يبدو ان قلب الإنسان بدأ يفقد عرشه رغما عنه, ويخلي مكانه لمراكز أخرى في المخ, ولم تعد الأشعار الرومانسية ذات معنى في عصر (الجينوم) البشري, الذي يهدد بتحويلنا إلى كائنات آلية, مثل (الروبوت) , يمكن التحكم في حركتها وانفعالاتها واعادة صياغة أفكارها بالتدخل أو التعديل في كتاب حياتها. وخلافا لكل تراثنا الثقافي والأدبي, توصل العلماء إلى طريقة للكشف عن صدق المشاعر ومدى أصالة عاطفة الحب, عبر التصوير المقطعي للمخ, حيث تظهر علامات على مراكز معينة للمخ تؤكد وجود علاقة الحب بمجرد تلاقي الحبيبين. وهكذا لم يعد بمقدورنا سوى مراجعة كل ما كتبه الشعراء العرب, وما دونه المفكرون من رسائل تحوي ألوان الحب وصوره ومسمياته وخصوصا (طوق الحمامة) لابن حزم الأندلسي, فلم يعد (قلبي دليلي) كما تعودنا في أحاديثنا استنادا إلى (الحدس) والبصيرة أو الرؤية الداخلية للأشياء ولم يعد لعبارات حفظناها مثل: (إذا كان للرأس عينان فللقلب عيون) معنى محدد في عصر الصور والاشعة المقطعية لكشف العواطف. وعلى المنوال نفسه, يحار المرء في سيناريوهات حياتنا المقبلة, عندما تتلاحم منتجات ثورة الانترنت مع ثورة (الجينوم) وظهور سوق دولية للأعضاء البشرية, وانتشار عمليات الاستنساخ, والتلاعب بشكل الإنسان ومصيره, سعيا من مختبرات الغرب للوصول إلى استنساخ إنسان خارق, يقهر (بجينومه) المعدل كل الأمراض, ويتجاوز كل قدرات الإنسان المألوفة. ويدفعنا الفضول للتساؤل, هل سيكون استنساخ مثل هذا الإنسان الآلي, لو صح التعبير, حكرا على العالم الأول, وهل سيؤدي إلى تطور وسعادة البشرية, أم سيجلب معه صورا خارقة وكارثية من العنصريين والارهابيين. ولأنني لا أملك موقفا مسبقا من الفتوحات العلمية, فمازلت في موضع الحيرة والدهشة والتساؤل الممزوج بالشك تجاه التجارب الغربية, في ضوء خبرتنا مع كوارث الاشعاع النووي, ولجوء شركات الأدوية العملاقة إلى استخدامنا لتجريب بعض أدويتها التي تجلب من الأمراض أكثر مما تداوي. وأحيانا تدفعني أحلام اليقظة إلى التفاؤل بأن يتوصل علماء الهندسة الوراثية والمتلاعبون بـ (الجينوم) إلى وصفة سحرية تخلص البشرية من النوازع العنصرية والارهابية التي تلتصق باليهود الصهاينة, والمهووسين بدوافع العدوان والتوسع واحتلال أراضي الغير, وتشويه كل المقدسات, وتحويلهم إلى دعاة سلام, أو على الأقل تجعلهم يقبلون بأن يتركوا الآخرين يعيشون في سلام. سيد زهران