يتزين وجه القارة السمراء في ذاكرة الانسان المعاصر بالكثير من الكدمات والرضوض, بفعل الظروف القاسية التي مر بها الانسان الافريقي في القرن العشرين, من فقر وظلم ومجاعة واستعمار وحروب عبثية ونزاعات طائفية وتمزق وتضعضع للهوية الثقافية والتاريخية. ومع ذلك شقت بعض الأصوات الأدبية الزنجية طريقها بصبر وأناة لوصف هذا الواقع, وللتعبير عن آمال وآلام شعوب قارة الأحزان, ولتضميد جراحها ووصف أدوائها من منظور ابداعي يعكس الأصالة ويبشر بالمحبة والتآخي ويحلم بغد آت وراء الأفق لا محالة. ولئن كان بعض هذه الأصوات المبدعة معروفا لحد ما عند القارئ العربي, فان البعض الآخر اقل حظا من هذه المعرفة, والعرض الاستطلاعي الأولي الآتي يسعى لتدارك جزء من هذا النقص, من باب كون افريقيا عمقا حضاريا وثقافيا لشعبنا العربي وديننا الاسلامي الحنيف, ومن ثم فان تكوين صورة واضحة عن ثقافتها يعد شرطا لفهم تطلعات شعوبها, وهنا يبرز الأدب الروائي كونه يقدم أحسن تسجيل لتلك التطلعات سواء منها ما مضى وانقضى, او ما هو آت لائح على شرفه المستقبل. الرواية باللغة المحلية مع أن الرواية لم تكن معروفة في القارة السمراء قبل مجيء الاوروبيين, فان تقاليد الثقافة الشفهية كانت غنية لدى القبائل الزنجية بالحكايات والسير والملاحم والأساطير. ولعل من الطريف حقا ان الرواية ظهرت اولا في اللغات الافريقية المحلية, مطلع القرن العشرين, كلغة التونجا في زامبيا, والشونا بزمبابوي, والسوتو, والزوسا, والزولوفي جنوب افريقيا, وهي لغات كانت الهيئات الاستعمارية والتبشيرية قد وضعت لها مطابع وكتبتها بالحرف اللاتيني, ومن هنا تيسر منذ مطلع القرن لأفارقة زنوج ان ينشروا روايات بلغتهم المحلية, لا باللغات الأوروبية التي ستتسيّد فيما بعد المشهد الأدبي الافريقي. ولعل أول هؤلاء الرواد الذين كتبوا بلغتهم الأم توماس موفولو (1876 ـ 1948) والذي كتب بلغة السوتو السائدة بجنوب افريقيا, ولوسوتو, أول رواياته (المسافر الى الشرق) وقد ظهرت 1907م, وان كان نشرها بإحدى المجلات قبل هذا التاريخ, وبطل القصة شاب يدعي فيكيزي عاش تجربة وجودية وجاب الارض شرقا وغربا يبحث عن اجابات لأسئلته الحائرة, وفي النهاية لقي الخلاص وبلغ الغاية/النهاية لدى الغرب والسلطات المستعمرة والكنيسة, وهي نهاية تتناسب مع بساطة اسلوب القاص وتقنياته السردية المحدودة جدا, وتتوافق ايضا مع كونه موظفا بمطابع الارسالية وفيما بعد سكرتيرا بإدارة المستعمرات. وفي 1910م نشر موفولو رواية أخرى هي (بتسنج) وهو اسم القرية الزنجية التي تدور فيها القصة, وهي عرض واسع لصراع القيم والرغبات العاطفية من منظور افريقي, وتفوق سابقتها في بساطة الحبكة, غير ان عمله الذي خلد اسمه حقا كان ملحمة تاريخية شعبية عرضها في قالب قصصي عن حياة ملك الزولو المدعو (تشاكا) , كما عثر بعد موته على رواية اخرى اسمها (مازاروا) . وفي لغة الزوسا بجنوب افريقيا ظهرت سنة 1914م رواية (قضية التوأم) لصومويل ماجايي (1875 ـ 1936) وفيها عرض للبنية الاجتماعية والعلاقات الأسرية الزنجية قبل مجيء الرجل الابيض, كما ظهرت بلغة الزولو بجنوب افريقيا ايضا, رواية (الى الابد) لبنديكت فيلاكازي (1906 ـ 1947) وهي عن مسألة الهجرة من الريف الى المدينة وما يترتب عليها من تمزق للمجتمع القبلي الريفي, وتهتك وتهلهل لمجتمع المدينة حين تطوقه أحياء الصفيح والقصدير وتزداد فيه الظواهر السلبية والجرائم والمنكرات الشنيعة. وظهرت محاولات اخرى في غرب افريقيا بلغات اليوروبا, والايبووالماند ينج, وفي شرقها بالسواحيلية والكيكويوو الاتشولية وغيرها, الا ان ابرز كتاب هذا التيار كان الروائي النايجيري دانييل فاجونو (1910 ـ 1963) وقد كتب بلغة اليوروبا, والذي كان في الوقت نفسه غربي التعليم والثقافة, ولكنه مع ذلك ترك ست روايات كانت اولاها وأتقنها سنة 1938م بعنوان (الصياد الجسور وغابة الآلهة الألف) , وفيها يستحضر الاساطير الافريقية عن الأرواح الشريرة, ووحوش الغابة, والغول, ومفعول السحر الحاسم في المواقف الحرجة, ويغوص ببطله الصياد الى العالم السفلي يصارع المجانين, والموتى الاشرار, وفي النهاية ولانه شجاع جسور يجدل رؤوس الجميع, وينتصر عليهم, ويعود منتشيا ليحكي قصته من أولها الى اخرها. وقد سارت أحداث معظم رواياته الاخرى ايضا, في الغابة, وأشاعت اجواء يختلط فيها السحر والأسطورة بالفنتازيا, وهو خليط عجيب زاده بصوره المعقدة, وفكاهته, وأصالة عوالمه القادمة من الغابة وذلك لان الغابة والأدغال لهما مكانة خاصة في الوجدان الافريقي الأصيل. كتابات بالبرتغالية تميز الأدب الافريقي المكتوب في المستعمرات البرتغالية بحدة نبرته والحاحه على مطالب الحرية ورفض الواقع القاسي المرير, وذلك لفرط قسوة السلطات المستعمرة فجاء رد الفعل واضحا في الرواية, وان كان ذلك على حساب القواعد الفنية والتقنية المعروفة أحيانا كثيرة. وقد كان من أوائل الروائيين الأفارقة بهذه اللغة كتاب رواد مثل بلتازارلوبيز من جزر الرأس الأخضر, أول القرن, وكذلك الأنجولي أوسكار ريباز الذي كتب روايات متميزة الا ان اهم رواية جاء 1926م للأنجولي أيضا هـ. رابوزو, وعنوانها (أنا وكالونجا ابنا البحر) , و1937م ورواية (بين البرتغال وافريقيا) للموزمبيقية أماليا نورتى, وهي كلها أعمال تشترك في فضح واقع المعاناة والعبودية التي تمارسها ادارة المستعمرات بكل سادية على الأهالي الأفارقة الذين تقدم هذه الروايات نفسها باعتبارها ناطقة باسمهم, كونها نداء للمساواة وصرخة للحرية, وتلمسا لمن يقيل عثرة هذه الارض الافريقية المنكوبة, وأهاليها المغدورين. إلا أن المفارقة الحقيقية تكمن في أن أهم من دافع عن الأهالي الزنوج, وألف من واقعهم المأساوي روايات عالية المستوى كان اوروبي الأصل وهو البرتغالي الموزمبيقي المولد كاستروسورومينيو المولود 1909م, والذي عاش معظم حياته في أنجولا, ومنها قاد حركة المقاومة والرفض للظلم المسلط على أهالي الارض, وأسس دار نشر ظلت بمطبوعاتها تقارع المستعمر حتى قررت السلطات تصفيته جسديا مما اضطره للتشرد عبر أوروبا وأمريكا الى ان مات في ساو باولو في البرازيل. نشر سورومينيو روايته الأولى (رجال بلا طريق) سنة 1942م, وأتبعها بأخرى هي (الانحراف) , ومع ان مضمون الروايتين واضح من عنوانيهما, فانه استمر على الوتيرة نفسها من حدة النقد للواقع الافريقي القاسي, فجاءت أحسن رواياته (الارض الميتة) التي نشرها من البرازيل وعكست اطلاعه على تيارات الأدب الحديث, خاصة أعمال جورج أمادو, وقضية (الارض الميتة) مدى المظالم الفظيعة التي يرزح تحت وطأتها الأهالي الأفارقة في إحدى مدن أنجولا, وهم يشتغلون في المناجم والمعامل بالسخرة, دون مقابل, ترهق كواهلهم متطلبات حياة المدينة, وتلهب ظهورهم سياط المستعمرين, ويتركز الصراع بين بطلي الرواية سيلفا البرتغالي الجلف غليظ الطباع, وأمريكو الزنجي الرافض للاستعباد والذي اصاب شيئا من الثقافة يريد من خلاله تحقيق مثل الحرية والمساواة على ارض وطنه, لكن الظروف غير مناسبة في ضوء قوة وقسوة الادارة الاستعمارية ممثلة في الجلف سيلفا. لقد أثرت روايات سورومينيو ووجدت لها أصداء في الرواية الافريقية المكتوبة بالبرتغالية حتى بعد الاستقلال, وخير مثال على ذلك رواية (بذور الحرية) لسانتوس ليما الكاتب الانجولي وهي تعكس المرارات نفسها وتسجل المعاناة نفسها التي بقيت آثارها حتى بعد ما حمل المستعمر البرتغالي عصاه ورحل تاركا وراءه ارضا محروقة, وبلادا منهكة وخريطة ملغومة بالنزاعات والصراعات العبثية المجنونة الرعناء. ادب الافارقة الفرنسي يعتبر أدب الأفارقة المكتوب بالفرنسية رائداً في مجال الرواية خاصة, وإن كانت الريادة له أيضا في بلورة مفهومات الزنوجة في مجال الشعر, ولعل أول رواية جادة لأحد الأفارقة هي (ارادات مالك الثلاث) الصادرة سنة 1920م للسنغالي أحمد وماباتيه ديان, والتي تعرض كفاح بطلها الصبي مالك من أجل تحصيل العلم واللحاق بركب الحضارة رغم واقعه الافريقي (المتخلف) , كما أصدر مواطنه ماسيلادوب رواية أخرى سنة 1925م بعنوان (المنبوذة) , وتعرض مشاهد من المجتمع السفلي الساقط قيميا وأخلاقيا خاصة فيما يتعلق بالعلاقات غير المشروعة بين الجنسين, وتلتها رواية ثالثة سنغالية ايضا لبكري ديالو سنة 1926م أسماها (قوة الخير) , وتمجد بطولات كاتبها كجندي في الفيلق الاجنبي الفرنسي, وتمجد ايضا الدور (التحضيري) و(التقدمي) للسلطات الفرنسية في افريقيا آنذاك. وقد أثارت رواية الزنجي المارتينيكي رينيه ماران (باتوالا) ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية بالحي اللاتيني (حي الثقافة بباريس) ونالت 1931م جائزة جونكور, وبطل الرواية وأبوه عاشا تجربة التهجير من افريقيا وفي جزر الكاريبي تنقطع جذورهما, ويموتان بائسين مستعبدين, لكن بعد ان يفضحا السلطات الاستعمارية, وكانت هذه أول رواية زنجية لا تمجد الرجل الابيض, وسنجد ان معظم الروايات الافريقية التي ستظهر بعدها ستسير على النهج نفسه في فضح عنصرية وظلامية الاوروبيين, وأيضا الدعوة لحرية افريقيا ومساواة الافارقة مع غيرهم من بني البشر. وفي رواية ماران الثانية والتي لا تقل روعة (جوما) 1927م, يواصل العزف على الوتر التحرري نفسه, ويتحسر من المظالم المسلطة على بني جلدته, فبطل الرواية (بيسبنجوي) يصف الواقع بقوله (مع أن البيض يشبهون الزنوج بالقردة, فانهم يتركون القردة وشأنها... أما بالنسبة للزنجي... فمتى ما كانت ثمة طرق تشق, فعلى الزنوج ان يشقوها, متى ما كان التجار يحتاجون الى مطاط؟ كان على الزنوج ان يوفروه متى ما كانت الخزائن, خزائن الحكومة النهمة تحتاج الى نقود؟ كان على الزنوج ان يدفعوا الضرائب... الزنوج في كل زمان ومكان. لقد كان الزنجي اهلا لان يسجن, صالحا لان تفرض عليه الضرائب, خليقا بأن يكون دابة من دواب النقل والجر الأهلية) . ومثل هذه النبرة الناقمة سنجدها لدى الافارقة ابتداء من الثلاثينيات, فمثلا في 1935م نشر السنغالي عثمان سوسيه روايته (كريم) التي نالت جائزة ما وراء البحار, وفيها يعيش البطل (كريم) تجربة تمزق بين ابهار الغرب وتقاليد الأجداد, وفي النهاية تنتصر تقاليد الأجداد والقيم الدينية على حضارة فرنسا الزائفة الجوفاء. كما نشر سوسيه 1937م رواية (سراب باريس) وفيها هجوم عنيف على كل ما هو أوروبي وفضح لعنصرية الرجل الابيض, فبطل العمل الشاب (فارا) صافح في إحدى المرات طفلا اوروبيا فسارع الطفل لغسل يده بالماء والصابون, كما نشر عثمان سوسية ايضا رواية اخرى تمجيدية لماضي افريقيا وثراء حضارتها القديمة المنسية. ومنذ منتصف القرن ظهر جيل اخر من الأدباء اكثر حنكة من الناحية الفنية الروائية, ومن هؤلاء برناردادي من ساحل العاج الذي نشر بنيويورك روايته (كليمبييه) 1953م, وهي تدفع للاعتقاد بأنها سيرة كاتبها الذاتية, ثم جاءت روايته (زنجي في باريس) 1959م, وفيها فضح لعالم الفرنسيين بعنصريته وشذوذه وبعده عن العادات الافريقية الفاضلة, كما اشتهرت له (المدينة التي لا يموت اهلها) 1968م, و(سيد من نيويورك) التي فازت بجائزة الادب الافريقي الفرنسية 1959م, اما المدينة التي لا يموت أهلها فهي عن حياة روما القديمة. ولعل أعظم كتاب هذه المرحلة الغيني كامارالاي (1928 ـ 1980) الذي بهر قراء الأدب الفرنسي بروايته الشاعرية المتدفقة (الطفل الاسود) 1953م, والتي يستعيد فيها طفولته في ريف غينيا, وقد نالت جائزة شارل فيبون الفرنسية 1954م, وهو العام نفسه الذي نشر فيه رواية (نظرة الملك) , كما ظهرت له سيرة شعبية رائعة عن سلطان امبراطورية مالي المسلمة (سوند ياتا) منتصف الستينيات, وكان آخر ما كتب رواية (داراموس) , وكل هذه الأعمال تشترك في لغة شعرية رشيقة, ويخيم عليها الحنين والعودة الى الطفولة, والى افريقيا التي يناجيها لاي باعتبارها فردوسه المفقود. اما الكاميروني فرديناند ايونو فان نبرة الاحتجاج عنده تبدو اقوى وتتخلى عن الرمز والمواربة, ففي (حياة خادم) يفضح المظالم والممارسات الجائرة المرذولة التي تسلط على الزنجي بسبب لونه المغاير للأوروبيين, فبطل العمل جوزيف توندي شاب كاميروني ولد في ظروف بائسة, واضطر في صبوته لان ينضم للكنيسة لان المبشرين كانوا يغرون الأطفال بالحلوى, ولكنه بسرعة اصبح خادما, للكاهن, وليس معنى ذلك انهما متفاهمان, فالقس ينطق الكلمات الافريقية خطأ على نحو يحولها الى البذاءة, وتوندي لا يهمه سوى الأكل والحلوى, وهكذا تسير الرواية في تسجيل يوميات هذا وذاك, وهي يوميات شاءت لها الظروف العصيبة ان تسير في اتجاهين متناقضين رغم كون بطليها يعيشان تحت سقف واحد. ثم نشر ايونو رواية اخرى اكثر سخرية هي (الزنجي العجوز والوسام) وهي تضحك على فرنسا حين تضحك على ذقون الافارقة فتدفع ابناءهم في اتون حروبها, وحين تقضى عليهم الحرب ويكونون جزءا من حطبها, تكرم ذويهم بأوسمة لا تسمن ولا تغنى من جوع, ولنفس الاديب رواية ثالثة لا تقل ادانة للاوروبيين هي (الطريق الى اوروبا) وفيها محاولة لهتك الحجب التي تحول دون اقامة علاقة انسانية كالزواج بين رجل زنجي وامرأة فرنسية بيضاء. ولا يقل عن اويونو مواطنه مونجو بيتي ـ واسمه الحقيقي اسكندربييدي ـ الذي صب غضبه على الارساليات في روايته (مسيح بومبا المسكين) 1956م, وكذا في (البلدة القاسية) , و(مهمة منتهية) و(الملك الذي انقذته معجزة) وهي تراوح بين نقد الاخر وتمجيد الذات الافريقية, كما عاد لنفس اللغة الملتهبة ضد البيض في (بربتوا) 1978م, و(تذكر ياروبن) 1979م, و(حطام القراقوز) 1981م. اما السنغالي سامبين عثمان فقد ركز على نضال الأفارقة من اجل الحرية والاستقلال, منذ روايته السيرية (الحمال الاسود) 1959م, وحتى (يا وطني يا شعبي الجميل) 1960م, و(قصاص خشب الآلهة) . ففي الأولى يحكسيرته كمجند فرنسي, ومن ثم كحمال في ميناء مرسيليا بعد ما وضعت الحرب اوزارها, وفي الثانية يحن الى وطنه, اما في الثالثة فيؤرخ لاضراب عمال سكك الحديد داكار ـ باماكو, كما ان روايته (ريح الجنوب) 1964م, و(كسالا) تسيران في نفس اتجاه توصيف الواقع الافريقي تحت تأثير وقسوة الاوروبيين. كما لا يقل عن هؤلاء كتاب جيل الثمانينيات والتسعينيات مثل سوفال وشيخ حاميدو كان صاحب مغامرة في المجهول وهما سنغاليان, وبنيامين ماتيب في الكاميرون, وسيدوباديان صاحب رائعة (تحت الرذاذ) التي تعرض واقع الصراع الاجتماعي في مالي من خلال طرائق الزواج, وكذا نازي بوني في بوركينا فاسو وغيرهم كثيرين في مجال النطاق الفرانكوفوني الافريقي. كانت أول رواية افريقية بلغة شكسبير هي (اثيوبيا طليقة) للاديب الغاني كيسلي هايفورد وصدرت سنة 1911م, وتلتها رواية (مهودي: ملحمة الاهالي) للجنوب افريقي سولومون بلاكيهي, ثم رواية الغاني الآخر, أ. اوبنج (ثمانية عشر قرشا) , وتشترك كل هذه الروايات في بساطة البنية وحدة اللهجة ازاء الاوروبيين, فرواية اوبنج مثلا ضاعت كلها في تفاصيل سلسلة من المرافعات والمحاكمات لزنجي استلف ثمان عشر قرشا لكي يشتري فأسا لمزرعته, لكنه وجد نفسه بفعل الفقر مضطرا للعمل بدون اجر لدائنه الذي اتهمته زوجته بمراودتها, وهنا بدأت المحاكمات وطالت الجميع. وبعد هذه الرواية بسنتين ظهرت رواية للجنوب افريقي بيتر أبراها من عنوانها (انشودة المدينة) 1945م, تصور حياة صبي اسود هاجر لجوهانسبرج واشتغل خادما او بالاحرى مسخرا عند البيض, ومن ثم زج به في السجن, وبعد تجارب مرة قرر العودة للغابة, لكنه عاد اليها وقد اخشوشن وفقد وداعة الافارقة, وطيبتهم الفطرية. ولهذا الروائي أعمال أخرى كثيرة منها (درب الرعد) 1948م, و(الغزو المتوحش) 1950م, و(العودة الى جولي) و(اكليل من اجل اودوموى) 1965م, و(ليلة لهم) 1965م, و(هذه الجزيرة الان) 1966م, وكلها يمكن تخمين موضوعاتها من عناوينها, ما خلا الاخيرتين لان احداثهما تدور في جزر الكاريبي بعيدا عن افريقيا. لفتت أعمال الجنوب افريقي الاخر لكس لاجوما انتباه النقاد, وانجبت نفس البلاد ادباء اخرين بيضا تطارحوا قضية الافارقة بروح انسانية عميقة ومتسامية مثل سارة ميلين واوليف شراينر ودورينج ليسنج ونادين جوديمر الحائزة على جائزة نوبل, وايضا الن باتون صاحب الرواية (ابك ايها البلد الحبيب) 1948م التي حولت الى فيلم اوبرا موسيقية جابا الافاق, ومن الملفت ان باتون هو الرجل الوحيد بين هؤلاء البيض المتعاطفين اما البقية فكلهن نساء. والحقيقة ان الرواية الافريقية المكتوبة بالانجليزية هي الأوسع انتشارا في العالم وفي القارة السمراء ايضا, وقد لمع فيها كثيرون مثل ويل شوينكا صاحب (الاسد والجوهرة) والحائز على جائزة نوبل, وأيضا آموس توتولا وتشينو اتشيبي وسيبريان اكوينسى, وجابرييل اوكارا, واونورانزيكو, وت. ألوكو وكلهم من نيجيريا, ومن سيراليون وليم كونتون, وكذا الغامبي لنري بيترز, وجوزيف ابروكو, وكوفي اوكونور من غانا, ومن شرق القارة انريكو سيروما, وروبرت سيروماجا من اوغندا, واثيونجو, وجريس اوكوت من كينيا, ونور الدين فرح, وبيتربلانجيو من تنزانيا, وغيرهم كثير يضيق المجال عن ذكرهم في هذه العجالة التي اطنبنا فيها أصلا. والميزة العامة التي تشترك فيها أعمال هؤلاء هي طرح المسألة الزنجية, والضرب بقوة ومرارة على أبواب الحرية لشعوب القارة في مرحلة الاستعمار وفيما بعد معالجة مساوئ المجتمع المحلي ما بعد الاستقلال لكل ما فيه من تخلف وجهل وفساد ومظالم اجتماعية وتهلهل اخلاقي وقيمي وحروب سيزيفية مازالت كحزام البارود تطوق القارة المفجوعة. فمثلا نجد هذا الطرح في أعمال النايجيري تشينو أتشيبي منذ أولها (الاشياء تتداعى) 1958م, وحتى (لم تعد هناك راحة) 1960م, و(رجل الشعب) وغيرها, وكلها تسعى لاستعادة ماضي افريقيا المجيد, وتحلم بغد آت قريب تتحقق فيه قيم الخير, وينتفي الظلم والبؤس والعوز اما (الأشياء تتداعى) التي اقتبس عنوانها من الشاعر الايرلندي وليم ياتس, تدور حول تجربة الكفاح من أجل ترسيخ الذات الزنجية التي يمثلها بطلها اوكو نكو وقريته وشعب الايبو الذي ينتمي اليه البطل, وينتمي اليه اتشيبي نفسه. اما الاوغندي انجوبي واثيو نجو فمنذ روايته الاولى (لاتبك ايها الطفل) 1964م, وحتى (النهر الذي بيننا) 1965, و(حبة القمح) 1967, وصولها الى (بتلات الدم) 1977م و(شيطان على الصليب) 1982م, و(ما تيجاري) 1989م, في كل ذلك يطرح نفس المسائل المتعلقة بالهوية والذات الافريقية, ومكانة الانسان الزنجي في العالم, وان كان هذا الطرح يغوص احيانا في التفاصيل المملة, وأحيانا اخرى يتسامى ويتدثر بالقيم والمثل والأساطير الافريقية الأخاذة. وبصفة عامة فان الرواية الافريقية تراوح من حيث الشكل بين الرواية الملحمية والاسطورية ان جازت العبارة, ورواية المذكرات الفنتازية, والرواية الاجتماعية الاصلاحية, ورواية الاخلاق والحداثة, وأيضا الكفاحية والساخرة والفلسفية كرواية شيخ حاميدوكان, وغيرها. اعداد ـ الحسن المختار