بعد صمت دام عشر سنوات عاد الفنان السينمائي الكبير مايكل انجلو انطونيوني إلى العالم السينمائي الذي أحبه بفيلم (فوق الغيوم) , وانطونيوني يعتبر أحد أهم مخرجي السينما الايطالية الذين زينوا صدرها بوردة يعبق منها أريج الشعبية العالمية التي اكتسبتها خلال فترة ليست طويلة. انطونيوني هو ذلك الشيء النادر: مفكر يحمل كاميرا, فأفلامه تدور حول الانفصال بين الرفاهية المادية والفراغ العاطفي, وأغلب شخصياته من الأثرياء والناجحين والأذكياء الذين يشعرون رغم ذلك باستياء جماعي من حياتهم, فكيف إذن تحقق ذاتك؟ وإلى أي حد يمكنك التكيف مع المجتمع الذي تعيش فيه؟ وبالمقارنة بكل مخرجي الستينيات, كان انطونيوني أفضل من قدم الاغتراب في قالب ساحر, كما منحه شكلاً مرئياً مذهلاً, بتحديد أماكن الكاميرا لتجعل من كل لقطة تعليقاً بليغاً على التوتر بين أبطاله وبيئتهم. أثناء تصوير ثلاثية الكسوف, قال انطونيوني هذه العبارة عن صناعة السينما وتقدم الروح الانسانية: (ماذا فعلنا حتى الآن؟ لقد تفحصنا المشاعر بدقة, وشرحناها وحللناها بشكل كامل, هذا ما استطعنا فعله, لكننا لم نستطع اكتشاف مشاعر جديدة) , وان اكتشاف عواطف جديدة هو الذي يعين الهدف الايجابي أو الطوباوي الذي لا تمثل الغربة السلبية إلا مرحلته الأولى, وإذا استعدنا في الأذهان اهتمام انطونيوني المبكر بكتابات هيجل وماركس والموقف التقدمي أو التحولي الذي ينطوي عليه فكرهما, أو ترحيبه بالايرميتيشيسمو الايطالية, فن شعري يشكل الاسلوب فيه مقارمة لامتثال فاشيستي, أو في ثيمة (مكروني) سيناريو غير مصور حيث حرية مطلقة تعطي للذات, والتحول الاجتماعي يتم تحقيقه عند الحد القانوني لمناطق نفوذ منهارة شخصيا وسياسيا, عندها فإن مدى صلة توقعاته بما يخص عواطف جديدة لن تكون مستغربة أو غريبة على طريقة تفكيره, في كل اهتماماته, الموضوع المشترك هو تقدم الذات (الروح) خارج الماضي وإلى الحاضر, باحثة عن اتفاقات جديدة أو علاقات (تماثلات شخصية وتعاطفات) مع عالم متغير على الدوام. ولد انطونيوني عام ,1912 وبعد حصوله على شهادة جامعية في الاقتصاد عمل محررا صحفيا مركزا اهتمامه بالكتابة عن السينما وشئونها حيث عمل في مجلة السينما محررا, وكانت المجلة خاضعة لسلطات موسوليني الفاشية, وقد استطاع انطونيوني بمساعدة أصدقائه من المثقفين أن يحولوا فكر المجلة باتجاه تقدمي في وقت بدأت فيه بوادر حركة سينمائية جديدة على يد روسليني, وفيسكونتي وفلليني وغيرهم, الا ان انطونيوني لم يلبث أن طرد مع زملائه من المجلة المذكورة فعاد ينكب على تعلم أصول الاخراج السينمائي عبر تجارب ذاتية محضة, حيث ساهم بكتابة سيناريوهات عدة أفلام قصيرة إلى أن تسنى له اخراج أول أفلامه الطويلة (قصة حب) 1950 وفيه يطور الصراع الذي مر به اثنان من العشاق, اللذان تجمعهما ذكرى جريمة قتل, فيحاولان بعد ذلك أن يضعا خطة لقتل الزوج ليعثرا بعد ذلك على الحرية, لقد أظهرت هذه القصة اهتمام انطونيوني بالروايات البوليسية, الا انها تعتبر ايضا أزمة سيكولوجية يذكر وقعها بالكاتب الفرنسي فولبير. ومضى انطونيوني في اخراجه للأفلام, فقدم (المنهزمون) 1952 وهو فيلم من ثلاث حلقات عن أزمة الشباب في أوروبا, ثم اخرج فيلم (غادة .. بدون كاميليا) 1953 عن أفول نجم احدى كواكب السينما, في محاولة انتحار وأخرج فيلم (الصديق) 1954 (نال جائزة مهرجان فينيسيا), ثم حقق بعد ذلك فيلم (الصرخة) 1957 وهو فيلم بارز عبر عن نبوغ انطونيوني وثبات قدمه في مجال الاخراج كواحد من فناني روما الكبار الجدد, ونال عنه جائزة النقد في مهرجان لوكارنو. دور المرأة والواقع ان انطونيوني يبدي اهتماماً كبيراً بالأحوال السيكولوجية لجميع شخصياته, وأصغر حركة عنده, وأقل نظرة من شأنها أن تكشف عن أي سر كامن في الكائنات. وتحتل المرأة في أعمال انطونيوني دوراً متميزاً, ويتضح ذلك في الثلاثية الوجودية, التي ضمت فيلم (المغامرة) 1960 الذي حاز على جائزة في مهرجان كان وفيلم (الليل) 1961 وفيلم (الكسوف) ,1962 ففي فيلم المغامرة, نرى رجلاً وامرأة يبحثان عن فتاة اختفت هي عشيقة للرجل وصديقة حميمة للمرأة, ويؤدي بهما هذا البحث إلى نشوء علاقة عاطفية بينهما, وفي فيلم الليل, قدم انطونيوني, أحداث يوم في حياة أحد الكتاب وزوجته, في الوقت الذي يزول فيه الحب والمتعة من حياتهما معا, إزاء الرتابة اليومية, وشعور الشفقة المتبادل بينهما, أما فيلم الكسوف فإنه يصف مولد حب, أو ما قد يكون سراب حب, لا يلبث أن يزول ويمحى عند أول موعد لا يحضر فيه أي من الاثنين. إلى هذه الثلاثية يضاف فيلم (الصحراء الحمراء) الذي فاز بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا عام 1964. (الصحراء الحمراء) من تمثيل: مونيكافيتي وريتشارد هاريس .. وهو العمل الروائي العاشر لانطونيوني, ولئن كان عملاً يستدعي من المشاهد أن يستشعر به أكثر من أن يفهمه إلا أنه ينطوي على عودة واضحة لتناول الفكرة التي ما برح هذا المخرج الفذ يتناولها ويطورها في أفلامه الواحد تلو الآخر, تلك هي فكرة تغيير العواطف وافتقاد الحب في مجتمع متقدم. مرة أخرى نحن أمام مأساة الانسان العاطفي, انعدام التوازن النفسي والقلق على المصير والاغتراب داخل المجموعة في مرحلة بلغت فيها التخمة المادية حد التشبع وتحولت عندها عملية الحب الى نوع من ألعاب التمركز حول الذات يلعبها الأثرياء أبطال انطونيوني العاجزين دوما عن إقامة علاقة حب حقيقية عن طريق الحوار فلا يبقى أمامهم لإخفاء هذه الحقيقة المخزية سوى اللجوء إلى ممارسة الجنس وفي الفيلم, قد لاتكون الصحراء الحمراء في الواقع سوى تلك الغرفة الصغيرة في الكوخ الخشبي حيث تلتقي حفنة من (الأصدقاء) يحوم حول رؤوسها سؤال هو: ماذا نفعل الآن؟ والجواب هو التحدث في أمور جنسية لبعض الوقت ومن ثم الانتقال إلى فراش واسع لممارسة بعض النشاطات المتصلة بموضوع الحديث, وكالعادة لا يرتفع الجنس بأشكاله المختلفة عن كونه صورة المحاولة الأخيرة التي يبذلها البعض للوصول الى تحقيق حد أدنى من السعادة وإذا بالمحاولة تبوء بالفشل فهي لم تكن تعبيرا عن الحب والتواصل بين هذه وتلك بقدر كونها بحثاً عن علاج أو مسكن, وفي النهاية تأتي اليقظة قاسية بل ومرعبة وإذا كان ديكور الغرفة قد حلقه التغيير فإن أحداً من أفراد الزمرة لم يتغير ويعود كل واحد للانغلاق على ذاته المقفرة وما من جديد. ولعل الكيفية التي استخدم فيها المخرج الألوان وعلى المستوى التجريبي فهذه هي تجربته الأولى مع اللون ـ ليعكس حالة القلق والاضطراب النفسي لدى البطلة ولحياتها ضمن بيئة صناعية متجهمة وساحقة, لعل هذه الكيفية هي أهم ما يستدعي اعجاب المشاهد, والكثير من النقاد نظروا الى تجربة انطونيوني هذه بذهول مفعم بالتقدير, هذه المواضيع المتكررة, لاديمومة الحب, صعوبة التواصل, سهولة الخيانة, خيانة الشخص لنفسه أو لغيره ـ تسيطر على انطونيوني الى حد الامتلاك, لقد قال: (الناس قد عافوا الحب, ولابد من تقدم ما في المواقف الاخلاقية والعاطفية معادل لتقدمنا في التكنولوجيا. على ان اهتمامات انطونيوني تشعبت بعد ذلك عندما أخرج فيلم (انفجار) 1966 وفيه يتناول الصراع بين المظاهر والواقع, التي كان ضحيتها أحد المصورين حيث يسجل انطونيوني لقطات متنافرة من حياة مصور شاب يمتهن التصوير كوسيلة للارتزاق, حائر في زمن ضاعت فيه القيم والأخلاقيات, وفي الفيلم كرس انطونيوني اهتماما كبيرا, على ما تلتقطه العدسة .. حيث قام بتعميق الخطوط والمساحات اللونية عند الأجزاء القيمة في الصور وحذف الخطوط والمساحات اللونية التي تغطي ملامحها مما يترك المنظر في النهاية أشبه بالتكوين الهندسي المرسوم بالابرة, وقد اهتم بالألوان اهتماماً كبيرا في عكس الانطباع الذي يريده, لذلك جاءت الألوان الطبيعية لبعض المشاهد أكثر توهجاً مما هي في الحقيقة, وعن هذا يقول (إن الألوان أصبحت بالنسبة لي ذات أهمية كالممثلين أنفسهم, كما أؤمن بأن كل تأثير درامي من الممكن عرضه عن طريق اللون, وكذلك فإنني عندما أضع ممثلاً في حدث معين أمام لون معين فإني في قدرتي أن أجعل المتفرج مستعداً لمعرفة هذا الحدث قبل وقوعه, وباللون أيضاً استطيع أن أجعل المتفرج يقف على ما بداخل الممثل وما سوف يؤديه وذلك دون ديالوج ومن هنا فإن اللون يخفف الديالوج إلى حد كبير كما يربطه به) . وعلى أثر النجاح التجاري الواسع لفيلم (انفجار) دعي انطونيوني إلى هوليوود لكي يخرج فيلما, تكون له فيه مطلق الحرية, فقدم في الولايات المتحدة فيلمه (نقطة زابريسكي) الذي كان صيحة جزعة لإنسان حر في عالم ما زالت الرأسمالية تفرض قوانينها وأخلاقياتها فيه, وفي الفيلم سخرية مرة من مظاهر التقدم في المجتمع الأمريكي, ويقول انطونيوني: (أنا أقدم في كل فيلم من أفلامي اعلان احتجاج ضد هذا العالم) . اهتمام صيني ومن ثم تحول اهتمام انطونيوني إلى الصين, حيث أخرج فيلما تسجيليا كبيرا هو (تشونج كوو) 1972 للتلفزيون الايطالي, وبعد ثلاثة أفلام أخرى انجزها للتلفزيون خارج ايطاليا, عاد انطونيوني إلى بلاده وقدم فيلم (تعريف امرأة) 1982 الذي قال حوله: (هذه قصة جد ايطالية, تعالج مع ذلك موضوعات عالمية, أحدها الحب, وهو موضوع قديم قدم الدنيا, مع شيء ما جديد, حديث داخل وحول الصفات البشرية, أرجو على الأقل أن يكون الأمر كذلك, إن الشخصية في الفيلم مخرج سينمائي يعيش في روما, يبحث المخرج عن امرأة, لا عن امرأة مثالية, بل عن صورة انثى سوف يركز حولها فيلمه, إن أفكار المخرج ما تنفك غامضة وجد متداخلة. خلال بحثه تربطه علاقة بامرأتين كل منهما تمثل نموذجاً مختلفاً عن الأخرى, وهذا ما يزيد من تخبط أفكاره لأن من السهولة بمكان أن ينتقل واقع الواحدة منهن إلى خيال, ههنا يتولد نزاع ما بينه وبين امرأتيه, بين نفسه وبين تصورات خياله الفنتازي, وبين نفسه وبين حياته, ذاك هو أساس الفيلم) . بعد كل هذه المسيرة الفنية الحافلة التي حملت معها معاني لصور ورؤى لمخرج مميز يعود انطونيوني مع شريطه (فوق الغيوم) 1995 وفيه يوظف أربع قصص تقع أحداث اثنتين منها في ايطاليا والباقيتين في فرنسا, وترسم عوالم يتداخل في تشكيل صورها تقلبات فصول السنة مع المشاهد المعمارية وتغيرات الطقس وحالات الشد في العلاقات الانسانية وقسوة انفصال الأحبة, وكلها تجتمع من خلال مخرج (الراوي), الذي هو بمواصفات انطونيوني (الممثل الأمريكي جون مالكوفيتش) يبحث عن أماكن مناسبة لتصوير فيلمه, وبصحبة مجموعة من نجوم السينما الأوروبية, ونحن هنا أمام علاقات حب مستحيلة, أولها (تأريخ لعلاقة حب لم تقع), تدور في مدينة انطونيوني فيريرا, عن مدرسته جميلة (أنيس ساستر) تقع في حب شاب, ولكن العلاقة لم تتطور إلى أبعد من لقاءات مختصرة, والثانية تجمع المخرج مالكوفيتش مع شابة تعمل في محل لبيع الملابس (صوفي مارسو) تحمل ذنب قتل والدها طعناً, وسرعان ما يجدها في فراشه الا انه يبقى مشدوداً إلى وضع تلك الشابة التي عدت طعنات والدها أكثر من الاستمرار في علاقته, فيقرر الانسحاب, أما القصة الثالثة فتدور أحداثها في باريس عن تدهور علاقتين زوجتين, فالزوجة (فاني أردن) تهرب من زوجها الذي يخونها (بيتروولر) إلى شقة حديثة لتجد نفسها على وشك علاقة عاطفية مع (جين رونو) الذي هجرته زوجته, بعد أن فوجئت بأنه استأجر الشقة نفسها التي هربت إليها, في حين تتابع الرابعة (هذا الجسد الوسخ) قصة ملاحقة نيكولو لجارته الشابة (ايرين جاكوب) في شوارع بروفانس الفرنسية, حتى تصل إلى كنيسة تجد فيها هدوء مشاعرها بعيداً عن العلاقات الدنيوية. تبدو لمسات المخرج الألماني فيم فيندرز, الذي ساعد في انجاز هذا الشريط واضحة إلا أنها بقيت في حدود الاشارة الخضراء من استاذه انطونيوني, خصوصا في اختيار الأماكن والأشكال ونبرات الشخصيات, ويمكن تلمس ذلك في أن أحداث الفيلم مرت بقصور النهضة الايطالية بكل ما تحتويه من بهاء, وصولاً إلى وحشة الشقق الفارغة, فالشخصيات ضمن هذه المعادلة تبدو هشة, تدخل وتخرج من اللقطة باعتبارها أطيافاً لا تغير كثيرا من جمالية المكان, سوى انها تبحث عن معنى لوجودها فيه, لذا فان أشخاص انطونيوني لهم وقع يتشكل مع سيرورة الفيلم على خلاف البطل الأمريكي الذي هو بطل حركة ويكتسب معناه من خلال حركاته التي تبرر وجوده وتفرز معناه.