مثل أشياء كثيرة تسقط من جيوبنا أثناء رحلتنا الطويلة. ولا نجد الوقت وربما الرغبة في التقاطها, هكذا يبدو الغناء الشعبي.. وهكذا حال الأغنية الفلكلورية.. والفلكلور الغنائي المصري حالة خاصة من الغناء شكلته أصوات (العامة) ، رجالا ونساء وأطفالا في أحزانهم وأفراحهم ولحظات توترهم وبعيدا عن بلاط الملوك أو أسوار الإعلام الحديث . تعبير حقيقي عن الناس ومشاعرهم يمتد تاريخه أكثر من سبعة آلاف عام حيث كانت حضارة موسيقية وغنائية سجلها التاريخ, فألآلات الموسيقية المصرية القديمة التي عثر عليها في مقابر المصريين القدماء, والتي نجدها الآن في معظم متاحف العالم الكبرى, وقد أمكن العزف عليها بالفعل, وكذلك الرسوم التي في المعابد والمقابر, كل ذلك يؤكد أنه كان على ارض مصر منذ أكثر من 4000 عام قبل الميلاد حضارة موسيقية متقدمة ناضجة جاوزت بكثير مراحل البدائية كما كانت بمصر معاهد لتعليم الغناء والعزف والرقص داخل المعابد.. ولكل معبد فرقته الخاصة من الموسيقيين والمغنيين والراقصين . وفي بداية عصر الدولة الوسطى التي بدأت من الأسرة الثانية عشر اكتمل السلم الخماسي الذي تميزت به الموسيقى الفرعونية بشكل عام, السلم الخماسي هو السلم الذي تبنى عليه موسيقى مناطق كثيرة من العالم ويتكون من خمس درجات موسيقية مثل الموسيقى السودانية والإفريقية عموما والإسكتلندية والصينية واليابانية ومنطقة جنوب شرقي آسيا وبعض مناطق أمريكا اللاتينية. كما تطور فن صناعة وتركيب الآلات الموسيقية الوترية وزاد عدد أوتارها وأنواعها وأحجامها مثل الجنك (والكنارة) أو القيثارة وهي تشبه الطنبورة أو السمسمية تماماً في الشكل والتصميم, كما زادت أيضا ثقوب آلات الناي والصفافير دليلا على تطورها واتساع مساحتها الصوتية . وقبل نهاية الأسر المصرية القديمة بدأت فترة التفاعل بين مصر والدول المجاورة التي احتلتها لفترات متقطعة مثل الأشوريين والفرس, حتى احتلها الإسكندر الأكبر عام 332 ق . م وهنا أعطت الحضارة المصرية القديمة الحضارة اليونانية الكثير كما أخذت منها .. وبدأت اللغة اليونانية تصبح اللغة الرسمية في مصر, كما استخدمت المقامات الموسيقية اليونانية القديمة إلى جانب السلم الخماسي المصري. أما في أعماق مصر فقد ظلت اللغة الفرعونية الهيروغليفية والموسيقى الخماسية هي السائدة في الأوساط الشعبية, وحين غابت شمس الإمبراطورية اليونانية بعد أن هزمتها الجيوش الرومانية, أصبحت مصر في عام 31 ق . م ولاية رومانية. وظلت كذلك حوالي سبعة قرون فيها انتشرت المسيحية وأزيلت بعض المعابد الفرعونية كمعبدي إيزيس وإيزوريس, كما حرم أداء الصلوات بها, لكن في الوقت نفسه لم تجد الألحان والتراتيل والأناشيد المسيحية الجديدة في أول الأمر صدى لدى نفوس المصريين مما اضطر الرومان إلى السماح بالاحتفاظ بالألحان الفرعونية القديمة, ولكن بعد أن وضعوا عليها نصوصا جديدة باللغة القبطية وبذلك بدأت تنتشر في مصر إلى جانب اللغة المصرية القديمة.. ولعل هذا هو اساس النظرية التي تقول: إن الموسيقى والألحان القبطية تحمل في طياتها البقية الباقية من التراث الغنائي الفرعوني وبقايا اللغة الهيروغليفية. كما حدث التداخل بين السلم الخماسي (الفرعوني) والسلم السباعي القبطي الذي بدأت تظهر فيه ملامح المسافات المتوسطة أيضا, أي أرباع الاتوان التي ليست في السلم الخماسي. وهذا ما يؤكده وجود هذه المسافات في التراتيل القبطية الموروثة حتى الآن في الكنائس . وفي عام 641م جاء العرب إلى مصر وانتشر فيها الإسلام وبدأت اللغة العربية تنتشر في خط مواز لاختفاء اللغة القبطية. وقد حمل العرب معهم طابعهم وتراثهم الذي سرعان ما انتشر أيضا.. وبذلك كان لهم تأثيرهم الكبير في العلاقة بين الموسيقى والغناء العربي والمصري القبطي الفرعوني. وتعاقبت على مصر عصور الخلافة الأموية والعباسية والفاطمية وفيها صارت مصر ملتقى الحضارتين الشرقية والأندلسية.. وفي دولة المعز لدين الله تألقت في هذه الفترة موسيقية الشعب المصري وميله الفطري للفنون ومازال إلى الآن كثير من عاداتنا وتقاليدنا وأغانينا الشعبية والفلكلورية في مختلف المناسبات والأعياد والأفراح ترجع إلى ذلك العصر برغم تعاقب مئات السنين.. أما في عصر الدولة الأيوبية فقد بدأت الفنون تضمحل لانشغالهم في الحروب الصليبية واستمر الوضع هكذا حتى وقعت مصر تحت حكم الاتراك في 1517 م وبدأ بذلك العصر الأسود في تاريخ مصر الفني, والذي ظهر خلاله نوعان من الموسيقى: أولهما موسيقى القصور ولها الطبقة الممتازة من المغنيين والعازفين المحترفين الذين يخدمون فقط طبقة الحكام والولاة والأكابر بعيدين كل البعد عن الشعب الذي بدأ يغني لنفسه محافظا على تراثه الحقيقي وتقاليده وعاداته مبدعا وخلاقا في إطاره.. وذلك حتى دخول الحملة الفرنسية مصر عام 1798 م وفيها حدث العكس حيث استقدم نابليون معه العلماء الفرنسيين لينهلوا من الحضارة المصرية بكل فروعها وعلومها وفنونها ومنها بالطبع الموسيقى كما توضحه الدراسة الهامة التي وضعها فيلوتو عن الموسيقى الشعبية في مصر والتي تعد إلى الآن من أهم المراجع التي يعتمد عليها الباحثون.. وفي عام 1811 م جاء محمد علي إلى الحكم وأدخل الموسيقى الأوروبية إلى مصر, واستقدم مدربين أجانب لتدريس الموسيقى لفرق الجيش وافتتح لذلك مدارس متخصصة .. وقد تبعه أولاده في الخط نفسه, حتى كان افتتاح دار الأوبرا المصرية عام 1869 من أهم المظاهر التي فتحت مجالا لظهور الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية في مصر.. أما الشعب فقد كان في واد آخر, له موسيقاه وأغانيه التي تناسبه وتعبر عن واقعه وحياته, وأصبحت مصر واقعة تحت الاحتلال البريطاني سنة 1882 وقد كان مما أحدثه ذلك إيقاظ الروح الوطنية المصرية التي ظهرت واضحة في ثورة 1919 وصاحبتها ثورة أخرى في الأغنية, فقد ظهرت لأول مرة الأغنية الوطنية الجماعية التي رددها الشعب في أثناء المظاهرات, إلى جانب ظهور الأغنية الشعبية الصميمة, وصار الغناء بأنواعه يعتمد على منابع من الأغنيات الشعبية والفلكلورية التي أبدعها أبناء الشعب نفسه, وقد تجلى ذلك واضحا في ألحان سيد درويش ومن ساروا على خطاه حتى اليوم .. وتتميز الأغنية الفلكلورية الشعبية في مصر بسمات البساطة والسهولة والعذوبة وربما ينبع ذلك من أسلوب تركيبها وبنائها.. حيث يدور اللحن فيها حول عدة درجات صوتية أو نغمات أو (تونات) تبدأ من لحن مبنى على درجة واحدة (مونوكورد) . وهذا النوع من الألحان يتميز بطابعه وقيمته الإيقاعية دون اللحنية التي تعتمد بدورها على التقطيع الإيقاعي العروض للأغنية.. وهو بذلك يبدو إلقائيا أكثر منه غنائيا أي منغما. وهذا النوع يكثر في أغاني العمل الجماعية وأغاني وصيحات الأفراح الإلقائية الجماعية التي تؤديها الفتيات ويصاحب هذا النوع دائما التصفيق بالأيدي بإيقاع منظم واضح, أما في أغاني العمل فيكون الإيقاع هو حركة العمل نفسها وإيقاعها المنتظم . وهناك أيضا أغنيات مبنية على نغمتين أو ثلاث, وتكثر في أغاني المهد والعديد والحجيج وكذلك في أغاني الأفراح وأغاني وألعاب الأطفال وتدور في الألحان متسلسلة ومتدرجة صعودا وهبوطا ببساطة وسلاسة لحنية.. حتى يستطيع أن يؤديها الجميع بسهولة . وتتطور الأغاني الفلكلورية لتصبح ألحانها أكثر تقدما, حيث تصل في بنائها أحيانا إلى سبع أو ثمان نغمات أو درجات ـ أي سلم موسيقي كامل ـ وهذه تعتبر قمة في ثراء اللحن.. والغالبية العظمى من الأغنيات الفلكلورية المصرية بمختلف أنواعها مبنية على أحد المقامات العربية الرئيسية في الموسيقى العربية (البياتي, الراست, العجم, النهاوند) وذلك في معظم أنحاء مصر, وخصوصا الدلتا والصعيد . ومن أهم مميزات الأغنية المصرية الشعبية أنها جماعية الأداء, في غالبية أنواعاها وأشكالها مما يحقق الترابط والتآلف كما يبدو واضحا في أغاني العمل والأفراح وغيرها .. وفي هذه الأنواع تنقسم جماعة المؤديين إلى قسمين يتبادلان الأداء حواريا وهو ما يعرف بالأسلوب (الأنتيوفوني) أي تضاد الأصوات وتقابلها في أسلوب حواري .. أو بين مجموعة وصوت منفرد (صوليست) والمجموعة الرئيسية تقوم في العادة بأداء اللحن الرئيسي للأغنية أو (الكوبليهات) على حين تقوم الجماعة الأخرى بترديد اللازمة فقط بعد (الصوليست) أو تقوم بترديد كل ما يؤديه . وقد تتقاسم المجموعتان الأداء بالتساوي, وقد تكون للمجموعة الأخرى (الكورس) دور ثانوي لا يخرج عن مجرد إلقاء بعض الكلمات أو الصيحات مثل (الله الله ـ ياسلام ـ صلي) .. التي تكمل المعنى أو الجملة الموسيقية أو القافية.. وتتميز الأغنية الفلكلورية المصرية أيضا بطابعها اللحني المنفرد أي ذات خط لحن واحد يعتمد على (الميلودية) بعيدا عن أي نوع من أنواع تعدد الأصوات المعروفة والتي ينتج عنها الاستماع إلى عدة اسطر لحنية مختلفة في وقت واحد .. ولكننا في الوقت نفسه قد نجد أنواعا بدائية من تعدد الأصوات الطبيعي والتلقائي الذي ينتج من اختلاف نوع وعمر المؤدين واختلاف طبقاتهم الصوتية, وأنواع أخرى من تعدد الأصوات البدائي يحدث دون قصد في أثناء الأداء الجماعي ويسمى بالهارمونيات العارضة . وهناك خاصية أخيرة للأغنية الفلكلورية المصرية تتلخص في أنه ليست لديها مصاحبة آلية موسيقية, إنما هو مجرد أداء وإنتاج غنائي فقط يعتمد على الصوت البشري وحده حيث لا نجد سوى المصاحبة الإيقاعية فقط .. أما استخدام الآلات الموسيقية فيصاحب المحترفين فقط بعيدا عن الغناء الشعبي الحقيقي ..