في العام 1918 قضت الانفلونزا الاسبانية على معظم سكان نيوهامشير في الناحية الشمالية الغربية من الولاية. وبين الضحايا كان شخص وحيد من الاسكيمو جاء من جرينلاند وامضى شبابه مرهونا في متحف تهمه الانتصارات الثقافية اكثر من الاعتناء بصبي. وفي اواسط العشرينيات من عمره كان الصبي, واسمه (مينيك) , قد تمكن من الفرار من ذلك العالم واللجوء الى قرية تعمل في قطع الاخشاب بالقرب من الحدود الكندية. وتوفي مينيك في 29 اكتوبر 1918 بسبب التهاب الشعب الرئوية. لا احد في بيتسبرج يتذكر مينيك, الا ان بعض سكان هذه القرية البالغ عددهم 900 نسمة حيث حلت السياحة محل قطع الاخشاب كصناعة رئيسية, يعرفون قصة الاسكيمو ويقولون انه ليس سرا انه كان سعيدا هنا. وتقول شارون كوبل التي جاءت الى هنا بعد تقاعدها سنة 1992 وهي تعتبر مؤرخة لسيرة مينيك انه اذا افترضنا انه اذا كان سكان القرية انذاك مثلما هم السكان الحاليون فالارجح انهم استقبلوه استقبالا حسنا, (والناس هنا كرماء الى اقصى حد تجاه الضيف) . وتقع مقبرة الهنود عند اهداب جبل كومستوك في خراج القرية. والشيء الوحيد الذي يذكر بوجود مينيك هو غطاء القبر المغطى بالحشائش والذي يحدد تاريخ ولادته, خطأ في العام 1887. روبرت جراي (72 سنة) الذي عمل والده مع مينيك, شارك في صنع الغطاء قبل 20 سنة وذلك بأموال اوصى بها افترون هول, الحطاب الذي كان صديقا لهما. ورغم ان الصحف كتبت كثيرا عن طفولة مينيك, الا ان رحيله ظل لغزا حتى السبعينيات وذلك عندما سمع مؤرخ القطب الشمالي كن هاربر قصصا عن صبي الاسكيمو النيويوركي فأخذ يسأل عنه. والاجوبة التي حصل عليها مدونة في كتابه (Give me my Father's Body) الذي يروي تفاصيل رحلة مينيك الى الولايات المتحدة وسوء معاملته في المتحف الامريكي للتاريخ الطبيعي وسعيه الى دفن والده بشكل لائق. ولد مينيك حوالي 1987 واشتهر سنة 1897 عندما قام مستكشف القطب الشمالي روبرت بيري الذي كان يبحث عن طريق سهلة الى القطب الشمالي برحتله الرابعة الى كيب بورك شمالي جرينلاند. وقد استعصى القطب الشمالي على المستكشف, الا انه عثر على شيء بنفس الاهمية, ستة من الاسكيمو احضرهم معه الى نيويورك. وكان بين هؤلاء مينيك ووالده كيزوك. وقد صرح مينيك لصحيفة world في مقابلة نشرتها في يناير 1907 (اعاد هاربر نشرها في كتابه): (وعدنا بمنازل جيدة ودافئة في ارض مشمسة وبأسلحة وسكاكين وابر واشياء كثيرة اخرى. وهكذا ابحرنا كلنا في احد الايام الى نيويورك. ووصلوا الى نيويورك في شهر سبتمبر 1897. ولمدة يومين تحمل الاسكيمو الحرارة الخانقة حين ارغموا على ارتداء ثيابهم المصنوعة من الفرو لكي يشاهدهم حوالي 30.000 شخص صعدوا الى السفينة للتفرج عليهم. وفي النهاية نقل الستة للإقامة في قبو المتحف الذي كان مسئولوه قد رعوا العديد من بعثات بيري والذين طلبوا من بيري جلب بعض افراد الاسكيمو من اجل دراستهم. ومع حلول شهر نوفمبر كان الستة قد نقلوا الى المستشفى لاصابتهم بالتهاب الشعب الرئوية لأن اجسامهم لم تتمكن من التأقلم مع المناخ والجراثيم في الولايات المتحدة, وتوفي جميعهم ماعدا مينيك ورجل يدعى اويسكاساك والذي عاد الى جرينلاند في العام 1898. بعد وفاة والده ارسل مينيك للإقامة مع وليام والاس مسئول المباني في المتحف الذي كان سيتلقى مالا من رئيس المتحف لقاء اعتنائه بالصبي. وقد منح والاس وزوجته الفتى كنيتهم وفكرا في تبنيه اذ عاملاه كابن لهما. ورغم نوبات المرض المتعددة واصل مينيك الدراسة وتعلم اللغة الانجليزية وامضى عطلات الصيف في منزل آل والاس الريفي في جوبلسكيل في نيويورك. وقد قال مينيك لصحيفة وورلد: (اريد ان ابقى هنا, وعندما اصبح رجلا اريد ان اصبح مزارعا لازرع الاشياء. والاسكيمو كلهم يحبون ان يستنبتوا الاشياء لأن لا شيء ينبت في بلدنا) . ولم تطل سعادة والاس كثيرا, ففي شهر نوفمبر 1900 تدهورت احوال والاس المالية الخاصة وبعد سنة واحدة ارغم على الاستقالة من المتحف اثر اتهامه بسوء الامانة المالية. ومما زاد الطين بلة ان رئيس المتحف مورويس جيسب توقف عن الاعتناء بمينيك ثم نفى ان يكون قد وعد ان يتولى امور الصبي. واضطر مينيك, الذي كانت زوجته قد توفيت منذ وقت قريب, الى سحب مينيك من المدرسة والغاء خططه لتدريبه ليصبح مستكشفا او مرسلا ربما ليعود الى بلده يوما ما. وبين العامين 1901 و 1907 عاش مينيك ووالاس حياة صمت وعوز, في نيويورك, وحيث ان شهرة العائلة ـ وانبهار وسائط الاعلام بالصبي ـ ذهبت مع افلاس والاس. وفي تلك المرحلة ـ كما جاء في كتاب هاربر ـ تبرأ مسئولو المتحف من مينيك, بل نفوا ان يكون علماء الانثربولوجيا عندهم طلبوا احضار افراد من الاسكيمو احياء الى الولايات المتحدة. ورفض بيري ايضا ان يتحمل مسئولية الاحضار قائلا ان الاسكيمو هم الذين طلبوا نقلهم الى نيويورك. ثم اخذت الامور تزداد سوءا. فخلال العام 1907 علم مينيك ان مسئولي المتحف خدعوه عندما توفي والده. فبدلا من دفنه احتفظوا بجثته لاجراء الدراسات عليها بل ولعرضها, ومراسم الدفن التي شهدها مينيك جرت في الحقيقة بجذع شجرة لفت بالفرو. ولاحقا قال مينيك لصحيفة Examiner: (ذات يوم وجدت نفسي وجها لوجه مع والدي بصورة غير متوقعة ولقيت نفسي في قاع الصندوق الزجاجي وصليت وبكيت. وتوجهت مباشرة الى المدير وتوسلت اليه ليسمح لي بدفن والدي, لكنه رفض, واقسمت على انني لن استريح الا بعد ان ادفن والدي بصورة لائقة) . وهنا بدأت معركة مينيك والمتحف ومع بيري. وقد قال لصحيفة (اكزامينر) . (ها انني سجين في هذا البلد. لقد اخذوا مني كل شيء, بلدي ووالدي. انني اطلب ان يدفعوا للعم وليام كل ما انفقه علي وان يعيدوا جثة والدي ويعطوني ما يمكنني من الاستعداد للعمل في الشمال. ولكن مينيك لم يحصل على اي شيء من مطالبه. والعودة الى بلده ليست سهلة فالسفن نادرا ما كانت تغامر بالوصول الى المناطق الشمالية البعيدة, والسفن التي كانت تفعل ذلك كانت بامرة بيري. وفي العام 1908 سأل مينيك بيري اذا كان يسمح له بالانضمام الى رحلة كان يستعد للقيام بها شمالا. ورد بيري قائلا, ربما في المرة التالية. ورد مينيك بتصريح لصحيفة sun سنة 1908: (لقد وجدت متسعا على السفينة لاحضاري. ولماذا لا تستطيع ان تعيدني؟ بيري لم يرفض اخذ مينيك الى جرينلاند فحسب بل رفض حتى مقابلته. وقد ذهب مينيك الى حد التماس الرئيس ثيودور روزفلت ان يعيد رفات والده, ولكن بيري اقنع البيت الابيض باغفال الطلب. وصرح مينيك لصحيفة اكزامينر: (لن اتوانى عن قتل بيري ومدير المتحف, ولكنني اريد لهما ان يريا كم ان هو الاسكيمو المتوحش هو اكبر من شخصيتهما البيضاء المستنيرتين) . واثارت مثل هذه التصريحات حفيظة مؤيدي بيري, وبينهم زوجته التي عملت لتفادي المزيد من مثل هذه الهجمات الاعلامية على زوجها فجمعت مع الاخرين مبلغا من المال لارسال مينيك الى بلده. وفي خريف ,1909 وبعد الاقامة 12 سنة في الولايات المتحدة, غادر مينيك الى جرينلاند. وتأقلم مينيك مع الحياة بين الاسكيمو مع انه نسي لغتهم منذ وقت طويل. وبعد سنة من عودته تزوج من فتاة من الاسكيمو الا ان زواجه انهار وزال سروره من العودة الى الوطن وظل يتغنى بالحياة في الولايات المتحدة ويتوق للعودة اليها. وفي يونيو 1916 عثر على سفينة متجهة الى نيويورك. وفكر مينيك بعدة مشاريع تتمحور حول الحياة الغريبة التي عاشها, بما في ذلك تأليف كتاب. الا ان الاهتمام بقصته كان قد تلاشى. وفي اواخر سنة 1917 توجه الى بوسطن للعثور على عمل بواسطة احد مكاتب التوظيف. وسرعان ما وجد نفسه على متن قطار ذاهب الى نيوهامشير, حيث وجد عملا في قطع الاخشاب. وقد ناسبت البيئة القاسية هناك مينيك, ولأول مرة خلال وجوده في الولايات المتحدة لم يشعر بالغربة. وكما في السابق لم تطل سعادة مينيك كثيرا. ففي العام 1918 وصل وباء الانفلونزا الذي قضى على معظم سكان القرية. ودفن مينيك في مقبرة الهنود في 30 اكتوبر 1918. ولم يعد المتحف رفات كيزوك ـ والد مينيك ـ الى بلده الا في العام 1933 وذلك اثر الروايات غير المؤاتية التي نشرت في كتاب هاربر. ولكن المتحف نفى ان يكون قد اعاد العظام بسبب الحملة الصحافية. ونفى ايان تاترسول مدير قسم الانثربولوجيا في المتحف ان يكون المتحف قد عرض العظام بين معروضاته. وقال تاترسول انه من المهم ان ننظر الى حياة مينيك وسوء المعاملة التي لقيها في سياقهما التاريخي. واضاف: (المقاييس المطبقة قبل 100 سنة مختلفة كثيرا عن المقاييس المطبقة اليوم. كثيرون قبل 100 عام كانوا يديرون امورهم باساليب نجدها اليوم غير مرغوبة ابدا. ان ما تم لا يمكن تغييره. اننا لا نستطيع ان نفعل ما هو ليس بمقدورنا لتصحيح الخطأ. قد فعلنا ما نستطيع في قضية الاسكيمو حسب اعتقادي. (خدمة أ.ب) بيتسبرج ـ ج. م هيرش