التجريب والخوض في المجهول وتشييد رحلات روحية إلى أقاصي متاهات التركيبات الحضارية, تبقى دائماً هاجس المبدع الذي يسعى من خلال توحده مع الذات الرسو إلى الضفة الأخرى لعله يجد توازنات لأسئلة حادة أرقت التفاعلات الابداعية على مر العصور, نقف في هذا العدد من (بيان الثقافة) عند ظاهرة موسيقية موطنها الغرب, ومتمثلة بالمغني والكاتب البريطاني كات ستيفنس. فمع مسيرة ابداعية توجت بتوزيع 25 مليون نسخة من أعماله الغنائية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات, واسدل الإعلام الغربي عليها الستار, مع اعتناق ستيفنس الاسلام في عام ,1979 وتغيير اسمه إلى يوسف إسلام وبعد أكثر من عقد من اغلاق ملفه الاعلامي, عاد الضجيج من جديد حول يوسف اسلام بعد اعلانه خلال مؤتمر صحفي تأييده للفتوى التي أطلقها آية الله خميني لاهدار دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي. ورغم سنوات الانقطاع الطويلة لظاهرة غنائية, نالت منها الصحافة الغربية وربطت بين نضوب النتاج الابداعي لمغني البوب باعتناقه الاسلام, ونسبت له تهم التطرف ودعم الارهاب, خرج يوسف اسلام عن صمته عبر لقاء نشر على الصفحات الالكترونية لموقع MSN التابع لشركة مايكروسوفت. يوسف اسلام الذي يعزم على القيام بجولة موسيقية لاعادة قنوات الاتصال مع عشاقه, وإزالة الصورة المشوهة التي التصقت به. وكان مجمل الحوار حول تأييد اسلام لفتوى الخميني باهدار دم سلمان رشدي, فقد استهجن اسلام وقف المحطات الاذاعية الغربية بث أعماله الغنائية, بل تطرفت بعض المحطات الاذاعية الأمريكية حين قامت بتقديم بعض النصوص من رواية سلمان رشدي (آيات شيطانية) عبر الأثير, وأضاف اسلام ان تصريحه آنذاك نقله الصحفيون بصورة مشوهة, وأكد انه مع الحريات الابداعية على أن لا تمس الشعائر الدينية ومشاعر ابناء الطوائف الدينية قاطبة, واستطرد اسلام في معرض رده على هذا السؤال انه لمن المؤسف ان هذا هو الأمر الأول الذي يقبل الناس على مناقشتي حوله. رحلة يوسف اسلام مع الديانة الاسلامية كانت بداياتها مع عام 1969 عندما تعرض لوعكة صحية الزمته الفراش لعام كامل اثر الحياة المكثفة والقلقة التي عاشها الفنان وكان تعاطي المواد المخدرة جزءا منها, بعد هذه الهزة العنيفة التي تعرض لها انكب اسلام على دراسة الأديان الشرقية, ووجد في الشرق ملاذا روحيا آمنا من قسوة التركيبة الاجتماعية للدول الصناعية. في عام 1973 اقدم شقيق اسلام على زيارة فلسطين وعاد وفي جعبته نسخة من القرآن الكريم, ليقدمها الى اسلام أو كات ستيفنس في ذاك الحين والذي أقدم على زيارة القدس في عام ,1977 أعمال إسلام الغنائية في تلك الفترة شهدت نضوجاً كبيراً في المضمون, واتضح امتزاجه بالأجواء الروحية من مدى شفافية أعماله التي غلفت بحس ابداعي مرهف, ومن أهم الأعمال التي قدمها في تلك الحقبة (قطار السلام) إذ يمثل هذا العمل انموذجاً ساطعاً في سيرة الموسيقى الغربية المناوئة للحروب. ومن أهم أعماله مجموعة غنائية صدرت باسم (بوذا وعلبة الشوكولاته) ومع عام 1977 كان تردد (اسلام) على مساجد لندن, وكذلك اصدار عمله الغنائي الأخير قبل اشهاره اسلامه وتحت اسم (العودة إلى الأرض) . ويعقب اسلام على هذه المرحلة: هناك الكثير من الاعمال التي قدمتها في السابق, وتحمل معانٍ سامية تنسجم مع تعاليم الاسلام الحنيف, وما زلت أجد نفسي في هذه الأعمال. وعن العزلة الاجتماعية التي عاشها اسلام وانخراطه في هموم المجتمع اللندني المسلم, قال اسلام: كما حور رأيي حول فتوى الخميني ونشرت الصحف في اليوم التالي على أغلفتها (كات يقول: اقتلوا رشدي!!) لقد تعرضت إلى حملة شرسة اثر اسلامي, وعمل الاعلام على تشويه صورتي بشتى الوسائل, فعلى صعيد الانتاج الموسيقي, لم يكن الاسلام عائقاً لدخولي إلى الاستوديو لتقديم أعمال لم يرق لصناع الموسيقى في الغرب تسويقها كسابق أعمالي الغنائية, لكن هذه الاعمال وجدت صدى واسعاً في العالم الاسلامي وتحديداً في تركيا, عموماً انا انسان اعتز بحسي المرهف وقد وقفت دائما في وجه النزاعات والحروب وانخراطي في العمل الاجتماعي الخيري لا يعيبني, ولا يسعني هنا إلا أن استشهد بمقطع من عمل غنائي قديم (لماذا يجب أن ننخرط بدوامة الكراهية والحقد, لماذا لا نعيش في ظلال البركة) . وحول استفسار طرحه محاور يوسف اسلام لماذا لم يطرح تصريحاً ينفي تلك العناوين الرنانة التي أطاحت بسمعته في المجتمع الغربي, أجاب اسلام انه فعل ذلك لكن هذا التصريح لم يجد مكانه على العناوين الرئيسية!! وتطرق اسلام الى أعماله الاخيرة التي عالجت مأساة حروب البلقان, فكانت البداية مع لقائه بوزير خارجية البوسنة دكتور عرفان اثناء زيارته للندن, والذي كان من أشد معجبيه في أيام الصبا, وقدم له في ذلك اللقاء شريطاً لعمل غنائي بوسني اسمه (لايوجد لدي كاميرا) وبعد فترة وجيزة من هذا اللقاء حملت الانباء خبر مقتل الدكتور عرفان بينما كان في طائرة مروحية في سماء البوسنة, هذا الحدث كان دافعاً لإسلام لمتابعة حيثيات المأساة البوسنية, وعاد إلى الشريط الغنائي الذي قدمه له الوزير الراحل, واستشف من هذه الموسيقى البلقانية أجواء روحية مليئة بالأمل, ومن هذه القاعدة قدم اسلام مجموعة غنائية عالجت مأساة البوسنة ومن الأغنيات التي تضمنتها المجموعة اغنية (الصغار) التي قدمها لاطفال (سراييفو) . وانهى اسلام لقاءه بحديثه حول مشروع ينوي تقديمه مع محطة VH1 الموسيقية المتخصصة, وهو فيلم وثائقي يحمل عنوان كات ستيفنس .. ما وراء الموسيقى) الذي يرمي من خلاله مد جسور التواصل مع عشاقه وايصال رسالة بسيطة مفادها ان حياة مغني البوب الذي لمع نجمه في عقدي الستينيات والسبعينيات لم تتغير, بل تطورت ليكون أكثر فاعلية ويحاول إحداث التغيير في هذا العالم. والسؤال المؤرق هنا, لماذا لا تصبغ الحيادية وسائل الإعلام العالمية, هل لان ثمة اصابع يهودية تعبث باتجاهاتها, أم ان الاسلام عامة والعرب خاصة, رغم انهم يشكلون نسباً كبيرة من الجاليات في العالم, لا يسعون لاثبات ذواتهم ودياناتهم وثقافاتهم خارج حدود بلدانهم.