480 هـ ولا تزال منه ثلاثة أبواب رئيسية باقية حتى اليوم, وهي (باب النصر) و(باب الفتوح) و(باب زويلة) وقد بنيت في أماكن قريبة من أبواب (جوهر الصقلي) وبنيت من الأحجار الضخمة التي يرجح أنها من الأهرام العديدة التي هدمت من أجل هذا الغرض.. هذا بالاضافة الى (باب التوفيق) الذي تم اكتشافه صدفة في منتصف هذا القرن. العجائب الثلاث وتكون أبواب النصر والفتوح وزويلة قطع من أعظم التحصينات الحربية في الاسلام, ولا يوجد لهذه الأبواب مثيل على الاطلاق ولا للسور أو القلاع التي تعلوه.. وقد بلغت أعمال البناء فيها درجة من الكمال لم تصل اليها أعمال البناء مرة أخرى في مصر, ولقد أثارت هذه الأبواب إعجاب رحالة القرن الثامن عشر الأوروبيين الذين سجلوا إعجابهم بها في مختلف كتبهم عن الرحلات. وقد بنيت هذه الأبواب الثلاثة في موضعها الحالي بأمر (بدر الجمالي) بدل الأبواب القديمة في المدة ما بين ,480 485 هـ وقام ببنائها ثلاثة أخوة وفدوا على مصر من مدينة أذاسا (بأرمينيا) وقام كل واحد منهم ببناء باب من الثلاثة. باب النصر وبني (باب النصر) سنة 480 هـ ويتكون من برجين مربعين نقش عليهما في الحجر أشكال تمثل بعض آلات الحرب من سيوف وترو س, ويتوسط البرجين باب شاهق, وجدت به فتحة من أعلاه كي تصب منها المواد الكاوية على من يحاول اقتحام الباب.. يطلق عليها سقاطة.. ويعلو هذه الفتحة إفريز يحيط بالفلعتين.. وبالباب كتابات كوفية تضمنت, اسم المنشئ وتاريخ الانشاء وفوق ذلك إفريز آخر.. والباب الموصل للداخل حديث العهد, وربما كان فتحه في عهد الاحتلال الفرنسي لمصر, أما الباب الأصلي فإنه في الركن القبلي الشرقي, وهو الآن مسدود بالبناء. والسلم الموصل الى أعلى مبنى بالحجر.. وقد عقد بشكل يعد الأول من نوعه في العمارة الاسلامية بمصر, وهو يوصل الى أبراج والى حجرات اشتملت على أهم وأحسن مجموعة من العقود المبنية بالحجر معقود بصناعة فريدة. باب الفتوح وباب الفتوح بني سنة 480 هـ وكان موضعه عندما أسسه (جوهر الصقلي) قريبا من رأس حارة بين السيارج فلما جدد (بدر الحمالي) سور القاهرة, أنشأ بابي (النصر) و (الفتوح) في موضعهما الحاليين.. وربطهما بسور يوصل بينهما بطرق وسراديب على ظهر السور, وفي جوفه, بإحكام وعقود متنوعة. ويتكون هذا الباب من برجين مستديرين يتوسطهما المدخل وفي جانبي البرجين طاقتان كبيرتان تدور حول فتحتيهما حلية مكونة من أسطوانات صغيرة, وهو نوع من الزخارف راج فيما بعد في تحلية دوائر العقود. وفي أعلى المدخل (كوابيل) على هيئة كبش بقرنين.. وهذا النموذج لا نظير له في العمارة الاسلامية. ويتصل (باب النصر) بباب الفتوح بطريقين: أحدهما من فوق السور والآخر من تحته, وهو ممر معقود على جانبيه (المزاغل) والحجرات المعقودة بحالة متقنة, تعطي فكرة جيدة عن نظام الحصون المصرية في ذلك العصر. باب زويلة كان موضع (باب زويلة) عندما أسس جوهر الصقلي مدينة القاهرة عند باب (سام بن نوح) وسيل العقادين, القائم على رأس حارة الروم, ثم بناه في مكانه الحالي (بدر الجمالي) سنة 484 هـ. وباب زويله مثل باب الفتوح, يتركب من بوابة عظيمة, معقودة عرضها 82.4 أمتار, على جانبيها برجان عظيمان ذوا واجهتين مستديرتين مصممتين لنحو ثلثي ارتفاعهما.. ويشغل الثلث الأخير في كل من البرجين حجرة تشرف على مدخل البوابة, ويدخل الواحد من البوابة الى ممر مغطى بقبة منخفضة مبنية على مثلثات طرية, تحمل الممر العلوي الذي يصل القلعتين ببعضهما البعض من مؤخرتيهما وفوق هذا الممر ممر آخر تتوجه شرفات. ويوجد في أعلى واجهتي البرجين ثلاثة (مزاغل) وهي مسدودة, ولكن لا يزال من الممكن رؤيتهما رغم ذلك, وترى أيضا دوائر, وهم أطراف الأعمدة كما هو الحال في بابي النصر والفتوح. ولما شرع الملك المؤيد أبوالنصر شيح المحمودي في بناء مسجده المجاور للباب من 818 الى 823 هـ انتهز مهندسه فرصة وجود برجي باب زويلة, تهدم أعلاهما وأقام مئذنتي المسجد عليهما. ويتضح في الأبواب الثلاثة (النصر) (الفتوح) (زويلة) وحدة البناء المعماري وتأثره بالفن (الأرميني) ومهندسيه أصحاب البناء.. باب التوفيق وفي منتصف القرن العشرين تحديدا في 1954م وأثناء توسيع منطقة الدراسة (شرقي القاهرة) عثر رجال الآثار على جزء من سور صلاح الدين كان مختبئا تحت) الاكام وعثر على بعد عشرة أمتار غربي هذا السور على بقية من سور (بدر الجمالي) الحجري.. وبه باب رابع كشف عن عقد كامل له.. وظهر خلفه عقد آخر تعلوه لوحة تذكارية عليها كتابة بالخط الكوفي الرائع هذا نصها: بعز الله العزيز الجبار يحاط الاسلام وتنشأ المعاقل والأسوار.. رأى إنشاء هذا ـ باب التوفيق ـ والسور المحيط بالمعزية, القاهرة المحروسة حماها الله, فتى مولانا وسيدنا (معد ابي تميم) الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين وأبنائه الأكرمين السيد الآجل أمير الجيوش سيف الاسلام وناصر الأنام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين (أبوالنجم بدر المستنصري بدر الجمال.. وتاريخ هذا الباب 480 هـ. ووجدت بين العقدين فجوة تصب منها المواد الحارقة على العدو كالزفت والقطران المغليين, إذا هاجم أسوار القاهرة وأبوابها, كما هو الحال في بقية الأبواب الثلاثة. ويرجح أن يكون هذا الباب قد أنشئ مكان باب (البرقية) القديم. وسمي كذلك نسبة الى جماعة من أهل (برقة) نزلوا في هذه المنطقة. القاهرة ـ البيان ـ سراج محمود