يخضع ادباء كثيرون في النادي الادبي العربي اليوم لاغراء الرواية. الرواية تجذب الشعراء كما تجذب سواهم الى اقليمها وتبعد الشعراء وغير الشعراء عن اقاليمهم الاصلية. وممن جذبتهم في السنوات الاخيرة الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم الذي امضى حياته, الى ما قبل سنوات, شاعرا, فاذا به يستيقظ روائيا لكن دون ان يفقد علاقته القديمة بالشعر. سميح القاسم الذي يعتبر احد الثنائي الذهبي للشعر الفلسطيني, مع محمود درويش, يترك نفسه على سجيتها في السنوات الاخيرة فاذا به يحل ضيفا على نادي الرواية. كتب روايتين, وان ظل يكتب الشعر حينا باسمه, وحينا اخر باسم اخر هو الربزي. هو يقول ان علاقته مع الرواية بريئة في حين ان علاقته مع القصيدة تختلف: (ثمة التزامات مع القصيدة, وعلاقة قديمة. ثمة تورط حقيقي مع القصيدة. اما مع الرواية فالعلاقة هي علاقة مغازلة. انا اغازل الرواية. اذا اتت فاهلا وسهلا, واذا لم تأت فلا اهتمام يذكر. في حين ان علاقتي مع القصيدة من نوع اخر) . سميح القاسم الذي تعرض مؤخرا لهجمة شرسة وظالمة اتهمته بالتطبيع مع الاسرائيليين, يأخذ اجازة من هذا الحديث, ليتحدث في هذا الحوار عن الشعر وعن الرواية. قلت لسميح القاسم: * جبرا ابراهيم جبرا كان يقول ان الرواية بنت المدينة. بنت العلاقات المتشابكة المعقدة. بنت نمو المدينة الحديثة وتعقيدات الحياة فيها. السؤال هو كان لوجودك في مدينة حيفا سنوات طويلة ما جعلك تتوجه نحو الرواية؟ هل الهمتك حيفا هذه الرواية, ومع حيفا تعقيدات الحياة فيها؟ ـ لا. انا لا اتفق اولا مع جبرا في تصوره, الا اذا هو قصد الكاتب ولم يقصد الرواية. كاتب الرواية يجب ان يكون انسانا عاش ادق تفاصيل المدينة, عاش ادق تفاصيل القرية, سافر كثيرا, تعرف على انماط بشرية هائلة.الوان, عناصر, اجناس, لغات. هذه هي متطلبات الروائي في اعتقادي. لا يمكن ان يكون هناك روائي ناجح الا اذا كان على تسفار دائم, متورط بالحياة بكل نواحيها, اما الرواية نفسها كعمل, فليس بالضرورة ان يكون موضوعها بالمدينة. كازانتاكيس عمل روائع عن قرية صغيرة في اليونان. فوجئت مفاجأة كبرى بروائي تركي هو ياشار كمال في روايته (ميميد الناحل) وهي علميا يجب ان تكون (محمود الناحل) وليس (ميميد الناحل) انها رواية ريفية عن بر الاناضول, وهي رائعة ومذهلة. حتى صديقنا المخرجة الكردي التركي يلمن جوناي في روايته (صلبة) تجد ان علاقتها بالريف اكثر من علاقتها المدينة. اما الروائي نفسه فيجب ان يكون متمكنا من المدينة, متمكنا من المدينة ليس ككم معماري, بل من المدينة كحياة. وهنا, من الضروري ان يكون متمكنا. وعلميا ما هو الفرق بين المدينة والقرية؟ الفرق هو في النفس البشرية, بين النفس البشرية الغنية والمتعددة, والتي عندها عدد هائل من العيون والمجسات, وبين النفس البريئة الطاهرة التي عندها عينان تنظران من نافذة فلا تريان سوى قمر وشجرة وبقرة وامرأة تنشر غسيلا.. هذا المشهد الريفي.. هذا المشهد غير كاف لروائي. الجيد ان يكون جزءا من رواية, وانا اعتقد ان ابن المدينة يمكن ان يكتب عن الريف افضل بكثير مما يستطيع ابن الريف ان يكتب عن الريف.. انا اعتقد ان ابن الريف لا يحس الريف بالعمق الكافي. لا يراه في اطاره الشامل. انا ابن الريف, ساكن في بيت على سفح جبل علوه حوالي ثمانمئة متر فوق سطح البحر, والشتاء فيه ثلوج ورعود وصواعق. ولكن بيتي بالنسبة الي بيت عادي وموقعه جيد. وعندما يأتي الي ضيوف من المدينة يدهشون. * يذهلون لما تراه انت عاديا.. ـ يذهلون لما اراه انا عاديا. يصعقون من الشجرة, كيف طالع جذعها.. بالنسبة لي كل ذلك مألوف. وهم يعبرون عن المشهد بأفضل مما اعبر انا. لذلك لا يستطيعون ان يستخرجوا تفاصيل بالنسبة لي اصبحت غير واردة.. الصورة هي بالبولارويد. نحن نرى واقعنا بصورة البولارويد التي تمحي منها ملامح كثيرة. بعد ذلك اقول لك انني اخشى من التنظيرات: ما هي الرواية؟ ما هي القصيدة؟ ومن هو الروائي ومن هو الشاعر؟ اخشى من التنظيرات لأنه توجد دائما ما يثبت العكس. دائما هناك ما يثبت العكس. امتحان * كم ستكون شاعرا في هذه الرواية وكم ستكون روائيا؟ ـ في المحاولتين السابقتين لي كروائي, نجحت الى حد بعيد في التملص من الشاعر. تملصت كثيرا. الآن انا لا اريد ان اتملص لا من الشاعر ولا من الروائي. اريد ان امتحن نفسي, اي كيف يمكن لي ان اكتب بدون جهد للخروج من الشاعر, او بدون جهد للدخول في الروائي. اريد ان اكتب بشكل عفوي. عملية الكتابة بشكل عفوي, هذا ما اريد ان امارسه اعود فاقطع واغير وابدّل لست اداري. واتصور وعندي احساس ـ احساس غير ملزم ـ بأنني سوف اكتب عملا مهما. عندي احساس بأن ما سأكتبه في اطار الرواية سيكون شيئا مهما. ويمكن ان يكون نوعا من السلف كوبنسيشن, التعويض الذاتي عن هذا الفصام او القطيعة مع صديقي القديم الشعر, نوع من التعويض. واعترف سلفا ان المسألة بالنسبة الي هي نوع من تزجية الوقت.. وان المسألة ليست مثل موقفي من القصيدة. * انت تعتبر ان افضل شعرك هو شعرك الاول او شعرك الاخير؟ ـ سأجرب الحديث بموضوعية.. انا اعتقد ان صديقي سميح القاسم السابق لديه اشياء مميزة عن الشعراء الاخرين. اشياء تميزه سلبا كما تميزه ايجابا. السلب هو ايضا مصدر الايجاب. وهذا الشيء هو الصدق غير المحدود اطلاقا, غير المعهود. هذا الصدق غير معقول وغير ممكن. احيانا يورط القصيدة في متاهة فنية. يعني لازم تغير هذه الكلمة, ولا اغير.. لم يكن يرد.. انا كقارئ اقول له: غير هذه الكلمة, ثمة كلمة اجمل منها. لا يرد. * لا يرد؟ ـ لا يرد ابدا. يقول: هذه الكلمة طلعت معي وما في غيرها. * مع ان هناك ناقدا في نفس كل فنان. ـ صحيح. هو عنيد في هذا الموضوع. هو يقول: لا يمكن. خلص هذه الكلمة لا اريد ان اغيرها. من منظور معين, يمكن ان تكون هذه المسألة نقطة ضعف. لكن من منظور اخر, اقول, وانا اؤيد هذا, الصدق الفني يتحول الى قيمة فنية. يعني من حيث التكنيك انا ابن صنعة. صنايعي. اللفظة, والفاصلة, وما هو اثر هذه الكلمة او تلك على الجمهور, والصورة والغموض والمفتعل.. صنايعي.. استطيع ان العب بعجينة الشعر. وهذه لم اكن الجأ اليها.. لعبة الشكل لم اكف الجأ اليها.. لأن لدي قناعة ـ كانت ومازالت ـ مؤداها ان في داخل القصيدة طاقة كامنة مثل الكهرباء تفعل في الشعر. هذه الطاقة غير مرئية, انها الفن, انها طاقة الفن, ليست الكلمة هي الفن, الفن هو ما تتركه الكلمة بعد قراءتها. ليست القصيدة هي الفن. عندنا وهم هو خطأ, خطأ رؤية. ضلال رؤية. نحن نتحدث دائما عن القصيدة, وعن اللوحة.. نقرأ القصيدة: القصيدة جميلة او غير جميلة.. اللوحة جميلة, ليست هي نفسها, انما الشحنة التي تركتها فينا. مدلول مختلف * اثرها.. ـ اثرها.. نحن نتعامل مع اثر العمل. ولا مرة تنبهنا الى نوع الحرف الذي سبكت فيه القصيدة: بالكوفي او بالرقعي او بالفارسي, ولا مرة انتبهنا الى هذا. انه جزء من الشكل. الفاظها, الكلمات.. نفس اللفظة يستخدمها كل الشعراء مثلا. ملا: قمر, ليل.. لا يوجد شاعر في العالم وفي التاريخ, الا واستعمل كلمة قمر.. قمر لوركا يختلف تماما عن قمر عمر الخيام, ويختلف تماما عن قمر عمرو بن ابي ربيعة. الكلمة مختلفة بين نون, ولونا, وقمر.. ليست نفس الكلمة. نقول نون, لونا, قمر.. ثلاث كلمات. المدلول الحسي هو القمر, لكن نرى استعمالهاعند كل شاعر من هؤلاء الثلاثة في مدلول مختلف. الذي بقي ليس القمر ولا نون ولا لونا, الباقي هو هذا الشيء المختلف الذي تركه فينا الشاعر, استعماله للحسي, ترك شيئا مختلفا.. واضحة الفكرة؟ * واضحة.. ـ لذلك فإن ما يبدو ضعفا على السطح: عدم تنقيح القصيدة واحيانا هناك الفاظ واستخدام تكنولوجيا في الشعر, تستعمل (محرك) مثلا, تستعمل الفاظا كثيرة يقال عنها انها غير شعرية, لكن الذي تتركه, اي تلك الشحنة الكامنة في الداخل, يبدو على الجمهور. ليس الجمهور اكاديميين وعمالا, بل جمهور عريض متنوع جدا, فيبدو ان هذه الشحنة قد وصلته. والمعروف انني املك الجمهور, بس كمان بالصدفة صديقي دون ان تسمعني. نحن اصدقاء. كنت تقرأ لي ولم تسمعني.. وعندما سمعتني كنت قد قرأتني. قرأتني واحببت ان تسمعني. هناك من يقول عني (وعن محمود درويش) بشكل خاص ان القاءهما هو سر نجاحهما. وهذا غير صحيح. غير صحيح اطلاقا, لأن الناس جاؤوا يسمعوننا بعدما قرأونا. فلا الخطابية اذن, ولا المباشرة, ولا القضية السياسية. هذه وحدها لا تكفي. وما يبدو ضعفا: المباشرة والخطابية وكل هذا الكلام النقدي المعروف, يعتبر سر بقائنا. شحنات * ولكن الا ترى معي ان الشعر الحديث هو شعر هامس او مهموس كما كان يقول محمد مندور؟ اي ان من طبيعته الهمس, والترتيل, والخشوع, والصوت الخفيض؟ اكثر من المباشرة؟ ـ لا. لا. اولا كلمة المباشرة والخطابية انا لا اعتقد انها لا تنطبق اطلاقا علي, ولا في اي قصيدة في حياتي.. حتى في اكثر القصائد مباشرة: (تقدموا.. سأقاوم) .. اذا اعدت قراءتها وجدت انها ليست قصائد مباشرة بالمفهوم الخطابي المسطح. فيها شحنة من الالم الشخصي والحزن والغضب والتجربة والسر والجوانية. شحنات هائلة جدا. ان فهمنا للمباشرة يتضمن في اعتقادي خللا. ناظم حكمت في كلمات بسيطة يجننّا فهل هو شاعر مباشر؟ لا. هو شاعر واضح. لكنه ليس شاعرا مباشرا. نزار قباني ليس عنده كلمة صعبة. اي كلمة عنده يفهمها ابن السرتفيكا والبريفه. ولكنه يترك اثرا يتاجوز الكلمات بقاموسه. لذلك اعتقد ان كلمات الخطابية والمباشرة كلمات ترجمناها ثم حاولنا ان نطبقها كنظريات جاهزة دون ان ندخل في التمييز. الجواهري ايضا ليس شاعرا مباشرا. الرصافي شاعر مباشر. اما الجواهري فلا. المتنبي ليس شاعرا مباشرا ايضا.. مع ان الاعتقاد السائد هو ان كل الشعر العربي القديم مباشر وخطابي.. لا. حافظ ابراهيم مباشر. شوقي ليس مباشرا. الطاقة الفنية الموجودة عنده تحول شعره الى شعر غير مباشر. متى يكون الشعر مباشرا؟ عندما لا تكون في الشعر هذه النار او هذه الطاقة, او هذه الكهرباء الساكنة.. عندما تكون غير موجودة يصير مباشرا.. كلمات من نوع: (الحرية حق للشعب المظلوم فهيا نتحدى الظالم) .. موزونة ومقفاة ولكنها ليست شعرا. نحن لم نكتب مثل هذا الشعر. ولا مرة كتبنا مثل هذا الشعر. * درجت في الفترة الاخيرة عبارة القصيدة ـ الومضة او القصيدة الفلاش: كلمات قليلة مقطرة مكثفة. ـ ليست هذه القصيدة بنت الفترة الاخيرة. صدرت اخيرا اعمالي الناجزة في سبعة مجلدات. اكتشفت انني منذ عام 1964 بل ومنذ عام 1985, في مجموعتي الاولى اكتشفت هذه المقطعات او الومضات القصيرة, وعلى امتداد مجموعاتي الشعرية الاولى ثم الاخيرة. وما عدا اربع او خمس مجموعات فقط مركبة من قصائد طوان, او السرديات, ومن عام 1958 الى اخر مجموعة شعرية, اعتمدت المقطعات المكثفة جدا, واكتشفت فائدة بالغة لمثل هذا الشعر الموجز.