من القراءات الأولى التي مازالت عالقة بالذاكرة والقراءة متعة بكر في طور التكوين تذكرت قصة للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس بطلتها سيدة يتوفى عنها زوجها وهي لم تزل بعد في منتصف العمر تاركاً لها ابنة شابة في سن المراهقة. تكرّس السيدة حياتها لتربية ابنتها, ولكون الأسرة من طبقة ميسورة إلى حدٍّ ما فقد كانت البنت ملحقة بإحدى مدارس (الليسيه) الفرنسية. تجلس الأم كل يوم مع ابنتها بعد أن تعود من المدرسة.. وما أن تنتهي البنت من استذكار دروسها حتى تمسك بالهاتف لتطلب إحدى زميلاتها وتبدأ معها حواراً باللغة الفرنسية بينما الأم قابعة في ركن من الصالون تسلي نفسها بعمل قطعة من (الكانافاه) ولا صوت في الصالة سوى صوت الابنة وهي تتحدث مع صديقتها في الهاتف. تمر أيام وأسابيع على هذا المنوال حتى يأتي يوم تلاحظ البنت فيه شيئاً غير عادي يحدث في البيت مغيراً البرنامج الذي لم يتغير منذ وفاة والدها.. في ذلك اليوم رأت الابنة أمها تتأهب للخروج على غير عادتها فخمّنت أنها ذاهبة لزيارة صديقة أو قريبة رغم أنه لا تربطهم أي علاقات اجتماعية مع أحد. يمضي ذلك اليوم ولكن المشهد يتكرر بعد يومين وفي الموعد نفسه.. ثم يتكرر يوماً ثالثاً في نهاية الأسبوع. ويتكرر الخروج في الأيام نفسها من الأسبوع التالي.. تغادر الأم البيت في موعد محدد ثلاث مرات في الاسبوع وتعود في الموعد نفسه.. وتبدأ أفكار شتى مهاجمة رأس الفتاة وشغل تفكيرها.. وتتحول هذه الأفكار إلى نظرات تطارد بها عيون الأم بينما الأم معرضة عن هذه النظرات متجاهلة لها, حتى تقرر البنت ذات يوم الاقدام على ما ترددت كثيراً في تنفيذه. تخرج الأم في موعدها المعتاد.. وخلال دقائق تكون البنت قد انطلقت في إثرها تتبع خطواتها عن بعد.. تأخذ الأم طريقها عبر شوارع مختلفة حتى تصل إلى عمارة وسط البلد.. وما أن يحتويها المصعد حتى تقف البنت في ذهول تراقب الأرقام لتعرف الطابق الذي سيتوقف فيه.. ويصل قلقها إلى ذروته وهي تستقل المصعد خلفها قاصدة الطابق الذي سبقتها إليه الأم وألف خاطر يلحّ عليها إلاّ خاطراً واحداً غاب عن عقلها الصغير.. يتوقف المصعد في ذلك الطابق وينفتح بابه لتجد نفسها أمام شقة كتب على مدخلها اسم معهد لتعليم اللغة الفرنسية.. وهنا تهبّ رياح باردة على وجهها وتنحدر على وجنتيها دمعتان لم تستطع أن تعبّر بشيء سواهما بعد أن أدركت أنها قد ظلمت أمها التي دفعها خوفها عليها إلى الالتحاق بمعهد لتعلم اللغة الفرنسية كي تفك طلاسم ذلك الحوار الذي يدور أمامها كل يوم دون أن تفهم منه شيئا.. وكان المشهد عندما عادت الأم من درسها إلى البيت مؤثرا.. فقد اندفعت البنت ـ وإحساس بالذنب يغمرها ـ إلى حضن أمها تقبلها وتعتذر إليها وتعدها بألاّ تعود إلى التحدث بالفرنسية أمامها مرة أخرى إلاَّ بعد أن تتقنها الأم. هذا هو ملخص القصة التي أرويها من الذاكرة وأرجو ألا أكون قد بدلت فيها بالحذف أو الاضافة, وإن حدث ذلك لقدم عهدي بقراءتها فأنا واثق من أنني قد حافظت على المضمون الذي دفعني إلى تذكرها وأنا أستمع من سيدة إلى حكايتها مع أبنائها الذين وفرت لهم جهاز كمبيوتر وزودته بالانترنت كي لا يتأخروا عن مسايرة العصر وتقنياته, ولأنها كانت واثقة من سلامة تربيتها لهؤلاء الأبناء ولعدم إلمامها إلماماً كافياً بهذه التقنية الحديثة علاوة على انشغالها بأمور حياتية أخرى فقد غفلت عن مراقبة المواد التي يشاهدها الأبناء من خلال هذا الجهاز, وركنت إلى الثقة التي أولتهم إياها والتربية السليمة التي ربتهم عليها حتى كان يوم عطل فيه الجهاز فاستدعت المهندس الذي قام بتركيبه ـ وكان من المعارف وزملاء العمل ـ ليطلعها على أمر سبّب لها صدمة كبيرة لم تكن تتوقعها, فقد اكتشف المهندس أن أحد الأبناء قد قام بحفظ بعض المواد المحظورة في ملفاته الخاصة بالجهاز في غياب الأم وبقية الاخوة الذين لم يفكروا في فتح ملفاته, وهنا ثارت ثائرة الأم وقررت رفع الخدمة من البيت وحرمان الجميع من استخدامها. وكان السؤال المطروح بعد هذا الموقف: إلى أي مدى نسمح لأبنائنا باستخدام هذه الأدوات, وإلى أي مدى نمنعهم من الاقتراب منها؟ وكيف نستطيع أن نوازن بين مواكبتهم لتقنيات العصر ووقايتهم من الجوانب اللاأخلاقية التي تزخر بها هذه الأجهزة وتصعب الحيلولة دون وصولها إليهم مهما بذلت الجهات المختصة من جهود لمنع تسللها إلى البيوت لتصبح القضية التي تشغل الأهل والمربين هي تلك الشعرة التي تفصل بين التطور والانحلال وبين مسايرة العصر وضياع الأبناء. تسألني السيدة الفاضلة وفي عينيها قلق على المستقبل الذي تحاول أن ترسم ملامحه لأبنائها بمنتهى الدقة والحرص والعناية, وعلى وجهها حيرة مبعثها الصدمة التي سببها هذا الاكتشاف: ـ ترى .. أي القرارين كان صوابا؟ هل هو قرار إدخال هذه الخدمة إلى بيتي متأثرة بهذا الزخم الهائل من النداءات التي تدعونا ـ صباح مساء ـ إلى ولوج بوابة القرن الحادي والعشرين متسلحين بآخر تقنيات العصر فتكون النتيجة أن يجد الأبناء في أيديهم وسيلة تفتح لهم عوالم ما زال الوقت مبكراً على دخولها؟ أم هو قرار منع استخدام هذه التقنية لسدّ جميع النوافذ التي يمكن أن تهبّ علينا منها رياح وأعاصير تطيح بالبناء وهو بعد في أوله, وأنا الحريصة على توفير كل أسباب النجاح لتربية سليمة للأبناء تنأى بهم عن مواقع الزلل وتضعهم على المسار الصحيح كي يواصلوا رحلة حياتهم في أمن وسلام وطمأنينة؟ تطرح الأم الحائرة أسئلتها عليَّ وتطلب النصيحة فأجد نفسي في حيرة لا تقل عن حيرة أم باحثة عمّن يرفع عن كاهلها عبء اتخاذ القرار ويساعدها على الخروج من دائرة القلق التي وضعتها هذه القضية فيها. وأبحث في داخلي عن (عالم الاجتماع) القادر على الاجابة أو (التربوي الخبير) فلا أجد في نفسي سوى أب تحيّره أسئلة لا تختلف عن تلك التي تطرحها السيدة المسكونة بتأمين مستقبل أبنائها, وتتنازعه رغبة في ألا يجد الأبناء أنفسهم متأخرين عن غيرهم أو متخلفين عن مسايرة العصر ووسائله, ويستبد به قلق على مستقبل هؤلاء الأبناء وسلامة النهج الذي نربيهم عليه. ومن بين هذا القلق وتلك الحيرة تطل على المشهد صورة من الماضي يجد الأب فيها نفسه في موقع الأبناء إبناً يحاول أن يجد طريقاً للتفاهم وقاسماً مشتركاً للاتفاق مع أب أو أم كانا يحتلان موقعه الحالي ويعيشان قلقاً شبيهاً بالذي يعيشه الآن. عندها فقط يدرك أنه بدون هذا القلق لا يكون الأب أباً ولا الأم أماً, وأن جزءاًَ من متعتنا في تربية الأبناء هو هذا الهم الذي يجب أن يسكن جوانحنا دائماً كي نظل نتابع خطواتهم ونراهم يكبرون أمامنا يوماً بعد يوم.. يخطئون فنصوب أخطاءهم.. ويصيبون فنربت على أكتافهم, فلم يخلقنا الله ملائكة بلا خطايا كي نطلب من أبنائنا أن يكونوا كذلك.. وبقدر ما أخفينا عن آبائنا وأمهاتنا من تصرفات أعتقدنا ـ وقتها ـ أن عقلياتهم لن تستوعبها سوف يخفي عنا أبناؤها تصرفات يعلمون أننا لن نقرهم عليها. إنها قصة أجيال تتسلم من أجيال.. فنحن إنما نعد أبناءنا لزمان غير زماننا. وهكذا ترين يا سيدتي الكريمة أن المسئول ليس بأقل حيرة ولا أهدأ بالاً من السائلة, فكلنا أمام فلذات الأكباد قلوب حانية قلقة تحاول أن تحقق المعادلة الصعبة فتنجح مرة وتفشل مرارا.. ولكن الحياة لا تتوقف أبدا.. عاشها السابقون قبلنا, ونعيشها نحن اليوم, وسيعيشها الأبناء غداً بالهموم ذاتها.. فدعي القلق جانبا أو اجعليه رديفاً للأمل ما استطعت إلى ذلك سبيلا, وخذي من حلو الحياة ومرها لتصنعي منهما مزيجا يكتسب الأبناء منه مناعة ضد كدر الحياة وصفوها, أما المثالية الخالصة التي نحلم بها فلا وجود لها إلاّ في (المدن الفاضلة) التي أقامها الفلاسفة ودفنوها في بطون الكتب فلم نر لها كياناً على أرض الواقع وإن كانت آمالنا لا تزال معلقة بأن نرى أبناءنا يلجون أبوابها لنودع القلق وننعم بمباهج الحياة.