في أكبر فعالية عالمية شاركت فيها أكثر من ثمانين دولة, وتحت شعار (لا يوجد منطق بدون خيال) افتتح هذه الايام في مدينة بولونيا الايطالية بينالي (كتاب الطفل 2000) الـ 27 وساهمت فيه حوالي 1445 دار نشر عالمية. وتشهد ايام هذا المهرجان الكرنفالي العالمي عشرات الندوات، والمحاضرات التي يساهم فيها ابرز أساتذة التربية وعلم نفس الطفل في العالم, واشهر الرسامين واصحاب دور النشر العالمية. وقسم هذا المعرض الذي يحتل مساحة كبيرة إلى قسمين رئيسيين هما القصصي الروائي وغير الروائي, ويشمل أربعة اقسام رئيسية هي: كتاب الطفل, الكتاب المدرسي, الكتاب التقني والالكتروني, معرض رسوم الكتاب. الفعالية العالمية التي تقام سنويا ترتكز على كيفية جعل الكتاب الموهوب في متناول كل طفل في العالم لتوقظ في عقله وقلبه المشاعر والمثل النبيلة, وتربي في نفسه احترام العمل والعدالة الاجتماعية, وحب الطبيعة والسلام والصداقة بين البلدان والشعوب, وكان للمشاركة العالمية الاهمية القصوى على طرح مسألة تطوير آداب الأطفال والناشئة بحيث تجمع هذه الآداب بين التقاليد العميقة للفنون الشعبية واستيعاب منجزات الادب العالمي المكرس للأطفال والناشئة في زمن ما زال الملايين من الأطفال في انحاء كثيرة من العالم يجهلون القراءة والكتابة, كما ان أكثر من 40 بلدا في العالم لا يوجد فيها حتى الآن قوانين للتعليم الالزامي, وفي بلدان عديدة في العالم ما زالت تستغل الجهود الجسدية لملايين الأطفال, كما تموت ملايين اخرى منهم بسبب سوء التغذية والفقر والجوع, وتعذب يوميا اجساد الالوف منهم من قبل الابوين, ويلجأ الاف منهم للانتحار تخلصا من العذاب. ان ثقافة الطفل بدأت خلال السنوات الأخيرة تأخذ حيزا متناميا من الاهتمام في أكثر من مكان في العالم, وبدأت العديد من البلدان توجهات جادة نحو خلق ادب للطفل خاضع لجملة من التقنيات الحديثة في الكتابة, اضافة إلى شعور بعظم المسئولية لزرع المفاهيم والمثل الانسانية في الطفل والناشىء. واذا كان العديد من مؤسسات يبدو من عروضها في اجنحة البينالي الحالي قد اخذت قدرا كبيرا من القيمة الفنية والخطورة الفكرية سلبا ام ايجابا, للحد الذي جعل العديد من الدارسين هنا ان يضع هذه التجارب للدراسة للافادة والاضافة والنقد والمحاورة من اجل دفع عجلة الكتابة للطفل والناشىء للأمام. ان جمهور الأطفال يشكل في اي مجتمع من مجتمعات العالم ما يقارب ثلث مجموع السكان, وهذا يعني اتساع هذا الجمهور من جهة وخطورة ما يقدم اليه من كتابة من جهة أخرى, فالقدرة على الكتابة للطفل لابد لها في الواقع من فهم علمي للطفولة من النواحي النفسية, فالطفل خاضع لوعي متدرج بالحياة تبعا لمدى مداركه الطبيعية التي تتنامى مع الايام, وعالم الطفل هو عالم الدهشة الأولى في معرفة الوجود والناس, فهو باحث دائم, ومسئول لا يمل, يفهم العالم على انه ملك له, وبان بامكانه التعامل والتخاطب مع كل الموجودات حوله. كما ان احدى صفات الطفولة هي النمو الجسدي والعقلي السريعين معا, والاختلاف كبير بين سن الرابعة مثلا والعاشرة وما بعدها بقليل حيث تمر هذه الاختلافات بسلسلة من التفاعلات الدقيقة العضوية والنفسية بتأثير الاخرين والبيئة التي يعيش بها الطفل, ولهذا فقد قسمت الهيئة المسئولة الجناح الأول إلى خمسة مستويات من خلال تعامل الأطفال بأعمارهم المختلفة مع المادة الثقافية. ان حاجة الطفل الثقافية نابعة من مصدرين أولهما نضوب المصادر التقليدية لثقافة الطفل والتي تتمثل في العائلة الاجتماعية وما تطرحه من ثقافة موروثة عبر القصص والاناشيد والاغاني والالعاب وثانيا من خلال تعميق الاعتماد على الوسائل العصرية كمصدر بديل للوسائل الثقافية التقليدية, حيث ان كتاب الطفل في الوقت الحاضر لا يقتصر على الكلمة المطبوعة, لانه اصبح صناعة تقوم على التجسيم والتجسيد, اصبح الكتاب والفيلم والتلفزيون والفيديو والمسرح والاسطوانة والكمبيوتر, والاسطوانة المدمجة مصادر جديدة للمادة الثقافية في عصرنا الراهن. ان هذه المستجدات أدت إلى خلق حاجة عميقة لدى الطفل للتعرف على الثقافة على مختلف اشكالها ومستوياتها وأساليبها, ويلاحظ من خلال الكتب المعروض في اجنحة البلدان العربية المشاركة في هذا البينالي (مصر, تونس, سوريا, الامارات العربية المتحدة, اليمن) بان هذه الأسواق مليئة بالكتب الموجهة للأطفال وبلغتهم الام الا ان اغلبها مترجم بالكلمة وبعض الاحيان بالصورة, ولسنا ضد الانفتاح على الثقافة العالمية, شرط ان تتولى المؤسسات العربية المعنية بعملية الانفتاح وان تسعى بنفسها باختيار الروافد الثقافية باغناء حصيلة اطفالنا العرب, ولا تشوه منطلقاتهم, فالكل يعلم انه لا يمكن الفصل بين العطاء الثقافي عن العطاء التربوي, لان المهمة الصعبة في حقل ثقافة الاطفال, ترسيخ اصالة الثقافة عند الطفل عبر تعامله مع الصورة والكلمة والحادث بشكل يشد الطفل إلى هذا الواقع ويعزز ثقته, ويربط به كل تطلعاته واحاسيسه ومذاقاته الجمالية. من العبث انتاج ورسم وكتابة وترجمة مواد تحمل صور وجوه غير وجوه اطفالنا وافكار وممارسات غير ممارسات اطفالنا, وتردد اصوات غير اصواتهم, فحاجة الطفل العربي كما نعتقد هي حاجة مستجدة والوعي بها مستجد أيضاً والسعي إلى تلبيتها لا يزال في مراحله الأولى. ان الجمهور القارىء من الأطفال يتطلب من الكاتب استخداما ذكيا للكلمة والجملة والقصص الموجهة للطفل حسب اعتقاد الايطاليين تخضع لعوامل كثيرة منها الرؤية الفلسفية التي يحملها الكاتب نحو الطفل, وكذلك ميله الشخصي إلى الشفافية والمباشرة, وكذلك امكانية الكاتب اللغوية, فما يكتب للأطفال بصورة عامة هو حصيلة لمدى فنية الكاتب مع المادة على ان لا تؤدي هذه الفنية إلى قطع الجسور الواصلة مع الأطفال, فقد يحتاج الموضوع إلى المباشرة أو الشفافية أو التعبير الحالم الاسطوري كما هي الحال عند كتاب السويد. هناك من يقول بان عملية تثقيف طفل كاشعال شمعة في الظلام, وقد لاحظنا عرض مجموعة من المجلات العربية لدى بعض الاجنحة العربية المشاركة, ويمكن ان يقال عنها بانها خليط من الأوروبية ـ اليابانية ـ المعربة, وهذا حسب اعتقادنا يغرس ازدواجية الانتماء, فالطفولة لا يمكن ان تزهر وتتطور خارج فضائها التربوي, وهذا الفضاء هو الذي يغني خيالها ووجدانها بالانطباعات الاخلاقية والجمالية, إذن ما هو تفسير ظاهرة طغيان الاشباح المخيفة والتنين, وسوبر مان ورجل الوطواط وجراندليزر وباتمان والكريكويز وعشرات غيرهم في كتب ومجلات الأطفال العرب؟ هنا يصنفوها على انها من الدرجة الثانية أو الثالثة من حيث الوحي والالهام, فضلا عن خلوها من الافكار الجديدة, وهي تبدي تساهلا لا حد له في سبيل ارضاء جمهورها الذي يزداد ميله للمغامرات على حساب بذل المجهود الذهني, فاغلب هذه الشخصيات التي تطرحها القصص تبعث على الضغينة والانتقام والجشع, كما انها تتسم بالهزال الفكري الذي لا يضارعه الا فقرها العاطفي, فكل الاشخاص فيها يسلكون سلوكا حيوانيا, وتنتهي على الدوام في أعمال العنف والجريمة غير المبررة. في جناح الرسم شارك عدد كبير من الفنانين العالميين المختصين برسوم الأطفال قدر عددهم (1935) فنانا, وعرضت في القاعتين الكبيرتين (9000) لوحة, وتضم قاعات هذا المعرض الكبير آخر تقنيات وأساليب رسوم الأطفال لما تمتاز به من خصوصية سواء في التنفيذ أو في اختيار وسائل التعبير, ونوزعت الرسوم بين اعمال الكرافيك والتخطيط والألوان المائية وألوان الغواش. والرسوم التي تعد بالمئات كانت تسعى إلى البساطة في التكنيك والسيطرة على ابراز الافكار والمواضيع دون اي تعقيد, أما الألوان فتتوزع بشكل كتل (فلات) مترابطة مع بعضها, والخطوط غير متشابكة, بل كانت في الاغلب تبرز تفاصيل الشكل والفورم العام, وتميز الايطاليون والفرنسيون والهولنديون بالوانهم الشفافة, اما السويديون فتميزوا باستخدام مكثف للأسطورة والقصص التراثية التي يسعون من خلالها إلى تنمية خيال الطفل نحو البحث في أسرار تراثه وفلكلوره واستمداد الافكار والتجارب منها, اضافة إلى فتح الافكار المبدعة له. وهكذا استطاع هؤلاء الفنانين ان يتحدثوا للصغار والكبار بلغة لونية واحدة مشتركة, كانت مشوقة للجميع وبأساليبها الجميلة التي تبعث بالطفل روح التفاؤل والحب والعمل. وشكلت لجنة لتحديد الفائز الأول والثاني والثالث, كما استحدثت جائزتان جديدتان لهذا العام تمنح لأفضل كتاب من دول آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية, وذلك على ضوء احتجاج دول العالم الثالث على استحواذ الجائزة الرئيسية لهذا البينالي خلال السنوات الماضية من قبل الولايات المتحدة أو احدى الدول الأوروبية لما تتمتع به هذه الدول من قدرات تقنية متقدمة جدا, والجائزة الأولى التي حملت اسم (آفاق جديدة) لهذا العام كانت من حصة مصر, حيث فاز كتاب (حياة محمد في عشرين قصة) الذي ألفه الصحفي عبد التواب يوسف ونفذ رسومه صلاح بيصار وطبع في دار الشروق للنشر. أما الجائزة الثانية المتخصصة بفنون كتاب الطفل فهي باسم (فنون جديدة). وقد فاز بالجوائز الأولى لهذا العام ثلاثة كتب من الولايات المتحدة وكتاب من فرنسا والخامس من ألمانيا.