شهدت جوائز الدولة أعلى معدل من الحجب هذا العام, حيث تم حجب 23 جائزة, بينها جائزتان من جوائز مبارك, وجائزتان من جوائز الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية و19 جائزة بين التشجيعية. وقد اختلفت أسباب وعوامل الحجب, وبعض الجوائز يكون حجبها مصدر ارتياح وشفافية بينما البعض الآخر ينبغي أن يكون مدعاة للقلق وللهواجس السيئة. فقد حجبت جائزة مبارك في الآداب قيمتها 100 ألف جنيه مصري وقد رشح لها خمس شخصيات هم د. ثروت عكاشة ود. عبدالقادر القط وثروت أباظة وأنيس منصور د. شوقي ضيف وبعد مراجعة الأسماء في لجان المجلس الأعلى للثقافة تم استبعاد اسم د. ثروت لأنه مرشح لجائزة الآداب, بينما معظم مؤلفاته في الفنون, وسبق أن نال جائزة الدولة التقديرية في الفنون, ومن ثم رأت اللجنة أنه لايجوز أن يقبل ترشيحه لجائزة الآداب, بل يكون مقبولا لو رشح للفنون. أما ترشيح د. عبدالقادر القط فقد تم بعد اغلاق باب الترشيح بأيام ومن ثم لم يعتد به. وتم التصويت على الثلاثة ثروت أباظة وأنيس منصور ود. شوقي ضيف, ولم يكن أباظة منافسا قويا, وانحصرت المسافة بين أنيس ود. ضيف, وبدا الانقسام حادا بين أعضاء المجلس الأعلى للثقافة, أنيس منصور بجماهيريته الواسعة, ود. شوقي ضيف بعلمه ودوره وتاريخه في الدراسات العربية والاسلامية, وانقسم التصويت مناصفة, فالذين ساندوا أنيس اخذين بشهرته والحاح اسمه في الصحف, والذين لم يصوتوا له تحفظوا على اقترابه الشديد من الدولة في مصر الأمر الذي تبدو معه الجائزة إن نالها وكأنها منحة الى رجال الدولة وكان رأيهم أيضا أن أنيس نال جائزة الدولة التقديرية من قبل وهذا يكفيه, وعقب التصويت بدا بهاء طاهر وأحمد عبدالمعطي حجازي سعيدين لأن شوقي ضيف حصل على نصف الأصوات, وقال بهاء (لم أكن أتصور أن الجدية والرصانة ممثلة في د. ضيف وجدت من يتحمس لها..) أما حجازي اتهم صراحة أنيس بالتسطيح. وصحيح أن د. ضيف لم يفز ولكن المتحمسين له كانوا سعداء لأن أنيس لم يفز.. والملاحظ أن أعضاء المجلس من المفكرين انحازوا الى د. ضيف بين بعض من قيادات وزارة الثقافة انحازوا الى أنيس. في جائزة العلوم الاجتماعية كان هنا ثمانية مرشحين, بينهم اثنان من رؤساء الوزراء السابقين هما د. عاطف صدقي رئيس المجالس المتخصصة وهو بدرجة رئيس وزراء د. علي لطفي, وعدد من الوزراء السابقين مثل د. سليمان حزين ود. أحمد خليفة ود. اسماعيل صبري عبدالله, وقد انحصر التنافس بين ثلاثتهم ود. صدقي, وقال الوزير فاروق حسني (إن الجائزة حجبت لأن الأربعة رائعون) . وهذا تصريح سياسي, والحقيقة أن هناك تحمسا لدى الوزير لرئيسه السابق د. عاطف صدقي, ولكن الأعضاء بالاضافة الى الرأي العام بين المثقفين ضد حصول أي مسئول سياسي على الجائزة, خاصة إن كان لايزال في موقع المسئولية, ود. صدقي له واقعة سابقة فقد نال الجائزة التقديرية وهو في رئاسة الوزارة الأمر الذي أضعف مصداقية تلك الجائزة, والحقيقة أن حجب الجائزة, أو عدم حصول د. صدقي عليها قد وجد سعادة حقيقية بين المثقفين والكتاب. أما جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية فقد تم ترشيح 14 اسما لها, لاختيار أربعة من بينهم, وقع الاختيار فقط على اثنين وحجبت عن اثنين, وليس في هذا مفاجأة, ولكنها تكشف أزمة أخرى في الترشيحات, فالملاحظ أن الهيئات التي لها حق الترشيح تجامل بعض مسئوليها, فالجامعات ترشح رؤساءها, والكليات ترشح عمداءها.. ورغم أنه يمكن أن يكون العميد ضعيف الانتاج الفكري وليس له دور عام, والجمعيات ترشح رؤساءها, ولذا فالمتابع لقوائم المرشحين سنويا, يجد أن هيئات بعينها ترشح شخصية معينة فلا توفق فيها والترشيح لسنوات وسنوات, لذا فإن معظم المرشحين هذا العام تم ترشيحهم من قبل, وأحدهم هو د. مأمون سلامة رئيس جامعة القاهرة السابق, يرشح من ذ خمس سنوات متصلة دون أن ينالها!! الأزمة الحقيقية هي في جوائز الدولة التشجيعية, فقد تم حجب 19 جائزة هي كالتالي.. 8 جوائز للعلوم الاجتماعية حجبت بالكامل, وخمس جوائز من جوائز الفنون الثانية حجبت, وخمس جوائز من جوائز العلوم القانونية والاقتصادية الثانية حجبت و جائزة من جوائز الآداب هي الأخرى تم حجبها. والمتوقع أن هذه الظاهرة لن تتراجع, بل ستستمر لسنوات. الحجب في التشجيعية ليس جديدا ولكنه لم يكن بهذا المعدل.. الخطورة أن الذين يتقدمون في هذه التخصصات هم من شبان أساتذة الجامعات, وأن تحجب فهذا يعني أن الجيل القديم م ن الأساتذة يرون خلفائهم ضعاف علميا وأكاديميا, ولا يقومون بشئ يستحق الالتفات اليه. وقد شكا هؤلاء الشبان, من أن الأساتذة القدامى يضنون بالجوائز عليهم, وأن كل أستاذ منهم منحاز الى تلميذ بعينه ولايريد لغيره البروز. التساؤل هو إذا كان هؤلاء الأساتذة يمنحون الماجستير والدكتوراه لتلاميذهم والترقية, فهذا يعني أنهم جيدون علميا ومنهجيا. فلماذا يلغون هذا الاعتراف بعد ذلك؟!! أما القدامى فيرون أنهم غير مسئولين عن تلاميذهم بعد الدكتوراه, وأن هؤلاء يعتبرون دورهم العلمي قد انتهى بالحصول على الدكتوراه وينشغلون بالبحث, د. عبدالمنعم رمضان رئيس لجنة التاريخ والآثار والذي يحجب الجوائز منذ خمس سنوات, يقول إن بعض الكتب التي يتقدم بها أصحابها للجائزة تجعله يتساءل كيف حصل هؤلاء أصلا على الليسانس!! أما د. فؤاد زكريا المفكر المعروف فمن خلال مراجعته لكتب الفلسفة اكتشف أن المتقدمين لايجيدون لغة أجنبية الى جوار العربية, فكيف يكون معلما للفلسفة بالجامعة ولا يعرف غير العربية, ناهيك عن أن يمنح الجائزة التشجيعية. العنصر الجيد الذي أضيف منذ العام الماضي, هو القرار بأن لايتقدم للجائزة من تجاوز سن الأربعين, وهذه السن تكاد تكفي للحصول على الدكتوراه فقط وليس انجاز بحث آخر يتقدم به, ولذا فإن هذا العام شهد عدم تقدم أي باحث لجائزة الفلسفة وجائزة التربية أما جائزة التاريخ فتقدم لها صحفي شاب بتحقيق صحفي مطبوع في كتاب!! وعنصر السن هذا يؤدي الى مشكلة أخرى, فانحسار التقدير الى جائزة الدولة التشجيعية وصعوبة الفوز بالتقديرية أدى الى ضغوط على جائزة التفوق, وهي جائزة وسطى بينهما.. فقد تقدم لها أعداد هائلة من أساتذة الجامعات خاصة في العلوم الاجتماعية. القاهرة ـ مكتب البيان