اكتشف علماء الغرب اليوم هكذا وبدون مقدمات أن المرأة المكتنزة المتعافية أكثر سعادة وإشراقا في حياتها الاجتماعية مقارنة بالمرأة النحيفة ذات البنيان الجسماني الذي يشبه العارضات.. ويبدو أن هؤلاء لم يسمعوا أشعار العرب قديمها وحديثها، ولم يقرأوا ما جادت به الذاكرة الشعبية العربية, وإلا لعرفوا ما يصرحون به الآن منذ زمن بعيد.. فقد ظلت الذاكرة العربية رغم ما رأته وخبرته من أحوال النساء تنتعش بفضل الشعر الذي كان عبارة عن وكالات أنباء واعلان متنقلة, وبفضل الشعراء الذين كانوا يكتبون النصوص الاعلانية ويطرحونها في جلساتهم الخاصة والعامة, فتتناقلها الأفواه وتسجلها الصدور وتحفظها الذاكرة. فمن منا لا يحفظ قصيدة شعبية كانت أم فصيحة لا تتداعى من بين أبياتها امرأة بيضاء ذات أرداف ثقيلة وخصر نحيف. وفي الوقت الذي يركز فيه الإنسان الشرقي على وجه العموم والإنسان العربي خصوصا وفق ما تمليه الذاكرة عبر تاريخها الممتد على كل ما هو ممتلئ وسمين نجد ان الذاكرة الغربية تميل إلى عكس ذلك وتتواصل عبر برامجها المختلفة إلى فرض نموذجها الذي أطرته من خلال عروض الأزياء والاعلام وأشكال التواصل المختلفة. * إذن ما هي المشكلة في ذلك كله؟ تأتي الاجابة عن هذا السؤال بشكل عفوي وتلقائي وهي أننا لا نستطيع أن نلغي ذاكرتنا أو ننحيها جنبا, لكننا نستطيع أن نغير بعض قناعاتنا القديمة بفضل الفعل والممارسة والاحتكاك ومعرفة الأسرار الخافية, وأغلبنا في الوطن العربي سواء كنا رجالا أم نساء تلبسنا رداء النحافة وتركنا الكثير من عاداتنا الغذائية القديمة التي لا تطرق إلا باب السمنة, وخضع الكثيرون منا إلى برامج تخسيس ونحافة للوصول إلى ما هو نموذجي في العالم المتمدن! مشكلتنا اليوم تتمثل في حيرتنا المتواصلة من تعليمات خبراء الصحة العامة, وحقيقة لا أعرف وغيري كثيرون, ماذا يريد هؤلاء, فأحيانا يصرحون بأن التفاح هو السر الواقي من السمنة بفضل مادة البكتين التي تحتويها ثماره, وأحيانا أخرى يشيرون إلى ان السمنة مطلوبة لأنها تجعل صاحبها أكثر سعادة وبهجة من أولئك النحفاء. جميعنا عموما معرضون لسماع مثل تلك المقولات المقلوبة التي تقلب قناعاتنا رأسا على عقب, ويبدو ان مثل تلك المقولات تؤثر في السوق سلبا وايجابا, وفعليا أثر قرار صدر أخيرا في بريطانيا يقضي بعدم نشر صور لعارضات نحيفات على أغلفة المجلات على السوق الاعلانية, وجاء القرار ضمن حملة وطنية للقضاء على ما يسمى هزال العارضات خاصة وان أغلب المراهقات يحاولن تقليد العارضات في شكل أجسامهن النحيفة. وبعيدا عن المقولات والشعارات التي تربط السمنة بالكآبة انقلبت الآية فانقلبت معها القناعات القديمة الراسخة وانتصر الدكتور جيمس واتسون عالم المورثات والحائز على جائزة نوبل للعلوم انتصر للذائقة العربية القديمة وللشعراء العرب, شعراء فصحى كانوا أو نبط بدءا من قيس وانتهاء بالجمري.. وكأن الدكتور واتسون يسمع أبيات عمر بن أبي ربيعة في وصفه لحبيبته إذ يقول: وتخطو على بُرديّتين غَذَاهما سوائلُ من ذي جَمَّةٍ متحيِّرِ من البيض مِكسالُ الضحى بحتريةٌ ثَقَالٌ متى تنهض إلى الشيء تغيّر وقد فاجأ الدكتور واتسون الذي شارك عالما آخر في اكتشاف الحامض النووي DNA وقاد بالتالي الفريق العالمي للجينوم البشري المجتمع الدولي بنظريته الجديدة التي تشير إلى أن الأشخاص البدناء أكثر سعادة من النحفاء. وأكد الدكتور جيمس واتسون على ان أبحاثه أوصلته إلى ان الأرطال الزائدة في وزن المرأة تجعلها مستقرة الشخصية وأيضا سعيدة في حياتها الاجتماعية. وأشار إلى انه ليس بالضرورة وراء ابتسامة العارضات النحيفات حياة جميلة مستقرة, بل ان وراء تلك الابتسامة ترقد أرواح بائسة! وأوضح ان كيمياء جسم الإنسان قادته إلى نتيجة تتلخص في ان الشحم له أثر كبير في تعزيز الاندورفينز المختصة بتوفير المزاج الطبيعي مشيرا إلى ان الرجال تنطبق عليهم نفس الأحكام. ويختم الدكتور واتسون ان النحافة تساوي أو تجلب التعاسة, والسعداء هم أولئك الناس الذين لهم أوزان على أجسامهم! ومن هنا فلن يعد موضوع السمنة والرشاقة هو الشغل الشاغل لمراكز البحث العلمي بعد تلك المفاجأة المدوية التي أعلنها الدكتور واتسون, ولن تصبح البدانة أزمة قومية كما حدث في أمريكا إذ شنت السلطات الطبية العليا حربا حقيقية على تلك المشكلة, بل ستصبح السمنة من مستلزمات العصر الحديث ومن أهم سماته, وبالتالي ستتغير المقاييس وستختفي العارضات النحيفات وستتبدل بعض المفردات أو تختفي كليا فبدلا من وزن الريشة والذبابة في رياضة الملاكمة ستدخل مقاييس أخرى هي وزن الجمل ووزن الفيل! عموما نقول وداعا للرشاقة, أهلا بالسمنة في زمن الجمل والفيل!