يجمع الكثير من النقاد على ان الالمانية (ديا لوهر) هي الاكثر اهمية بين العديد من كتاب المسرح الشباب في المانيا. وهو ما يجسده بوضوح النجاح المتزايد لاعمالها في كل مرة تعرض فيها على خشبة اي من المسارح الالمانية الشهيرة. والى الان فإن مسرح (هانوفر الكبير) ، يتفرد باخراج خمسة من اعمالها المسرحية الجيدة التي يحتكر عروض ثلاثة منها مما يؤهلها لأن تكون الكاتبة المتفرغة لهذا المسرح بالاضافة الى انه الدور الذي مكنها من العثور على مخرجها المفضل (اندرياس كريجنبرج) للعمل بشكل ثنائي يرى النقاد انه قد اسهم كثيرا في تقديمها على نحو سلس لا يحتمل الجدل. ولعل الحقيقة الهامة التي تقال عن لوهر هي انها لم تكن لتفكر في العمل المسرحي في يوم من الايام, وقد تحقق ذلك بمحض الصدفة لدى التحاقها بكلية الفنون في برلين وكانت المؤسسة قد اعلنت عن دورات تدريبية في الكتابة المسرحية باشراف عدد من كتاب المسرح المعروفين ومنهم (هينر مولر) وهي المرة الاولى التي وضعت فيها لوهر باستمتاع شديد بعض النصوص المسرحية المطلوبة للالتحاق بالدراسة المسرحية الاكاديمية. ولدت ديا لوهر في (تراوستين) في اقليم بافاريا في سنة 1964 ونشأت كطفلة وحيدة مدللة. وكانت تشعر بالوحدة بسبب جملة من الظروف المتصلة بحياة اسرتها المنعزلة في احدى الغابات البعيدة وملازمتها للبنادق والادوات التي يحمي بواسطتها افرادها انفسهم من الحيوانات المفترسة. وبالرغم من ان موهبة لوهر ككاتبة كانت قد بدأت في ذلك المكان الا ان عدم تعاملها مع الكتاب كما تقول كان كافيا لعدم اخراجها من الوحدة التي ظلت تعاني منها الى لحظة عملها في المسرح. تقول لوهر (لقد كانت ممارسة الكتابة هي الطريقة الوحيدة للتواصل مع هذا العالم والتعويض عن الشعور بالوحدة وكان كل ما حولي يشعرني بالضيق فبدأت بتأليف القصص وهو نوع من الشعور بأنني مازلت على قيد الحياة) . وكانت لوهر قد انهت دراستها السابقة في اللغة والفلسفة في ميونخ دون ان يحقق ذلك شيئا من طموحها في الحياة كما تقول. اما السؤال عن الكيفية التي تحصل من خلالها على موضوعاتها الرئيسية فيحمل ديا لوهر على لاجابة على نحو متواصل بقولها (ان هذا قد يبدو شبيها بالكليشيه او الصيغة المبتذلة ومع ذلك فانني اصر على البحث عن موضوعاتي الرئيسية بدلا من الامساك باشياء مستهلكة او ذات علاقة بما يجري فقط. وبعد ذلك فإن العناصر المختلفة تلتقي مع بعضها في النهاية لتؤلف عملا واحدا) . ومع ذلك فإن اقرارها بهذا الشكل يجعلنا نتصور ان رفض لوهر الوقوع تحت تأثير ما يجري فقط له مبرراته ومنها التخلي عن الشكل التقليدي للكتابة المسرحية لتجد اعمالها شكلا جديدا ولغة عصرية تصل الى حد الحوار مع جمهور المتفرجين بدلا من تهميشه, ولعل في ذلك ما يفسر توقف المؤلفة عن الاستمرار في كتابة النصوص ذات الموضوعات السياسية فقط وهو ما تمثله مسرحية (غرفة اولجا) النص المسرحي الاول لدى اكتشافها ان ما تريده في الواقع هو الاشياء الاساسية المتعلقة بالانسان, الاشياء التي تصورنا من الداخل ولا تفسرنا او تقيمنا في الوقت ذاته كما تفعل السياسة. اما تلك الاجزاء القصيرة التي عرضت من مسرحية (تاتو) او الوشم وهي العمل المسرحي الثاني فقد حققت لوهر من خلالها تقدما مفاجئا, رغم احتواء العمل على تلك المشاهد القصيرة جدا التي تسرد مأساة عائلة مؤلفة من اب وام وثلاث شقيقات يقوم الاب المريض بالاعتداء عليهن دون ان تتمكن احداهن من الفرار حتى مع الرجل الذي تحبه, وعلى الرغم من ان هذا العمل لا يسترسل في محليته الا انه يسلط الضوء على القضية الاساسية بشكل مكثف الى حد بعيد اضافة الى ماتتميز به لغته من جمال وبساطة وشاعرية تغني كثيرا عن هيمنة المواقف التمثيلية التقليدية التي تهتم بابراز اللحظة السيكولوجية النفسية الملائمة للتأثير على العقل. فهناك كلمات بسيطة فقط تعبر بواسطتها كل شخصية عما يجول في داخلها من مشاعر القلق ولكنها تلجأ الى الصمت للتعبير عما بداخلها بقوة لأنها لا تجرؤ على التحدث عن معاناتها. والى جانب مسرح هانوفر فإن هذا العمل المسرحي الذي ترجم الى سبع لغات عالمية عرض على مسارح عدد من العواصم الاوروبية والامريكية الشهيرة مثل هلسنكي ولندن ولاباز وشيكاغو. لكن اكثر ما يثير الاستغراب هو الاستقبال الفاتر الذي قابلت به الجماهير مسرحية (ليغيا ثان) او لوياثان (وحش بحري يرمز الى الشر) سواء كان ذلك في المانيا او خارجها رغم ان العمل يصور وعلى نحو دقيق واحدة من اللحظات الحاسمة التي قادت الى التحول التاريخي بانتهاء ما كان يسمى جمهورية المانيا الاتحادية. تقول لوهر (اردت ان اعرف هذا التغير المفاجئ الذي حدث في حياة (اوليريك مينهوف) الصحافية اللامعة التي تمتعت بالنفوذ لفترة طويلة من الوقت وآمنت بأن العنف ضرورة من ضرورات التطور المطرد لأفكارها. وبالاضافة الى ذلك فأنا اعتقد بأن من الخطأ ان نبدأ بسنة 1977 لكتابة تاريخ الجيش الاحمر فيحول ذلك دون التصور الواقعي لما حدث قبل هذا التاريخ وكان سيحدث ربما على نحو مختلف. وفي مسرحية لوياثان تبدأ الاحداث في سنة 1970. ومع ان المؤلفة تستخدم اسماء مختلفة مثل (ماري) لاولرك, مينهوف وكارل لاندرياس بادر وغيرها الا ان ذلك سرعان ما يكتشف. وتدور الاحداث الرئيسية للمسرحية حول اجتماع العديد من الشخصيات ومنها ماري وكارل في منزل شقيقة ماري حيث يقوم رجال الشرطة باعتقالها. ثم تهرب من المعتقل لتفكر فيما يجب عليها ان تفعله بعد ذلك, هل تواصل نضالها الذي بدأته من قبل مع العصابات المسلحة, هل تسلم نفسها لرجال الشرطة ثم تعود للكتابة بعد الافراج عنها؟ وعندما يتعقبها رفاقها تبدو ماري عنيفة جدا في حوارها الى الحد الذي يثير الاستغراب والفزع لدى الاخرين. تعترف لوهر بأنها ترى هذه الاحداث بمنظور شخصي ينتمي الى جيل مختلف وحياد يشبه حياد المؤرخين. هذه ليست مسرحية تاريخية في الاصل. فكل ما تناقشه هو الراديكالية او تطرف اليسار. انا مهتمة بالكيفية التي يتخذ من خلالها مثل هذا القرار سواء كان ذلك على المستوى الشخصي او السياسي. ان مسرحية لوياثان كما يصنفها النقاد لا تقع في نطاق اي من الاعمال المسرحية الوثائقية او السيكولوجية او الموسيقية الجنائزية ولكنها تتألف من كل هذه الاشياء. كما انها تجعل من السهل علينا اكتشاف الكيفية التي يعمل من خلالها نظام القدرة على اتخاذ القرار لدينا نحن البشر واكتشاف قوة الوهم الذي عايشته شخصية مثل ماري قررت اخيرا ان تعود الى العمل كشخصية تكتب ضد النظام. وهو ما يبدو انها قد عزمت عليه منذ البداية ثم دفعتها ضغوط رفاقها الى الاستمرار فيه الى الابد. وفجأة يتكشف للجمهور من خلال مونولوج داخلي لاحدى الشخصيات الافتقاد الكبير للشعور بالامان لدى هؤلاء الناس وتدرك ماري ان حياتها كانت مجرد كذبة على الرغم من انني نجحت في الحصول على ما اريد الا اني لا استطيع الوصول الى اي انسان بعد الان. لقد قطع علي الطريق فجأة وانا انظر الى اسفل فانني لا ارى سوى حفرة بلا قرار تشعر وكأنك تلقي بنفسك بداخلها. ان هذا اللغة تبدو وكأنها كافية لابقاء الشخصيات بعيدة عن الاخرين. اضافة الى ذلك الاستخدام للاشياء المعاصرة الذي يمهد للاستمتاع والاشارات التي تنتشر بسرعة في مسارات متقاطعة مع المرجعيات الواضحة لبعض المشاهد الافتتاحية (مشهد سوفوكليس). وفي الوقت الذي تدافع فيه المؤلفة عن نفسها ضد ما يطلبه النقاد احيانا عليها بوصفها كاتبة مسرح سياسي فإن اسم ريا لوهر يظل مرتبطا بالسياسة رغم اعتقادها بأن مهمة الجري وراء الاحداث الجارية ليست من مهام المسرح اذا اراد المسرح ان يستعيد مكانته كمنتدى حيوي وثيق الصلة بالحياة فإن المنطق يقضي بأن يقوم باعادة القضايا الهامة كالعنف والخيانة والحرية على نحو اكبر من اهتمامه بقضايا البطالة والتلوث والطاقة النووية. ان الحلم هو بأن يجمع المسرح بين الديمقراطية والمتعة كما تعتقد مؤلفه مسرحية مثل لوهر تحاول ان تجمع بين ما بداخلنا وبين ما بداخل هذا العالم. عندما كتبت لوهر مسرحية (منزل الغريب) سنة 1995 كانت تسعى الى الاحتجاج على التصنيف غير الناضج لما يسمى بـ (المسرحيات التي تعالج الاحداث الجارية التي تناقش موضوعات مثل الحرب اليوغوسلافية والايدز واليمين المتطرف وغيرها. فمنزل الغريب كما ترى لوهر هي في جوهرها حكاية الخيانة التي وقعت في الماضي السلوك. الذي غير حياة كل الشخصيات التي يحتوي عليها العمل ولأنه لم يكن يرغب في الاشتراك في الحرب اليوغسلافية فإن (جين) يفر الى المانيا حيث يقابل (ريستو) صديق والده القديم في مكان مهجور ليخبره برغبته في ان يحيا حياة حقيقية. اما ريستو فهو وعلى الرغم من اعتقاد الاخرين بأنه واحد من ابطال المقاومة الا انه لم يكن في الحقيقة كذلك لأنه خان احد اقرب اصدقائه في يوغسلافيا فزج به في السجن من اجل ان يفلت من نظام الحكم الشيوعي. اما الشخصيات الاخرى فقد خانت نفسها على اقل تقدير. في بداية سنة 1998 استحوذت مسرحية (آدم جيست) على اهتمام النقاد وهي عمل درامي شديد التعقيد يقوم على البحث في عملية التطور الانساني الداخلي تعتمد فيه الكاتبة على تقنيات متعددة كالمنولوج والكورس والغناء الذي يتخلل بعض الحوارات. ويدور موضوعه الرئيسي حول ادم جيست الصبي الذي ترحل والدته عن الدنيا وهو طالب متخلف دراسيا فيسعى الى تأمين معيشته بالعمل في مهن مختلفة كتاجر مخدرات ورجل عصابات ومرتزق في حرب البوسنة. ثم يترك ذلك ليعيش في عزلة تامة واختقار لنفسه خاصة عندما يكتشف انه انسان فاشل رغم محاولته التحول الى عضو فاعل في المجتمع, غير ان مأساة ادم جيست تتعاظم بافتقاده لحظات السعادة الحقيقية التي احس بها للمرة الاولى في حياته اثر اقدامه على قتل صديقته الانسانة الوحيدة التي احبته بعد امه, فينتحر في مشهد تتراءى له فيه صورة الفتاة التي تشبه السيدة العذراء ليدرك حسبما يرد على لسانه في اخر عبارة يقولها وهو يحتضر (ان الرغبة في فعل الخير لا تكفي وحدها خاصة عندما يكون المرء شيطانا) . او كما تعقب لمؤلفه على لسان جون ابديك (لست ملاكا ولا شيطانا) . ان هذه اللغة المسرحية الخاصة تتعلق في الاساس بتكوين النص المسرحي لدى الكاتبة المسرحية الالمانية ديا لوهر تقول لوهر (يبدو المسرح بالنسبة لي عالما للغة. واذا كانت اللغة قادرة على التعبير عما نشعر به منذ البداية فإن هذا لابد وان يخلق نوعا من الواقعية المملة كما في التلفزيون. اما على خشبة المسرح فإن المطلوب هو ان تساعد اللغة على خلق الشخصيات وليس العكس) . كما ان الكتابة لدى لوهر تبدأ بكتابة اشياء اخرى تتدلى كالقلادة فتساعدها على تأمل موضوعها عبر البعد الذي يظهره ناقل اخر هو اللوحة التشكيلية, لكن اهتمامي ينصب على الحقيقة القائلة بأنه ومع اختراع التصوير الفوتوغرافي ان لم يكن قبل ذلك فقد تحتم على فن الرسم ان يقاتل من اجل البقاء وبشكل اخر هو المسرحية في الوقت الذي تبقى فيه مشكلة الفارق الذي يتعدى القدرة على التقاط الواقع وتوثيقه وهو ما يقوم به المسرح ولا تقوم به اللوحة المرسومة او الكاميرا. بطاقة ولدت الكاتبة المسرحية الالمانية ديا لوهر في اقليم بافاريا العليا في سنة 1964. درست لوهر اللغة الالمانية والفلسفة في جامعة ميونخ وتخرجت في سنة 1983. وحصلت على الماجستير في عام 1988 من احدى الجامعات البرازيلية. في سنة 1990 حصلت على منحة دراسية في كلية برلين للفنون في (الكتابة المسرحية). وعلى الجائزة التقديرية في التأليف المسرحي عن مسرحية (غرفة اولجا) . حصلت اعمالها المسرحية على العديد من الجوائز التقديرية المحلية والدولية ومن اهم هذه الاعمال (الوشم) (لوياثان) (ادم جيست) .