حتى مطلع الخمسينيات من القرن الماضي كانت مدينة حمص السورية مسرحاً لاحتفالات أعياد الربيع التي كانت تبلغ ذروتها عند طواف أصحاب الطرق الصوفية بمواكبهم في شوارع المدينة وضواحيها, ولا يزال البعض ممن تقدمت بهم السن من أهالي حمص يحتفظون، بذكرى حية عن أعياد الربيع التي كانت تشهدها مدينتهم, وكانت قلعة حمص التي تقع في الجهة الجنوبية الغربية تشهد جانبا طريفا من هذه الاحتفالات وهو عيد خميس النبات أو خميس القلعة حيث كان الناس يتقاطرون إلى بئر في أعلى القلعة لاستطلاع فألهم للسنة المقبلة, فيرمون فيه بالحجارة, فإذا كان صوت الحجر واضحا يضرب بالصخرة يكون العام عام خير على الرامي, وإلا كان الفأل بين بين (إذا كان الصوت مكتوما) أو سيئا بشكل صريح (ان لم يحدث صوت) وعندما تأتي النساء إلى البئر برفقة الأطفال يكلفَّن غالبا أحد الشباب برمي الحجر باسمهن, فيلمس الرامي رأس أو يد الطفل بالحجر ثم يتوجه لالقاء الحجر ذاكرا اسم الشخص المعني, ولكن إذا تمكنت النساء من الاقتراب من البئر فلا شيء يمنع من ان يُلقين الحجر بأنفسهن. لقد تلاشت احتفالات يوم خميس النبات في وقت مبكر جدا, أي في عام 1920 حسب رأي الأديب الراحل رضا صافي الذي عايش هذا العيد الفولكلوري سنوات طويلة, وروى قصته في القلعة أفواج النسوان والصبيان والفتيان ويقبل عليها الباعة والمسترزقون والمتسولون وتتجمع هذه الخلائق كلها عند سطحها الغربي مما يلي مطلعها وطريق القلعة المتعرج (درب نمالة) يغص بالصاعدين والهابطين من الناس, فإذا اخترقت الزحام وبلغت سطحها وهو منبسط وتنفست الصعداء وتركت أبراجها الشمالية على يسارك, ومضيت قدما حتى تشرف على طرفها الشرقي ألفيت جماعات غفيرة من الشباب يحفون ببئر قديمة واسعة الفوهة يتنافسون ويتبارون في قذف الحجارة في جوفها ثم التصنت لسماع أصواتها حيث تصطدم بالقاع, وذلك ان هذه البئر (جب النبات) والموسم موسمها, فهنا تنبت الحظوظ في كل سنة, فمن (رنَّ) حجرُه اطمأن إلى الصفو والهناء في عامه المقبل ويا بؤس من (يَخُنْ) حجرُه وكان خميس القلعة هذا يُعقد بعد زوال الشمس, وجنوح النهار إلى الأصيل. بقيت هذه العادة الطريفة حتى دخول الفرنسيين إلى حمص صباح 28 يوليو 1920 واتخاذهم من القلعة موقعا عسكريا, فَحِيْلَ بين الناس وبين الصعود إلى القلعة واختبار حظوظهم وبعد ان أقام الفرنسيون حامية عسكرية شيَّدوا بعض الأبنية فيها, كما وسعوا المدخل الغربي ورصفوه لتحرّك آلياتهم وحظروا على الأهل الاقتراب منها, وغدت القلعة مصدرا للموت والدمار عندما قصفت الحامية مدينة حمص بالمدفعية, وقامت بعمليات قنص للسكان في الشوارع وداخل البيوت كرد فعل على الثورات السورية في 29 مايو عام 1945. الباحث الفرنسي جان ايف جيلون الذي وضع كتابا حول أعياد الربيع القديمة في حمص يقدم تفسيرا فلسفيا لهذه التظاهرة الاحتفالية قائلا: ان الطريقة المتبعة في هذه الممارسة التنبؤية تتطلب الدراسة, قبل كل شيء المكان يسترعي الانتباه, لماذا هو بئر في قمة تل وليس مكانا, وربما كان من المفيد ان نتذكر ان (حجرة الزاقورة) في بلاد بابل والتي كانت تُعلن فيها المصائر بمناسبة احتفال الاكيتو تشغل أعلى نقطة في البناء الطابق السابع ضمن هذا المكان المشرف على المدينة بأكملها يتم استشراف السمات الغالبة على السنة كذلك في حمص, وعلى سطح القلعة يتم الاحتفال المماثل في أعلى مكان في المدينة. ويتساءل جيلون: هل كان هناك, في الأزمنة الغابرة طقس من النوعية ذاتها, يجري في هذا المكان نفسه, فبقي فيه؟ أم ان علينا ان نقول: بما ان الأسباب المتماثلة تؤدي إلى النتائج نفسها, أو بالأحرى, بما ان الحقائق غير المرئية المتماثلة (تترامز مع) الوقائع المرئية ذاتها, فقد حصل التشابه, وليس علينا التفتيش في هذا التشابه عن أية مؤشرات تاريخية ويمكن بسهولة فهم شكل الطقوس (رمي الحجارة في بئر جافة واستكناه الفأل من رجع الصدى), الحجر الملقى هو القطب الجوهري: الشخص (على انه مبدأ الفرد) الوعاء هو القطب الوجودي. ويقارن الباحث جان جيلون بين بئر الحظوظ في قلعة حمص وعادة ايرانية تقدم لنا حالة موازية مهمة بمناسبة عيد النيروز (وهو رأس سنة ربيعي) يحاول الناس عشية آخر أربعاء في السنة معرفة فألهم, وتقوم احدى الطرق المتبعة على رمي أشياء شخصية في جرة, ثم تخرج منها صبيحة الخميس ويُقرأ الفأل في ديوان حافظ الشيرازي إذ يُفتح دون تحديد فيشير المقطع الذي يفتح الكتاب عليه إلى فأل صاحب الشيء الذي تم اخراجه, فالجرة هي معادل مناسب للبئر أو للخزان تحت الأرضي, والشيء الذي يُوضع فيها يعادل الحجر الذي يُرمى في بئر قلعة حمص, وكون الشيء الذي في الجرة يمثل صاحبه يؤكد تفسيرنا للعلاقة بين الحجر والشخص الذي يلقيه, أو الشخص الذي يُلقى الحجر باسمه.