المأساة التي شهدها مهرجان (روزكيلد) الدنماركي في مطلع الشهر الجاري, وذهب ضحيتها سبعة قتلى تراوحت اعمارهم بين (17 ـ 26) عاماً اثر تدافع حشد من الجمهور تجاوز الخمسين الفا, مع صعود فريق (بيرل جام) الامريكي على منصة العرض. الحادثة هي واحدة من سلسلة احداث عنف شهدتها المهرجانات الموسيقية كان اولها في عام 1979 في حفل لفريق (The Who) البريطاني وراح ضحية العنف احد عشر شخصاً. ظاهرة العنف الموسيقي التي تجتاح المجتمعات الغربية تستدعي التوقف والتحليل, فرغم ان الدراسات التقليدية للموسيقى على اعتبارها افرازا سيسيولوجيا للمجتمعات ترى ان الابداع الموسيقي هو فعل حضارة, وجد البيئة الخصبة لرواجه وتطوره في الحضارات الغابرة بالمعابد الدينية والتي كانت اداة للارتقاء بالنفس البشرية, وارتبط دائماً الابداع الموسيقي وتحديداً بالحقبة الكلاسيكية للموسيقي الاوروبية, بالسكينة والهدوء رغم وجود كم كبير من اعمال سيمفونية تحمل صخباً وعنفاً موسيقياً يحاكي اطروحات وجودية حملتها هذه الأعمال. ومن البديهي ان العنف والقسوة والصلابة هي من الصفات الوثيقة بالتركيبة البشرية, وكانت محركاً ومحدداً للكثير من التفاعلات التاريخية الحاسمة, لكن لم تكن هذه الصفات تتجلى بالمبدع الموسيقي عندما كان يقف امام وقار السلم الموسيقي, وظل الارهاف الحسي هو المرتبط بمجمل الاطوار الموسيقية على مر العصور, مع وجود بعض الاستثناءات, كإيقاعات طبول الحروب التي حملت رهبة بطش الجيوش معها. منتصف القرن الماضي كان شاهداً لطفرة موسيقية, أفرزتها تحولات سياسية واجتماعية كانت بداياتها مع الثورة الصناعية وتجلت اثارها مع وضع الحرب العالمية الثانية اوزارها. واستقت هذه الطفرة الموسيقية التي اضحت لاحقاً طوراً موسيقياً مستقلاً من موجة الحداثة التي اجتاحت الابداع في شتى مجالاته الادبية والتشكيلية والمسرحية. التعبيرية كانت واحدة من المناهج التي وظفتها هذه الموسيقى الحداثية, لتظهر صيغ موسيقية معبرة عن احساس افراد الطبقة العاملة والوسطى في الغرب بالقهر والظلم, حيال الآلة الرأسمالية التي احكمت الوثاق بسير المجتمعات البشرية, ومن واقع النزاعات والاضطرابات السياسية والاجتماعية, حملت هذه الموسيقى عناوين رئيسية كالحرب, الطبقية, الفقر, التشرد, الحرمان, التفكك الاسري, القتل البيئي. وبالاعتماد على تقنيات صوتية حديثة, تمت ترجمة الضجيج والضيق الداخلي الى ثورة موسيقية, واضحت الموسيقى الصاخبة اداة فعالة لتمازج وتلاقح الافكار الراديكالية, وتمثل هذا الفعل الموسيقي الحضاري بمهرجان woodstock في عام 1969 في نيويورك وجمع عشرات الفرق الموسيقية, بحشد من المتلقين وصلوا الى نصف مليون شخص والذي اصبح تقليداً سنوياً لاحقاً, استنسخه الاوروبيون بمهرجان (روزكيلد) الدنماركي السابق الذكر, ومن هنا يمكننا التطرق الى كيفية تعامل المتلقى مع هذا النمط الموسيقي, فحالة الوعي التي سادت في تلك الحقبة, وذلك لكون هذا الضجيج او العنف الموسيقي ينسجم مع معطيات البيئة المحيطة وتعبر عن قضية جوهرية تعصف بحياة ومستقبل المجتمعات, تبددت مع مرور السنين واثر رؤى ومناهج اعلامية مدروسة, القيم التحررية والانسانية التي التصقت بهذا النمط الموسيقي, وترسبت الصيغ الموسيقية العنيفة والمفعمة بالضجيج والثورة, واضحت بلا قيم اخلاقية, مع تبخر تلك الافكار الراديكالية من الذاكرة الجمعية للمجتمعات البشرية, مع التحولات السياسية التي اودت الى احادية القطب وسيادة المبدأ التنافسي لنظام السوق الحر. ويمكننا الاستشهاد على ذلك باجراء مقارنة بين مهرجان woodstock في عام 1969, والمهرجان نفسه في عام 1999. فبينما سجلت عدسات الكاميرات في المهرجان الاول لوحات جمالية كانت عناصرها توحد المتلقين مع الموسيقى, وقيامهم بممارسات وطقوس عبرت عن جوهر التجمع الذي يرمي الى عودة البشر الى القيم الانسانية السامية, وتوحدهم مع الطبيعة لا قتلها ونبذ القتل والحروب والكراهية بالحب والتسامح, شهد مهرجان woodstock في ذاكرة الثلاثين احداث عنف دامية واعتداءات على رجال الامن وتخريب للتجهيزات العامة للمهرجان, رغم ان (ريتشي هيفنز) هو نفسه الذي افتتح كلا المهرجانين بأغنية (الحرية) !! ويبقى التساؤل المعلق, ما الذي يدفع هؤلاء الشبان الى التوحد مع المادة الموسيقية الى درجة الهيستيريا, والتي ينتج عنها ممارسات عنيفة احيانا, كانت احدى نتائجها مأساة مهرجان (روز كيلد) الدنماركي. من ضمن الاطروحات التي قدمها بعض الاخصائيين في الغرب حول ظاهرة العنف الموسيقي مفادها ان الفرق الموسيقية هي التي تسبب العنف والقسوة في نفوس الشباب, لكن في المقابل لا يمكن تعميم ذلك, او ربطه بهذه الظاهرة, ففريق (بيرل جام) الامريكي الذي شهد امام منصة عرضه في مهرجان (روز كيلد) وفاة ثمانية اشخاص, تحمل أعماله الموسيقية مضامين وفيما انسانية رفيعة, وجاءت اعماله بأساليب ادبية متجددة ومحكمة في كتابة الاغنية. وعلى الصعيد الاخر تجد كتابات بعض النقاد متحيزة الى ظاهرة العنف الموسيقي, على اعتبار هذه الانماط الموسيقية عقارا ابداعياً يعمل على امتصاص الاضطرابات النفسية التي لم تستحدثها بالاصل الجيتارات المعدنية بل هي نتاج لمشاكل العصر التي تبدأ بالبطالة وقد تنتهي بالادمان او الاقدام على الانتحار, يمكننا القول ان مجمل النتاج الموسيقي قد اضحى في الغرب استئصال لمعطيات عصر المعلومات والعولمة, وبات فعل حضاري منغمس في احداث توازن مع الاضطراب الكوني الذي تعيش. كتب: اشرف الشكعة