هذه حقيقة بادية في واقع الحياة الفنية منذ سنوات.. ونجوم المسرح يهجرونه الواحد تلو الاخر الى الشاشة الصغيرة بعد ان يهرهم التلفزيون بما يحققه لهم من اضواء وانتشار وشهرة ومردود مادي كبير, قياسا الى المسرح الذي يؤطر جهودهم في موسم ضيق, وعروض متباعدة, وجمهور محمود, واجور ضئيلة لا تكاد تذكر, لماذا حدث هذا الانحسار؟ هذا السؤال يقود لاجابات عديدة ومنها تراجع مواسم وعروض المسرح القومي الذي كان, حتى الثمانينيات, ضابط ايقاع الحركة المسرحية, ليس في دمشق وحدها, بل في سوريا كلها, تراجع برامج ومهرجانات المنظمات الشعبية التي كانت لها فرق عاملة على مدى العام, عزوف المراكز الثقافية عن مهمتها السابقة في تأسيس فرق مسرحية في المحافظات, علما ان في سوريا اكثر من مئة وخمسين مركزا ثقافيا يمكن ان تكون خلايا فاعلة في تنشيط وتفعيل الحركة المسرحية, وفي جذب جمهور جديد الى المسرح. موت المسرح الجوال وبرنامجه الذي كان حافلا حصر عروض المعهد العالي للفنون المسرحية في مناسبات ضيقة وفي عروض التخرج بالاضافة الى اقتصار مسرح الهواة على اربع محافظات فقط هي حمص وحماة واللاذقية وطرطوس.. وعروض متباعدة في حلب, وهجرة نجوم وعناصر المسرح الى العمل في التلفزيون وكذلك تفشي ظاهرة المسرح التجاري الذي يقدم عروضا سياحية هابطة في كثير من الاحيان, وعلى الجانب الاخر يتبدى لنا اصرار المؤسسات الرسمية على ان تعامل المسرحيين بالاجر المتطوع (المرتب الشهري) دون ان تخصص لهم نسبة في ايرادات العروض, مما كان سينعكس ايجابيا على الحركة المسرحية, ويشجعهم على الاستمرار. وانشغال المسئولين في مديرية المسارح والموسيقى, وفي ادارة المسرح القومي, وفي ادارة وتدريس طلبة المعهد العالي للفنون المسرحية بأعمالهم الخاصة, ومنها المسلسلات التلفزيونية مما يجعلهم يلغون عروضا كاملة من اجل هذه المصالح الخاصة. امام هذا الواقع المتردي للمسرح, على الرغم من انه ابو الفنون, تظهر مبادرات فردية لبعض المخرجين الشباب, وخاصة الذين تلقوا تأهيلا اكاديميا في المعهد, أو الذين درسوا المسرح في الخارج, يحاولون من خلالها ممارسة هواياتهم وانقاذ المسرح السوري من الانحسار, على الرغم من المتاعب التي تواجههم في هذا المجال, ومن ذلك اضطرارهم اكثر الاحيان لتقديم عروضهم على مسرح القباني, المسرح الوحيد المتاح لهم.. ودون ان يبيعوا بطاقات على الشباك.. اي انهم يقدمون عروضهم مجانا, مما يحملهم اعباء مادية, بالاضافة الى الجهود التي يبذلونها في تقديم اعمال مختارة وجديدة ومتطورة. وحتى تتاح لهم فرصة العرض, يحاولون استعارة اسماء يقدرون اعمالهم تحت لافتة تحملها, فهذا يقدم عمله تحت شعار ما يسمى (نادي المسرح القومي), واخر يستعمر اسم مسرح المعهد العالي للفنون المسرحية, وثالث يقدم عمله باسم فرقة ينتهي حضورها واسمها مع نهاية العرض وعلى الرغم من اهمية هذه المبادرات, الا انها تبقى قاصرة عن معالجة المشكلة, وعن اعادة المسرح السوري الى بهائه وجماليته. ونقف هنا مع مبادرة شجاعة في هذا المجال, نقدمها على سبيل المثال لا الحصر, وهي نموذج للعروض المسرحية التي يقدمها المخرجون والفنانون الشباب, وهي مسرحية (شويّة وقت) التي قدمت باسم المسرح النوبي, علما بأن الذين شاركوا في تقديمها لا علاقة لهم بعضوية المسرح النوبي ولا ببرامجه, علما انه من المفروض في هذا المسرح ان تكون عروضه باللغة العربية الفصحى وليس بالعامية المتداولة, كما في هذا العرض. تأتي اهمية هذه المبادرة من ان ثلاثة من الفنانين الشبان هم (نضال سيجري) وهو احد خريجي المعهد العالي, وسيف الدين سبيعي , احد الفنانين الشباب الذين تألقوا مؤخرا في المسلسلات, وجلال شموط, وهو ايضا من خريجي المعهد, التقوا كاتبة شابة موهوبة هي كولبت بهنا, اصدرت مؤخرا مجموعات قصصية متميزة, ليتقدموا بعض قصصها المختارة في عرض مسرحي نوعي, بالتعاون مع مجموعة اخرى من زملائهم هم: معتز ملاطيه لي, ولاوند هاجو, وماهر طه, وعبدالله فرهود, ومنصور نصر, وزهير العربي, وجابر العظمة, ومنصور سفر, ونصر سفر, وبسام حميدي, واحمد سماحي, ومحمد سماحي, وصلاح وهبة, فكان عرضا متميزا حول مفهوم: الزمن في حياة الانسان. هذا العرض الذي كان باكورة اعمال هؤلاء الشباب, ولعله اخر اعمالهم كان مجرد مبادرة حماسية اثارت في الاذهان من جديد موضوع المسرح السوري, والمسرح في دمشق على الاخص, والذي كانت عروضه فيما مضى, مواسم احتفالية تباع بطاقاتها في السوق السوداء بسبب الاقبال الجماهيري الكبير عليها, ثم حدث التراجع والانحسار لدرجة اصبح معها الذين يغارون على المسرح, وعلى الحياة المسرحية, يخشون تفاقم الانحسار لدرجة لا يجد فيها رواد المسرح من بديل غير المسرح التجاري. دمشق ـ جان الكسان