هكذا تبدأ الكرنفالات الفنية في تشكيل نفسها: ملاحظة اولا عن الحاجة الاجتماعية بما فيها حاجة السوق, ثم مراقبة ومعاينة للواقع المتشكل في ضوئها, ومن ثم تكوين الاسئلة عنه, ثم البحث عن وضع الحلول لها. هذه المعادلة التي لا يبدو اننا نتحرك خارجها هي ما تفرضه على الفن في معرض (راي)، امستردام السنوي للفنون التشكيلية, حينما تحول الى كرنفال سنوي لا توزع فيه الاغذية المتراكمة ولا تلبس فيه الاردية التراثية كما هو الحال في الكرنفالات الاوروبية ومنها كرنفال مدينة (البانش) في بلجيكا, انما تنمو في هذا (الراي) سنويا حاسة البحث عن الجديد في الفنون التشكيلية على مستوى العالم كله. وبالفعل كان قبل سنوات مجرد اقتراح لاقامة كرنفال سنوي للفنون التشكيلية في امستردام ولكن توسع حاجة السوق الفنية لمستهلكين ومنتجين في هولندا بعد ان وجدت مقتنيات متاحفها صدى عالميا, تحول الاقتراح الى واقع, بدأنا نتحسسه ونراه ونعيش ايامه الكرنفالية السنوية فجعلت من المعرض السنوي فرصة لأن يكون مقدمة لتقليد شعبي وقد رافق هذا العام حدث دورة القدم للدول الاوروبية في هولندا وبلجيكا فاصطفت الشاحنات الممتلئة بالسواح والزوار لرؤية المعرض بأيامه السبعة. في هذا العام كما في الاعوام السابقة يكون شعار المعرض (رأس انسان) , مغمض العينين متأملا ولكن مغطى بالزهور. ـ كان شعار عام 1998 رأس انسان ملفوف بالقماش لا تبدو فيه اي نافذة كي يطل على عالمنا اليوم. في حين ان شعار عام 1999 كان رأس انسان ايضا ولكنه مغطى بورق فتحت فيه نوافذ للرؤية وللسماع وللحس. في حين ان شعار عام 2000 رأس مغطى بالزهور في لحظة طقسية متأملة. خطوات باتجاه ان يكون الشعار القادم رأس انسان مبتسم. هذه الاغماضة تحت الزهور المتدلية تنبئ عن مزاوجة بين الطبيعة الهولندية الخضراء والفن في محور مشترك بينهما هو الانسان. انسان هذا العام يطل على القرن الحادي والعشرين بروح سمحة وبغماضة مستفيضة الى الداخل. في تجوالنا الذي يشبه الطقس السنوي, كنا نتطلع الى افق الفن الحديث بتجاربه الكثيرة والمثيرة الآتية من الصين ونيوزيلندا وامريكا والبرتغال والمانيا واستراليا ودول اوروبية واسيوية عدة. هذه التجارب التي تفترق عن معرض العامين الطفولة محورا فنيا مشتركا. اليوم لا نرى اثرا لتلك النغمة الفنية التي سادت لأعوام مضت: وهي المزاوجة بين الموروث الانساني بتجاربه الشرقية والغربية, الصينية واليابانية والاوروبية, ميثولوجيا امريكا اللاتينية والغرب الافكار الدينية القديمة في رؤية مسيحية معاصرة.. بل نرى لوحة فنية فيها من الرسوم والتجريب الشيء الكثير. ما بعد الحداثة معرض هذا العام على العكس من معارض السنوات السابقة فهو اكثر فنا واركز تجارب واقل صخبا. فقد قلت الى حدى كبير معروضات ما بعد الحداثة تلك التي كانت تملأ ساحاته بأشكال الواقع اليومي: نفايات عمال التنظيف, الاموات الخارجون من المقابر اشياء واسلاك وقطع حديد مشكلة تركيبة بصرية جمالية, اعضاء الانسان ومخلفات الجسد من بول وفضلات, قطع الملابس المتبقية للسجناء الاقدمين, اثار النازية على جدران سجونها.. ثم ذلك الهوس في تركيبة المشاعر المتناقضة لخلق تكوين بلا هوية او تاريخ, وفي اطار الانسان يغلب الجنس الثالث (الخنثى) على اللوحة بوصفه جدلا للكائن الحي. وبدت لنا اللوحة الحديثة وهي تمزج بين تيارين: التيار الواقعي ـ الرمزي والتيار التجريدي الحديث, اكثر حضورا وهدوءا وكأنما عاد الفنان الغربي الى ارضية الواقع واللوحة المعمولة بدراية يد الفنان وخبرته الى العرض ثانية, هل هي حاجة السوق الجديدة والمستثمرون الذين لم يجدوا في تيار ما بعد الحداثة سوقا؟ اعتقد ذلك فالسوق الاوروبية لم تخل من الحاسة الفنية والخبرة الكبيرة, وفي الوقت نفسه السوق المبنية على المزاوجة بين التطور والثبات. وهذا الذي نؤكده شاهدناه في اكثر من عرض في كاليرهات امستردام واترخت ولاهاي ومدن اخرى. وهي سمة هولندية في الاساس مفادها ان اللوحة الحديثة قد خرجت عن اطر الكلاسيكية التي كانت لوحة موندريان التجريدية ولوحة فان كوخ الطبيعية ـ الرمزية تهيمن عليها, لتصبح لوحة الحياة السريعة ذات الخطوط المتشابكة والمتداخلة معلنة عن تعدد زوايا الرؤية وجعل المشاهد ناقدا ومشاركا فاقتربت الكثير من اللوحات الى فن اللعب وفن التسطيح معا, ويبدو ان العديد من اللوحات لا تمتلك فنا خاصة تلك التي لا تتعامل مع اللون بل مع المساحات الفارغة من نقطة او كتلة صغيرة مدعية الهيمنة على فضاء يمكن للمشاهد ان يضيف عليه وان يجعل منه طاقة تعبيرية منطلقة نحو التجريب ولكن على اسس قديمة وليس على قفشات ما بعد الحداثة. اضافة الى ذلك لم يكن معرض هذا العام معتمدا على اسماء كبيرة مثل بيكاسو ومونيه وموندريان من الفنانين القدامى, كما لم يكن حضور الفنانين كونييه وكارل ابل وغيرهما متميزا, بل ان عدد لوحات هذين الفنانين لا تتجاوز عشرة اعمال موزعة على اربعة كاليرهات وهذا يعني ان تطورا في حاسة السوق قد جرى تغييره بدافع ان المشاهد قد استوعب فن المتميزين وعليه البحث عن تجارب جديدة, هذا ما قاله لي احد المشرفين على احد الكاليرهات عندما تحدثنا عن التجارب الجديدة المنتشرة في معرض هذا العام. ولم يكن حضور خوان ميرو الا في اربع لوحات ولم تبع. كما غاب ايضا الفنانون العرب, اربعة فنانين في عام ,1998 ثلاثة في عام 1999 ـ بينما اقتصر هذا العام على الفنان سعد علي الذي تلقى اعماله اقبالا من قبل الزوار والسوق الهولندية ـ مما يعني ان حركة ما باتجاه تمركز الفنون في المنتجين الغربيين بدا واضحا رغم ان حركة السوق قد تجري عكس هذه النزعة. وهذا ما نشاهده في معارض للفنانين العراقيين والعرب في كاليرهات المدن الهولندية من اقبال. احتوى معرض راي امستردام 2000 على ما قدمه 627 كاليريا في اوروبا من فنانين قاربوا المئات, وبلوحات قاربت الآلاف, مما يعني ان المعرض سوق قبل كل شيء, وفن بعد ان يجد المستثمرون قدرات جديدة. فن الصورة في هذا العام ساد فن الصورة, واعني به: الفوتوغراف الذي يدخل اللوحة هذه المرة, ليس كصورة فوتوغرافية مجردة تعكس واقعا, حياديا, او موضوعا ضمن تصور فني خاص, بل تعكس الرؤية الفنية لحركة الاشياء وهي في لحظة زمنية متوهجة. كما في لوحة فوت بيرجر طبيعة واشياؤها. لذا جاءت بعض اللوحات فوتوغرافية بحتة للأشجار والناس والطبيعة وقد وضعت في سياق حكائي ما لوحة الفنان بيتر هارتمان (اجزاء من جسد طفل والعابه) ولوحة ميشيك كابا من جمهورية بنين (رجل باقراط) ولوحة الفنان مارك بورسو (رجلان) من هولندا ولوحة جويس اليك هوت من هولندا (اطفال في الحمام) , وجاءت الاخرى وقد اصبحت ارضية تحتوي رؤية فنان لا تقف نظرته عند حدود الصورة فعمل بها ما يمكن ان يحولها الى ازمنة مختلفة فاقتربت في بعض الاحيان من بنية كولاجية واخرى من بنية تصويرية متداخلة وممتزجة الالوان. كما في لوحة فوتر فان ريسين من هولندا فالصورة التي نتعامل معها بصريا معمولة كلوحة بعد ان ادخل الفنان عليها فرشاته, فغير من نسب المنظور والضياء والابعاد. وقد لا تبدو هذه الطريقة مشابهة للرسم على الورق والجرائد والمتروكات الاخرى, تلك الطريقة التي يعتمدها عدد من الفنانين العرب, انما هي محاولة لكسر اطر التعامل مع المنظور من زاوية ان يكون هناك على قماشة اللوحة تنوع اسلوبي لنا اللوحة الفوتو ـ لونية طريقة ممهدة للدخول الى عالم ما بعد الحداثة من نافذة الرؤية واليد ضربات من الزيت والاكرليك على ورق مزجا بين عفوية اليد والكاميرا. كما حضر في معرض هذا العام الجنس بكل صنوفه الجسدي والرمزي, فأعد الفنان تشكيل وتداخل الجسد مع اشياء الطبيعة من ريح وشجر وطين وماء كما لو ان الجسد يعود الينا نواة من نويات الطبيعة القديمة, ثمة امحاء فني لتفاصيل الجسد الجنسية, وابقاء الجسد بمعناه الفيزيقي مهيمنا على المنظور كقوة ميثولوجية قديمة تحضر في فنون القرن العشرين. وثمة نغمة انثروبولوجية تكمن في قيمة الاعضاء وهي تؤدي دورا طقسيا معاصرا يجسد الرغبة في امحاء ذاكرتنا من الربط بين المحرم والمقدس, بين الرغبة الجنسية والرغبة في رؤية ما في داخل هذا الجسد من قوى خفية تمارس فعلها الميثولوجي علينا. وثمة تصور اخر حضر في راي امستردام لهذا العام, وهو العودة الى براءة الكتلة البيضاء, تلك التي اسسها خوان ميرو وماتيس كما لو انها فراغ يجري تكوينه في اللحظة, لكنه فراغ ممتلئ بالاحتمالات الفكرية وربما ان اليأس الذي اصاب الفن التشكيلي الاوروبي في السنوات الاخيرة من ان اللوحة فيه ليست الا مساحة ممتلئة في حين ان فراغا روحيا يتسع في داخل هذا الانسان بعد ان هيمن السوق والتكنولوجيا على روح الكائن وجرده من طبيعته تلك التي وجد فيها جوجان شخوصه الافريقية وفان كوخ مزارعه واحذيته الفلاحية ومونيه زوارقه وجسوره الخشبية ومراعي الحديقة البيتية والبورتريهات الممتلئة حزنا ورغبة, ليأتي فراغ العالم ابيض كما لو انه فراغ آت من روح قلقة تريد ان تبحث فيه عن بؤرة واحدة مشعة لذلك ترك القماشة بيضاء بانتظار المشاهد. كما جاورت اللوحة البيضاء خطوطا حادة ومرنة تنساب بروحية اليد المتمكنة في تجسيد رغبة تحديد المساحات والكائنات التي تفرضها مخيلة فنان غربي شحبت مخيلته في القرن العشرين وما عادت الاشياء تمثل له نهاية لمساحة او بداية لها فترك خطوطه تسبح في فضاء رغبة لم تنته الى نقطة ما. الخطوط في الفراغ, هذه الهيمنة اللونية على القماشة او الورقة لم تعد بريئة لاختلاط كامن في البياض نفسه وعدم نقاوته مما يعني اننا نعيش في عالم غير نقي رغم بياضه المبهج. ووسط هذه الحال لا يجد الفنان نفسه الا ان يعمل بؤرة مركزية صغيرة في فضاء لا متناه فيعطينا تصورا ان الحياة ليست الا سديما لا يحد. لذلك كانت الكثير من اللوحات مبهمة وغائرة في الشفافية الواسعة متيحة للمشاهد ان يضع رؤيته هو الاخر الى جوار الفنان على اللوحة نفسها. ولفت انتباهي لوحات لفنان مبتدئ اعاد فيها اجزاء من لوحات لمشاهير الفنانين حمامة بيكاسو ومخلوقات خوان ميرو ومربع موندريان وشاربا سلفادور دالي وحذاء فان كوخ.. وكأنه يعيد تكوينات قارة في الثقافة من خلال منظور معاصر وتقنية ديكورية جديدة ابعدت اللوحة عن مصدرها القديم. هولندا ـ ياسين النصير