هل ذقت مثلي الألم اللذيذ؟ بودلير الى جانب الكتابات الفلسفية والمواقف المثيرة للجدل للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905 ـ 1980) كانت له مؤلفات مسرحية وروايات وقصص ودراسات أدبية وفكرية توازي وتدعم أفكاره, ومن تلك الدراسات الهامة كتابه الذي نشره عام 1947 بعنوان (بودلير)، ومقدمته التي نشرت في العام نفسه لكتاب (صورة مجهول) لناتالي ساروت, التي أسست للرواية الفرنسية الجديدة, وأطلق عليها سارتر ما أسماه (ضد الرواية) , وكتابه الذي صدر عام 1951 عن الكاتب الفرنسي جان جينيه, بعنوان (القديس جينيه, ممثل هزلي وشهيد) وجاء الكتاب في حوالي خمسمئة صفحة, وكان سارتر وجان كوكتو واندريه مالرو قد استطاعوا تخليص جينيه من عدة احكام بالسجن, حيث كان متشرداً وسارقاً محترفاً, وقد لا نستطيع تفسير اهتمام سارتر بالتركيز الخاص على بودلير وجان جينيه الا من خلال القاسم المشترك الذي يربطه بهما, ويتمثل في العلاقة المعقدة بين هؤلاء الثلاثة وآبائهم وامهاتهم في طفولتهم. حينما كان بودلير في السادسة من عمره توفي والده وتزوجت امه في العام التالي. ولد جان جينيه لاب مجهول وتركته امه لدى جمعية الاسعاف العام, وفي العاشرة من عمره تكفلت برعايته الاصلاحية بعد ان مارس السرقة. فقد سارتر أباه وهو طفل في الثانية من عمره, وتزوجت امه حينما بلغ العاشرة. جمعت صفة التشرد بين بودلير وجينيه على اختلاف الزمن بينهما. وليس غريباً ان يأتي الاهداء في كتاب سارتر (بودلير) : الى جان جينيه, ومع أننا لا نستطيع ان نحدد بسهولة أهم الكتب التي تناولت عبقرية بودلير, إلا أن كتاب سارتر ينفرد بطرح أفكار جديدة وخاصة, تستمد قوتها من التحليل والجرأة في قراءة حياة بودلير وابداعاته الشعرية من الداخل. شاعر جحيمي يوصف شارل بودلير (1821 ـ 1867) بأنه شاعر جحيمي, متفرد, مدمر لذاته, متلاف, وليس غريباً ان ينصب اختياره على بعض أعمال ادغار آلن بو لترجمتها الى الفرنسية, دون غيرها, فهي تحمل نكهة الغرابة المتطرفة والتشاؤم, التي تحملها أعمال بودلير نفسه, وحياته القصيرة التي لم تعرف الاستقرار, فمنذ طفولته لم يستقر بودلير في منزل, وظل حتى وفاته يتنقل بين الغرف المستأجرة والفنادق, او بين مدينة وأخرى, حتى انه اضطر الى الانتقال من غرفة الى أخرى ست مرات في شهر واحد, وهو في كل حالاته ينزع الى الوحدة, او يبحث عن غوايات تزيد من قوة التدمير الذاتي, فهو ساخط على الاخرين وعلى نفسه, مهووس بحب مدمر غامض غريب, وفي رسالة الى أمه كتبها عام 1861, وهي تعيش في مدينة هونفلور يمكن ان نكتشف بعض مشاعره: (أنت لا تقرئين رسائلي بانتباه كاف, تظنين انني أكذب, او على الأقل أبالغ في حديثي عن متاعبي وصحتي, وعن كرهي للحياة, اقول لك اني ارغب في رؤيتك, ولا أستطيع السفر الى هونفلور, ان رسائلك تحوي أخطاء فظيعة وأفكاراً مغلوطة, يمكن للمحادثة تصحيحها, ولا تكفي مجلدات من الكتابة لتبديدها. في كل مرة أمسك القلم لأشرح لك وضعي أخاف, أخاف ان اميتك, أن أهدم جسمك الضعيف, وأنا, أنا بصورة دائمة, ودون ان تشعري, أقف على حافة الانتحار..) . يطرح سارتر فكرة تقول بأن بودلير ليس ضحية لقدر محتوم, وأن صورته التي رسمها لنا كشاعر, أو انسان نحس, ارهقه سوء الحظ, لم تكن نتيجة لهذا القدر, بل كانت اختياراً حراً لبودلير نفسه, فهو الذي يتواطأ مع الألم ويسعّر ناره: (.. ان الألم, بالنسبة الى بودلير, ليس هو الارتداد العنيف الذي يلي الصدمة او الكارثة, بل هو حالة دائمة لا يستطيع اي شيء ان ينقصها او يزيدها, وهذه الحالة تتجاوب مع نوع من التوتر السيكولوجي..) . واذا كان بودلير قد اختار الألم فهو يعتقد ويقول بأن الألم هو النبل, وهو يحاول عن طريق الهيجان الدائم والعصبية الفائقة ان يعوّض عن نقص عواطفه, والتوازن مع حالة الاحباطات المتوالية التي يعيشها, ومن بينها الضائقة المالية التي كان يعاني منها طيلة حياته, وتعيين وصي عليه لكثرة ديونه, وخلافاته المستمرة مع زوج امه, وآلامه الجسدية التي تسببها تلك الامراض التي عانى منها في فترات متقطعة من حياته, وقطع العلاقة مع أمه او توتر هذه العلاقة, منع نشر ومصادرة بعض أعماله المطبوعة ومطالبته بدفع غرامة كبيرة, ثم عدم الاستقرار في حياته العاطفية المضطربة دائماً, وردود الفعل التي اثارتها مجموعته الشعرية (أزهار الشر) . قدر وارادة كل هذه الأشياء وغيرها نجد لها أصداء واضحة, مباشرة, او غير مباشرة في شعر بودلير, أو في رسائله الشخصية وكتاباته المتفرقة ورسومه: (لمصيري الذي سيغدو نعيمي, سأنقاد كمن يستسلم لقدره المحتم ضحية طيّعة, محكوماً عليه بريئاً يزيد شغفه بتسعير عذابه) . يقول ميشيل ليريس في تقديمه لكتاب (بودلير) لسارتر: (ان علينا ان نذكر لسارتر هنا ليس كونه قد عرف كيف يبرز للنور بعضا من الجوانب المجهولة في البودليرية فحسب, وانما ايضاً كونه قد بيّن انه من الخطأ الا ترى الا (نحساً) في حياة كانت لها, بعد كل شيء, مساهمتها في الأسطورة بأسمى معاني الكلمة, بحيث ان البطل الاسطوري يبدو لنا ككائن يتلاحم فيه القدر مع ارادته, ككائن يرغم القدر على أن يصنع له تمثاله) . ان ما يحاوله سارتر هو اقتحام غابة معتمة, واضاءتها من داخلها, واكتشافها, وهو لا يشبه اولئك النقاد الذين كتبوا عن بودلير, وربطوا بين أنفاسه المحمومة في شعره وأنفاسه المحمومة في حياته, يقول سارتر: ـ إن ما يهرب منه بودلير الى الماضي هو, بمعنى ما, المشروع, اللاشبع الدائم, وهو يبرر, شأنه شأن المصابين بالشيزوفرينيا والسوداوية, يبرر عجزه عن العمل بالالتفات نحو ما سبق ان عاشه, وما سبق ان فعله, نحو ما لا علاج له, لكنه يبحث ايضا, بمعنى آخر, عن التحرر من ذاته. ان بودلير, باختياره الشر, قد اختار ان يشعر بأنه مذنب, لكنه من خلال تأنيب الضمير يحقق وحدانيته وحريته كخاطئ, ان الاحساس بالذنب لن يغادره طوال حياته, وهذه ليست نتيجة مزعجة لاختياره, ان لتأنيب الضمير لديه أهمية وظيفية, انه هو الذي يجعل الفعل خطيئة. والجمال عند بودلير, أصلاً, خاص دائماً, او أن ما يسكره بالأحرى هو مزج معين بين الفردي والأبدية, بحيث تتكشف الأبدية من خلال الفردي, يقول: الجمال مكون من عنصر أبدي, خالد لا يتغير, يصعب للغاية تحديد كميته, ومن عنصر نسبي, مشروط بالظروف, يسمى عادة بالعصر والموضة والأخلاق والهوى.